المدرسة الشمسية وأثرها في توجه البردوني!
محمد عبد السلام منصور
اختتم شيخ النقاد اليمنيين د عبد العزيز المقالح تقديمه [ديوان عبد الله البردوناوي: الأعمال الشعرية] الصادر عن الهيئة العامة للكتاب- صنعاء 2002 بقوله: إنه حاول “كشف اللثام عن وجه شاعر ثوري عنيف في ثوريته، جريء في مواجهته”. والحقيقة أن هاتين الصفتين، كما أرى، قد صارتا سمة ثابتة تميز الشاعر والمفكر البردوني، يعرفها قراء ومتابعو إبداعاته الشعرية وكتاباته الأدبية والسياسية، وها نحن نجد الموسوعة العالمية للشعر العربي، تأكيدا لهذه الحقيقة، تنقل كامل النص الذي اختتم به د المقالح تقديمه، ووضعته على رأس الـ (نبذة عن البردوني) “شاعر ثوري عنيف في ثوريته جريئ في مواجهته يمثل الخصائص التي امتاز بها شعر اليمن المعاصر، والمحافظ في الوقت نفسه على كيان القصيدة العربية كما أبدعتها عبقرية السلف ، وكانت تجربته الإبداعية أكبر من كل الصيغ والأشكال…” والذي يهمنا في هذه الورقة الحديث عن مكونات الجذور الثورية للشاعر وهل هي مستمدّة من المدرسة الشمسية، وهو الموضوع الذي طلبت جامعة صنعاء أن يكون أحد محاور الندوة الثانية ضمن فعاليت احتفائها بمرور عشرين سنة على وفاة الشاعر، والذي عنونٓته بـ “الجذور الثورية المستمدة من المدرسة الشمسية”.
قبل الدخول في الحديث عن موضوع العنوان أود التنويه إلى أنني لم أجد- فيما قرأته أو سمعته – أحدا إلا وهو يدرك هذه الثورية الخالصة لدى حكيم اليمن الشاعر عبد الله البردوني، فأنوارها دائمة التوهج في كل إبداعاته الشعرية وكتاباته الأدبية، وفي جميع تحليلاته التاريخية والاجتماعية، الأمر الذي يجعل التساؤل عن مصدر هذه الثورية تساؤلا بديهيا من الواجب على المشتغلين بالدراسات الأدبية والاجتماعية والسياسية البحث عن إجابة بل إجابات صحيحة عنه، لكون البردوني وثوريته صارا قيمة يمنية عربية إنسانية استطاع إبداع البردوني، أن يتجاوز بها مكانه وزمانه، ولعل هذه القيمة الإنسانية العظيمة كانت هي المنارة التي أطلّت منها جامعة صنعاء تدعو أُولي البحث أن يتتبعوا جذور هذه الثورية الناصعة، وهل هي مستمدة من المدرسة الشمسية؟
المدرسة الشمسية
هي واحدة من تلك المدارس الإسلامية الملحقة بمساجد بعض المدن اليمنية كمدرسة الجامع الكبير بصنعاء و ومدرسة جامع الهادي بصعدة والأشرفية في تعز ومدرسة زبيد وجبلة وغيرها،وهي المدارس التي كان يهاجر إليها طلبة العلم لدراسة العلوم الدينية: القرآن، الحديث، الفقه، أصول الدين، فضلا عما يسمونه علوم الآلة، التي يتوقف عليها فهم نصوص العقيدة والشريعة: وهي علوم اللغة، علم الكلام، المنطق، مصطلح الحديث. وتنقسم المدارس الإسلامية في اليمن غالبا إلى قسمين: زيدية، وشافعية، بحسب المنطقة التي بنيت فيها، ومذهب من تكفل ببنائها.
في مدينة ذمار، بنى الإمام المتوكل يحي شرف الدين، المدرسة الشمسية، منتصف القرن العاشر الهجري. لتضاف إلى مدارس المذهب الزيدي، وأشرف على بنائها ابنه الأمير شمس الدين وسميت باسمه، تخرج منها كثير من فقهاء المذهب الزيدي وقليل من غيره.
