المسافة صفر… من دير ياسين إلى غزة: جريمة واحدة بيد مجرم واحد!
زياد فرحان المجالي*
في التاسع من نيسان 1948، كان العالم على موعد مع واحدة من أبشع الجرائم في تاريخ فلسطين. قرية صغيرة اسمها دير ياسين، لا يتجاوز عدد سكانها بضع مئات، تحولت إلى مسرح للدم. عصابات “إرغون” (واسمها بالعبرية مشتق من كلمة Organize) بقيادة مناحيم بيغن، و”شتيرن” بقيادة إسحاق شامير، دخلت القرية فجرًا، فنسفت البيوت، وأعدمت المدنيين في الشوارع، ولم تُبقِ طفلًا ولا شيخًا ولا امرأة إلا وأصابت جسده رصاصًا أو سكينًا. قُتل ما بين مئتين وخمسين إلى ثلاثمئة إنسان أعزل. من بقي حيًا جُمع في شاحنات وسُيّر في القدس كغنيمة حرب، ثم أُبعد عن قريته إلى غير رجعة.
الهاجاناه حاولت أن تتبرأ، لكن الحقيقة أنها استفادت سياسيًا، فقد كانت المجزرة جزءًا من الخطة “دالت” التي وُضعت في آذار 1948 لاقتلاع الفلسطينيين من قراهم. المؤرخون الإسرائيليون مثل إيلان بابه يذكرون أن هذه الخطة، الممتدة من أول نيسان وحتى منتصف أيار 1948، نجحت خلال أسابيع قليلة في تدمير 531 قرية فلسطينية و119 بلدة، وتهجير مئات آلاف الفلسطينيين. هكذا تحولت دير ياسين إلى رسالة رعب قادت إلى نزوح عشرات القرى المحيطة بالقدس، وساهمت مباشرة في صناعة النكبة.
المأساة كانت تُرتكب بصمت مطبق. لم يكن هناك بث مباشر، ولا صحافة مستقلة، ولا عدسات تلفزة. لم يعرف العالم ما جرى إلا متأخرًا عبر شهادات متفرقة وصور قليلة. الدم الفلسطيني كان يُسفك بعيدًا عن العين، وكان الجاني يطمئن إلى أن الضحية ستُدفن مع القصة.
من دير ياسين إلى غزة: المشهد يعاد بصورة أشمل
اليوم، بعد أكثر من سبعين عامًا، يقف التاريخ أمام قطاع غزة، الذي يضم خمس محافظات (غزة، شمال غزة، دير البلح، خانيونس، ورفح)، ويعيش فيه أكثر من 2.05 مليون إنسان. منذ عقود والقطاع تحت حصار خانق، ثم تحوّل في العامين الأخيرين إلى ساحة حرب مفتوحة تُستخدم فيها أحدث ترسانات القتل: قنابل فراغية، صواريخ إف-35، ومدفعية لا تهدأ.
لكن غزة ليست دير ياسين. هناك لم تكن مقاومة، أما هنا فهناك رجال يقاتلون. في 1948 لم يكن للفلسطيني سند ولا سلاح، أما في 2025 فهناك مقاومة تحمي الذاكرة بالدم والسلاح، وتُحاصر الاحتلال بخنادقها وأنفاقها وصواريخها.
سلاح التجويع
وإلى جانب القصف، اعتمد الاحتلال وسيلة جديدة لا تقل خطورة: التجويع. قطع المساعدات الإنسانية، ومنع الغذاء والدواء والماء، صار جزءًا من الاستراتيجية الإسرائيلية لإخضاع السكان. إنها جريمة أخرى، موثقة بالصوت والصورة، تكشف أن دولة الاحتلال ما زالت تسير على ذات النهج الذي بدأته العصابات في 1948، ولكن بوسائل أكثر حداثة.
الإعلام والذاكرة
في دير ياسين كانت المجزرة غائبة عن الأعين، أما في غزة فالجريمة تُرتكب على الهواء مباشرة. الجزيرة تنقل تفاصيلها رغم استهداف صحافييها. الصحف العالمية الكبرى تنشر، والمنظمات الحقوقية تصف ما يجري بأنه “إبادة جماعية”. ومع ذلك، الغرب يواصل شحن السلاح، والعرب يكتفون ببيانات الاستنكار، بينما الضحية تُباد حيّة أمام العالم.
الفارق الحاسم
غزة صنعت فارقًا جوهريًا. هنا لم تعد الضحية صامتة، بل باتت قادرة على الرد. عمليات الأسر، الكمائن، الصواريخ، كلها أسقطت أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”. الدولة التي تزعم أنها قامت على الطاولات الأوروبية من رحم المجازر، تواصل اليوم المجازر ذاتها، لكن في مواجهة شعب تغيّر، ولم يعد يقبل أن يُقتلع بلا ثمن.
كلمة غزة للعالم
اليوم تقول غزة للعالم: إذا كان التاريخ يعيد نفسه، فإن الشعب تغيّر. في 1948 كان الفلسطيني يذبح أعزلًا، أما في 2025 فالمقاومة تُعيد صياغة المعادلة: الدم يقاتل بالنار، والذاكرة تُصان بالسلاح.
المسافة صفر بين الأمس واليوم. دير ياسين وغزة جرح واحد، جريمة واحدة، بيد مجرم واحد. والتاريخ شاهد.
كاتب اردني
2025-09-10