المروحيه ! د.موفق محادين
ذات صباح من ايام الحرب الاهلية في لبنان 1976، وكنا ضمن مجموعة فلسطينية- لبنانية- عربية في تلال تشرف على البحر الابيض المتوسط ..وردت إلى أبو ثائر، قائد الموقع، برقية من مقر القيادة في ترشيش” تفيد بأن طائرة حربية مروحية صديقة، ستمر هذا الصبح فوق المواقع. قادمة من الشمال الغربي، ولم تمر الطائرة في الوقت المحدد.
بعد ايام ، وكنا جميعا (أبو ثائر، يوسف، نضال، عامر، أبو السعيد، أبو غالب، جمال صرصور غازي، علي البدوي، أبو زهير..) قد خرجنا لتونا من خنادقنا الرطبة طلبا للشمس، وكان يوسف يعد الشاي وببطء شديد على “الحطب الأخضر”.
وكنا قد تعودنا على غارات من الطيران السوري ابان دخول القوات السورية 1976 لوقف الحرب الاهلية ،و الذي كان يحلق فوقنا ويترك صوتا مرعبا يخلع القلب، ويطلق قذائفه في الوادي السحيق الذي يفصلنا عن التلال المقابلة دون أن يستهدفنا مباشرة.
كما علمنا إن خصومنا من القوات الانعزالية حصلوا على دفعة من مروحيات حربية خاصة ، وتلقينا تحذيرات من القيادة. حول ذلك.
فجأة، وجدنا طائرة مروحية حربية، تتجه نحونا، وكنت أقرب أفراد المجموعة إلى رشاش الدكتوريوف، الذي لا يمكن السيطرة عليه برماية حرة إلا من موضع ثابت، ولي معه تجربة مرة خلال تدريب سابق في معسكر عين الصاحب قرب دمشق وفي سيرة هذا المعسكر التابع للمقاومة الفلسطينية الذي تخرج منه مقاتلون من حزب العمال الكردستاني انذاك وقبل انحرافه الخطير الاخير ، انه كان عرضة لغارات صهيونية دائمة كما تعرض لهجوم التكفيريين في السنوات الاخيرة ، وهو الهجوم الذي استهدف المدربين الفلسطينيين الذين كانوا يشرفون على اعداد مجموعات من المقاومين في الارض المحتلة .
قفزت بسرعة نحو الرشاش، واستندت إلى أكياس الرمل التي تعلو مربضه ، وبدأت بإطلاق النار نحو الطائرة، التي انحرفت بالتتابع، وابتعدت خلف التلال، واعتقدنا أنها سقطت أو أصيبت.
وخلال ثوان كان الرشاش يفلت من يدي، ويهمد مقلوبا على الأرض، بعد أن كادت طلقاته المجنونة العشوائية تحصدنا جميعا.
الطائرة، لم تصب بأي أذى، وكان مستحيلا أصابتها برشاش كهذا، وبيدين مرتجفتين وناحلتين.
وقد حدث كل ذلك، ليس لأن عرفات أو أبو خالد العملة قررا تعطيل لجنة الوساطة كما قالت بعض الصحف في حينها ، بل لأن متطوعا مذعورا تصدى لذلك في لحظة لا شعورية.
وللعلم كانت الطائرة تحمل على متنها وفد الوساطة المكون من: عبدالحليم خدام ، وزير الخارجية السوري وعبدالسلام جلود نائب القذافي وصلاح خلف من قيادات حركة فتح وجورج حاوي الامين العام للحزب الشيوعي اللبناني ، الذي لم يصدق ذلك عندما أخبرته بهذه الحادثة، وكان ذلك خلال ملتقى الحوار العربي في طرابلس الغرب…
وبالمناسبة ، فقد توفي معظم الاصدقاء والرفاق الذين كانوا في الموقع ومنهم :
– قائد الموقع ، ابو ثائر ، عسكري سابق في الجيش الاردني ، استشهد في اذار 1978 في معركة الليطاني ضد العدو الصهيوني وهو ينقل عددا من الطلبة الاردنيين المتطوعين ، منهم الصديق الراحل ، علي الزعبي.
– علي البدوي (الخالدي) الذي اصيب في معركة الليطاني ايضا وتوفي لاحقا في ليلة باردة خلال عمله كحارس ليلي في حديقة تابعة لبلدية المفرق.
– جمال صرصور ، المثقف الكبير ، خفيف الروح ، الذي يذكرنا بشخصية زوربا في رواية كازانتزاكيس المعروفة، وكان يعود من مناوباته الليلية وهو يردد اغانٍ من عالم جوزيف صقر (كنا في احلى الفنادق جرجرونا عالخنادق) و (حن الحديد على حاله….الخ)
2021-12-13