ويهمنا هنا الإشارة إلى العلاقة بين علماء المذهب الزيدي وعلماء المعتزلة تلك العلاقة التي ترجع إلى زمن الإمام زيد بن على؛ فقد كان المعتزلة، لأسباب عقيدية وسياسية، ممن والى وناصر الإمام زيد في خروجه على الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك داعيا جمهور المسلمين إلى مبايعته إماما. وبعد استشهاد الإمام زيد، رجع علماء من أتباعه إلى أرائه في مسائل العقيدة والشريعة وإلى ما رواه عن أجداده من الأحاديث، ليؤسسوا بذلك مذهبا فقهيا منسوبا إلى الإمام زيد ولما كان الإمام زيد على علاقة بفرقة المعتزلة فقد أخذ علماء الزيدية عن المعتزلة أصولهم الخمسة التي استخرجها، بمنهج عقلي علماؤ هم الأوائل، على رأسهم واصل ابن عطاء، وهي: ١- التوحيد ٢- العدل ٣- الوعد والوعيد ٤- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ٥- المنزلة بين المنزلتين.
لم يأخذ علماء الزيدية بهذا الأصل الأخير بل استبدلوه بأصل ألإمامة فجعلوه لهم أصلا خامسا استخرجوه بدليل النقل، وليس بالمنهج العقلاني. ثم تشدد بعض أتباع الإمام في الأخذ بهذا الأصل ومنهم الإمام الهادي يحي بن الحسين الذي قرر في الجزء الثاني من رسائل العدل والتوحيد ص ٧٤ تحقيق محمد عمارة دار الهلال “إن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين وسيد المسلمين ووصي رب العالمين ووزيره… أحق الناس بمقام رسول الله وأفضل الخلق بعده…. فهو أحق بالإمامة للذكر الجميل في واضح التنزيل”
أردت بهذه النبذة المختصرة تبيين ما يلي:
أولا علاقة الاتفاق والاختلاف بين الزيدية والمعتزلة؛ لأنها تشير إلى أمرين: منهجي، وسياسي: الأول اتفاقهم مع المعتزلة في الأخذ بأصولهم الأربعة الأولى، اكسبهم القدرة على الجدل الكلامي القائم على منهج العقل.
الثاني إختلافهم عن المعتزلة في عدم الأخذ بأصل (المنزلة بين المنزلتين) ليتيح لهم مسألتين: الأولى وضع أصل ديني خاص بهم هو الإمامة، والثانية أنهم بنوا على هذا الأصل الديني مبدأ الخروج على السلطان الجائر، بما أتاح لهم القول: إن منهجهم في الكلام عقلاني واتجاههم في السياسة ثوري، وهذا يفسر كثرة خروج الأئمة في اليمن على حكام الدول وخروج بعض الأئمة على بعضهم الآخر، على امتداد تاريخ اليمن.
ثانيا إن المدرسة، بحكم مُنشئها ومكان إنشائها، أريد لها أن تكون مدرسة زيدية صرفة تتولى ترسيخ ونشر المذهب بما يدعو إليه من انحصار الإمامة في البطنين، وتأكيد مبدأ الخروج على السلطان الجائر.
ثالثا: إن تاريخ إنشائها في عام ٩٥٠ هـ لافت إلى أمرين ١- بقاء المدرسة العامرية ناشطة في رداع، ٢ – دخول الأتراك الأول إلى اليمن، ويبدو أن هذين الأمرين هما الباعثان على إنشاء المدرسة الشمسية لتقوم بدور المجابهات العقيدية النظرية، للخصمين السياسيين، والخصوم من بعدهما كدور غيرها من مدارس المذهب المنتشرة في المنطقة الزيدية.
هذه محاولة سريعة ومكثفة في تتبع جذور ومعنى ثورية المدرسة الشمسية التي تشكلت وشكلت مع بقية مدارس المذهب الزيدي جماع نظرية إمامة اليمن في العقيدة والسياسة، غير أنا لو تتبعنا سير خريجي المدرسة منذ نشأتها لن نجدهم جميعا قد لزموا رؤيتها المذهبية فهناك الكثير من الفقهاء والقضاة والوعاظ والأدباء والشعراء والمؤرخين، من تجاوز هذه الرؤية إلى غيرها من الرؤى الإسلامية، وأذكر على سبيل المثال المتأخرين منهم أحمد عبد الوهاب الوريث وزيد الموشكي والقاضيان محمد وإسماعيل علي الأكوع والعلامة أحمد سلامة والشاعر ابرهيم الحضراني، وغيرهم؛ بما جعل أروقة الدرس تتسع للرؤى المتنوعة وأضحت مثارا للمناظرات بين الفرق الكلامية فتجول نظر الشيوخ والدارسين، بين مراجع أصول المذاهب الفقهية وفروعها وأطلت من حلقات النقاش المدارس اللغوية والاتجاهات الأدبية بل والفكرية أيضا؛ ومع مرور الزمن، برغم ممانعة الاتجاه المحافظ تسربت قضايا العصر وأفكاره شيئا فشيئا لتتسع بذلك دوائر التسامح وتفهًم خلاف الآخر والقبول بهما.
في هذه الأجواء المفعمة بالتفاعل بين القديم والجديد التحق الشاعر عبد الله البردوني بالمدرسة الشمسية نهاية العقد الثالث من القرن الماضي وقد صارت المدرسة، كما سبق أن رأينا، تضم كثيرا من الأساتذة والطلبة المتفتحين على ثقافة العصر، يتبادلون ما يصل إليهم من الكتب والمجلات الحديثة في مجالات السياسة والاجتماع والفلسفة والأدب، فيندهشون بما أنجزته الإنسانية، خارج اليمن، من اختراعات علمية وتطورات اقتصادية واجتماعية وسياسية، فيأسفون لحالة التخلف والعزلة التي تغمر أرجاء اليمن، شأنهم في ذلك شأن أمثالهم المنفتحين على ثقافة العصر في مدارس اليمن ومدنه، فيدركون أن إصلاح شؤن وطنهم صار ضرورة إنسانية وواجبا دينيا.كان من ثمرة ذلك ظهور علماء مثل أحمد عبد الوهاب الوريث وزيد الموشكي، وغيرهم ممن عمل على إصدار مجلة الحكمة، التى كانت أهم منبر فكري حمل الدعوة إلى إصلاح الواقع اليمني فضمت مجموعة من علماء اليمن ومثقفيه المنفتحين على ثقافة العصر، ولما لم تجد دعوتهم استجابة تحول كتّابها إلى صفوف المعارضة التي تبلورت دعواتهم الإصلاحية في أدبيات ثورة ٤٨ الإصلاحية بقيادة حركة الأحرار اليمنيين.
حينها كان البردوني قد شارف على سن العشرين وقد عاش كل هذه الأحداث وتطوراتها المتلاحقة يتلقاها بإحساس الشاعر المرهف، تتطور معها معارفه ويتناما فكره، لكن مسيرة حياته العانية الحزينة هي التي ستشكل رؤاه ومواقفه، فبنظرة سريعة إلى ما رواه عن سيرته، سندرك حجم المآسي التي عانها ابتداءً من مكابدة مرض الجدري الذي شفي منه بعد سنتين وقد خطف بصره،فمثل لأسرته مأتما صاخبا، حسب تعبيره، لكني لن أتتبع سيرة الشاعر الحياتية القاسية، فهي متاحة، في أكثر من مصدر غير أني سأكتفي بالقليل مما كتب، عن بداياته الشعرية قال عن نفسه: “ وأكثر هذا الشعر شكوى من الزمن وتأوه من ضيق الحال وفي هذا الشعر نزعات هجائية تكونت من قراءة الهجائين، ومن سخط الشاعر على المترفين الغلف فقد كان يتعزى بقراءة الهجو ونظمه وهذا بدافع الحرمان الذي رافقه شوطا طويلا فبكى منه وأبكى”
هذه الإلمامة الموجزة عن حياة الشاعر عبد الله البردوني وعن علاقته بالمدرسة الشمسية، التي ألقينا نظرة مجملة على المرجعيات التي شكلت رؤاها العقيدية والشرعية والسياسية ستمكننا من العثور على مجموعة من الروافد الحياتية والعلمية التي تكونت بسببها الجذور الثورية للشاعر، وسندرك دونما عناء:
أولا أن بيئته الاجتماعية كانت هي الرافد الأول والأهم؛ فهي التي احتضنته منذ الميلاد وحتى بلغ كامل رجولته، تفتحت فيها حواسه، وتنامت إدراكاته، وانصبّت عليها تأملاته، وجميعنا يعلم مدى تعاستها وشقائها بعامة، جراء ما كانت فيه، من مجاعة ومرض وجهالة، وما خصه فيها من ألام وأحزان بِدأً بمرض أفقده البصر طفلا؛ ففارق الأهل إلى غربة أذاقت طفولته الأمرين: ازدراء الناس وإيذاءهم، وتاليا ما عاناه وقد بلغ من العلم شأنا، من إهمال السلطة وسجونها؛ بسبب رفضه لواقع مجتمعه المرير.
ثانيا أن فترة الدراسة في المدرسة الشمسية، ثم في المدرسة العلمية بصنعاء، زودتاه بوسائل تحصيل المعرفة وطرائق التفكير العقلاني وشرعنت له الخروج على السلطان الجائر، وأدرك بحاسة الشاعر، وتأمل المفكر، الفرق الشاسع بين القيم الإنسانية السامية التي يحض الإسلام على ممارستها في الحياة العملية، وسلوك المتدينين المخالف لهذه القيم وبخاصة منهم الحكام، فظل جريئا في نقد التدين النفعي، داعيا إلى الدين القويم.
ثالثا أن قراءاته الحديثة هي التي مثلت رافدا أكسبه ثقافة إنسانية وسلوكا حضاريا إبعده عن العصبية والتشدد، وجعله دائم الثورة على كل قيم التخلف محبا للإنسان كونه إنسانا يتمتع بكل الحقوق الإنسانية كي يعيش حرا مكتفيا آمنا سعيدا، وظل يحض المجتمع اليمني على الثورة ضد الاستعمار والاستبداد ليتمكن من اللحاق بالحضارة الإنسانية الحديثة.
أما الدليل على هذا كله فهو إبداع البردوني الشعري وإنتاجه الفكري والأدبي المتنوع فيما أصدر من كتب وما نشر من مقالات وما تضمنته مجلة الفكر والأدب التي كانت إذاعة صنعاء تبثها أسبوعيا عبر الأثير.
إن من يقرأ إنتاجه الشعري والفكري سيجد مفكرا يمنيا ذا ثقافة تقدمية معاصرة وثائرا التحم التحاما عضويا بجماهير مجتمعه، وحين أعلنت ثورة سبتمر ٦٢ أهدافها الستة وإقامة النظام الجمهوري ارتفع صوته مؤيدا ونصيرا فعبر عن فرحته بالثورة والجمهورية الوليدة.
أفقنا على فجر يوم صبي فيا ضحوات المنى إطربي
أتدرين يا شمس ماذا جرى؟ سلبنا الدجى فجرنا المختبي
وكان النعاس على مقلتيك يوشوش كا الطائر الأزغب
وصرنا حشودا تطير الدروب بأفواج ميلادنا الأنجب
فولى زمان كعرض البغي وأشرق عهد كقلب النبي
وظل يؤيد خطى الثورة ويحض الجماهير على الوقوف بجانبها والتمسك بأهدافها، وحين سعى الاستعمارالغربي والرجعية العربية على احتواء الثورة وأهدافها وتفريغ الجمهورية من محتواها ارتفع صوته الشعري عاليا ضد أمراء النفط وواشنطن والحكومات اليمنية المستسلمة لتآمرهم بما أثبت أنه ظل في إبداعاته الشعرية وكتاباته الفكريه متمسكا برؤيته الثورية وموقفه المدافع عن الجمهورية شكلا ومضمونا.
البردّوني.. الموقف
ترك الشاعر اليمني عبد الله البردوني للأدب العربي تجربة شعرية غنيّة لفتت الأنظار إلى قدرﺗﻬا الإبداعية، وبخاصّة تلك الفرادة في الإصرار على اتخاذ أشكال القصيدة البيتية وعاء لمواضيع الشعر الحديث وقيمه الفنية والأسلوبية والتعبيرية، حتى اعترف له المبشّرون بنهاية هذه القصيدة، أنه نفخ فيها من روح الشعر ثورة حاولت النهوض بقدرﺗﻬا على استيعاب أساليب
الشعر الحديثة، والتعبير عن همومنا وأحلامنا الجديدة، سواء كانت يمنية أو عربية أو إنسانية.
ولا أنسى حوارا كان قد دار حول شاعرنا الكبير في مثل هذه الأيام من العام الماضي، بين مجموعة من الشعراء وأساتذة النقد، في منزل شاعر من الجنوب اللبناني هو الصديق شوقي بزيع، أثار حوارَنا بيتٌ للبردّوني عادة ما أستشهد به إذا ما اقتضت المناسبة وهو:
“والصداقات كالعداوات تؤذي فسواء من تصطفي أو تعادي”
وأثناء التحاور عبر الصديق الشاعر جودت فخر الدين عن استغرابه من أن البردّوني لم يحظ بالاهتمام العربي الذي حظي به كثير من الشعراء العرب كالجواهري وبدوي الجبل، وأبي ريشة والأخطل الصغير، وسعيد عقل، مع أن البردّوني كما يرى د.جودت هو أهمّ أثرا في القصيدة البيتية من أكثرهم، فوافقه الجميع. ومما قيل في ذلك الحوار أن التجربة الشعرية للبردّوني مدعاة للتأمّل والبحث، وخاصّة فيما يتعلّق بأثر الموقف الذي تبنّاه في إثراء تجربته الشعرية واتّساع دائرة قرائه. وقد لاحظ المشاركون في الحوار أن موقف الشاعر بعامّة يلعب دورا مهمّا في تحفيز الجهد والوجدان على البلوغ من الإبداع غايته، وبالمقابل فإن واحديّة الموقف بين الشاعر والمتلقي تثري القراءة وتعمّقها، بل إﻧﻬا تساعد في استسلام النصّ المراوغ للفهم في سلاسة وانقياد، وربما يكون هذا واحدا ضمن غيره من الأسباب التي قد تفسّر حضور المتنبي في الذاكرة العربية أكثر من حضور أبي تمام مثلا، وأتمنى أن يتاح للبحث التأكد من صحّة
هذا الافتراض.
أما المهمّ فيما يخصّ ذكرى وفاة شاعرنا العربي الكبير هو أننا اتّفقنا جميعـا، في ذلـك الحوار، أن البردّوني مهما كان نصيبه من الاهتمام، قد ارتبط في الـذاكرة الشـعرية العربيـة المعاصرة بقدرته الإبداعية على إكساب القصيدة البيتية حياة جديدة تتـنفّس روح العصـر وهمومه وطموح أحلامه الإنسانية. لقد أتت القصيدة في شعر البردّوني، أو على الأصحّ لنقـل: إن البردّوني قد أتى فجدّد في القصيدة البيتية بما أمات من ألفاظها القديمة وتعبيراﺗﻬـا المتوارثـة باتجاه أن يجعلها قادرة على تجاوز فردانية كل بيت من أبياﺗﻬا، لتستحيل القصيدة بذلك إلى بيت واحد متماسك البنية مفعم بالدلالات. لهذا ليس غريبا أن نجد روح الشعر تتكامل في قصـائد البردّوني، وبخاصّة في دواوينه الأخيرة تكاملا تصاعديّا عبر مفاصل متّصلة من أوّل القصيدة إلى آخرها حين يتجلى للقارئ عند انتهاء كل قراءة، أﻧﻬا تنفتح به على أكثر مـن أفـق دلالي، لا بكون ذلك من الأمور المختبئة في بيت القصيد بل بكونه إشارات ودلالات منبثة يستحيل على القارئ إدراكها دون أن يأسره جسُد القصيدة بكليته؛ فيجد بعد ذلك أن لها معنى مبتدعا إمّـا من خيال الشعر ورؤيته، وإمّا منتزعا من آلام يخبّئها الواقع، أو مستدعى من وجدان القـارئ الحزين، غير أن هذا المعنى ليس بالمعنى المباشر أو المسكوك، بقدر ما هو تصويرٌ لمثل حي ﻧﻬـض يخطف الحقيقة من كل جزئيّاﺗﻬا، واندفق ﺑﻬا في كل حروف القصيدة دما يشعشع باللهيب. ربما رأينا هذا التصوير أحيانا وهو يسير في حركة قد تبدو وكأﻧﻬا متنافية مع الواقع أو مفاجئة للقارئ أو صادمة لكل التوقعات التي يفرضها السياق أو أن التصوير ذاتـه يصـاب في كثير من الأحيان، بالتقلب والانحراف أو ينخرط في تفصيليّات متناقضة، لكنه في حركته اﻟﻤﺠملة يحاول الاقتراب من الواقع والانغماس فيه. ندرك ذلك حينما نفاجأ أنه قد أخذنا لنكـون مـع الواقع وحدة عضوية مكدودة حزينة ساخرة بالموت والحياة؛ تشتاق إلى أن تثور علـى نفسـها وعلى كل شيء من حولها؛ فكانت القصيدة البردّونية كيانا متناهيا في الجمال متجـدّد الحـزن والثورة والمعنى. قصيدة تتوحّد مع القارئ كلما وجدته مسـكونا ﺑﻬمـوم الشـعب والأمـة والإنسانية، أو أﻧﻬا هي التي تتكفل بصياغته مع كل هذه المعاني الجميلة صياغة جديـدة، تجعلـه مفعم الإحساس بوجع الانكسار وأنين الكرامة، شغوفا إلى موقف يرضي به كرامتـه ويغالـب انكساره.
أثبت البردّوني كما يثبت أيّ شاعر حديث أن جمال الشعر لا يكتمل إلا إذا عبّر عـن موقف إنساني جميل، بلغة العصر الذي يعيشه، وبأسلوب صنعه الشاعر ابتكارا، لذلك فلا بد أن يكون الشعر هما إنسانيا جميلا يبقي ظلاله على شفة التاريخ أغنية جارحة جريحة.
ﺑﻬذا أدرك البردّوني أن قدر الشعر المحتوم هو أن يكون بالضرورة فنّا معاصرا يحمل هما وموقفا معاصرين؛ حتى يتسنّى له أن يصبح أحد العوامل الخلا ّقة المبدعة التي تشارك في التأسيس لبناء حضارة جديدة تضمن للإنسان الحرية والسعادة. إنه فاعلية إنسانية تحاول عن طريق اللغة الجميلة أن تكشف حقيقة الإنسان النقيّة وقدرته على صنع حياة أجمل؛ لهـذا كانـت تجربـة البردّوني الشعرية هي محاولة دؤوبة للارتقاء بالقصيدة البيتية، إلى المستوى الذي يجعل جمالها الفني محفزّا إلى الثورة على كل أشكال التخلف وأنواع الاستبداد والظلم؛ فحقق للقصـيدة البيتيـة حضورا معاصرا كفؤا وجميلا، نتمنى أن تجد من بين مبدعيها أو مريـديها مـن يحـافظ علـى حضورها حضورا متجدّدا يقدر على استيعاب كل ما هو جديد في همـوم العصـر وأحـلام الإنسانية وقيم الجمال.
(البَرَدُّوْني) وأسئلةُ اليَوْم
محمد عبدالسلام منصور
جَفْنٌ كَسِيرُ المرايا زَرَّرَ الهُدُبا
طِفلاً عَلى وَجَعٍ يَستَنْطِقُ الحِِقَبا
ما لي تُحاصِرُني الظَّلْماءُ؟ كانَ هُنا
ماءٌ تُشَعْشِعُ مِنهُ الشّمْسُ.. كَيفَ خَبا؟
كانَتْ لَهُ قُبَّـةٌ بَيْضاءُ تَغْمُرُني
ضَوْءاً ولَيْلاءُ تُذْكي النَّجْمَ والشُّهُبا
يُكَوِّرُ اللَّيْلَ، والأقْمـارُ طالِعَةٌ
على النَّهارِ؛ فَيَجْري فِضَّةً، ذَهَبا
كيفَ اختَفَى؟ آهِ كمْ كانَتْ بَوارِقُهُ
إنْ أحْرَقَ الجُرْحُ رُوْحي تَسْكُبِ السُّحُبا
مَنْ أشْعَلَ الجَمْرَ في عَيْنَيَّ فانْفَجَرَتْ
نَفْطاً سَرَى فشَوَى في الجِسْمِ ما ثَقَبا؟
أُمّاهُ.. نادى ومَدَّ الطِّفْلُ راعِشَةَ الْـ
أُنَيْمِلاتِ، يَداً فَرَّتْ بِهِ؛ فَكَبا
ماذا رَماني؟ أجابَتْ: إنَّهُ قَدَرٌ
فاصْبِرْ. تأوَّهَ: لا لَنْ أقبلَ الحُجُبا
لِمَ الظَّلامُ؟ أما انْشَقَّتْ نَوارِسُنا
عَنْ شاطِئِ اللَّيلِ؟ قُومي نَسْرِقُ اللَّهَبا
كيفَ العَمَى وأنا عَيْنايَ ما اغْتَسَلَتْ
بالضَّوْءِ إلاّ وجُنَّ القَلْبُ وانْجَذَبا
ماذا جَنَى الطَّرْفُ مُشْتاقاً؟ لِمَ اسْتُلِبَتْ
عَيْناهُ؟ ما حِِكْمَةُ الجاني الَّذي سَلَبا؟
رُدّي عَلَيَّ، طَوَتْني حَيْرَتي؛ فدَنَتْ
صَوْتاً تَكَسَّرَ مَذْبُوحَ الرُّؤَى تَعِبا
يا مُقْلَةَ الطِّفْلِ عُذْراً إنَّهُ عَبَثٌ
يَطْغَى ويجْهَلُ ما أعْطَى وما نَهَبا
أنْ لا تَرَيْ قَبْضَةَ الطُّغْيانِ باسِطةً
فينا الجَهالةَ والأمْراضَ والسَّغَبا
أخَفُّ للرُّوْحِ مِمَّنْ يَنْظُرُونَ ولا
رَأى الحِمَى فِيْهُمُ سَيْفاً ولا غَضَبا
فَخَبِّئي الطِّفْلَ جُرْحاً صامِتاً لِيَرَى
بمُقْلَةِ القَلْبِ هذا الذُّلَّ كيفَ رَبا
حُكّامُنا سَلَبُونا نُوْرَ أعْيُنِنا
وهُمْ عُيونٌ على القُرْبَى لمنْ غَلَبا
يسْتَذْئِبُونَ إذا أنَّتْ مَواجِعُنا
ويفرِشُونَ لَهُ خَدّاً إذا وَثَبا
تواثَبُوا كالمَنايا يَفْتِكونَ بِنا
ومَنْ نَجا الماحِقانِ السِّجْنُ والرُّقَبا
قُلْنا: اتَّقُوا اللهَ أتْعَبتُمْ ضَمائِرَنا
خَوْفاً منَ الأمْنِ والإرْهابِ والخُطَبا
إنّا سَئِمْنا دَعاوَى دِيْنِكُمْ, ولَنا
دِيْنُ النَّبِيِّيْنَ.. هلْ ضِقْتُمْ بِما رَحُبا؟
هيّا اذَْهَبُوا تَسْتَرِحْ أرْواحُنا فنَرَى
كيفَ السَّبيلُ إلى رَدِّ الذي ذَهَبا
ليسَتْ فِلسطِينُ تَبْكي وَحْدَها, وَطَنٌ
يَبْكي المَذَلَّةَ باتَ الكُلُّ مُسْتَلَبا
صاحُوا كَفَرْتُمْ أطِيْعوا، اللهُ ألْهَمَنا
سِرَّ الطَّريقِ؛ فغَنَّيْنا: كَفَى كَذِبا
الحاكِمُونَ جُسُورٌ للغُزاةِ وهُمْ
يَسْتَنْبِتُونَ العَمَى والسِّلَّ والجَرَبا
هُمْ غَرَّبُوا الشَّعْبَ كي يَرْضَى الدَّخِيْلُ بِهمْ
وحينَ فارَقَهمْ كانُوا هُمُ الغُرَبا
دَعا إلى حَقِّنا المَسْلُوبِ يُفْزِعُهمْ
فناشَدُونا الحِمَى والدِّيْنَ والنَّسَبا
ذِئْبانِ يَخْتَصِمانِ البَغْيَ بَيْنَهُما
يُغْري البعيدُ الضَّحايا بالذي قَرُبا
كلاهُما أسْكَنانا عَيْنَ باكِيَةٍ
فاضَت بما نَظَرَتْ (بغدادَ) و(النَّقَبا)
وكُلُّهُمْ مُغْرَمٌ بالنَّفْطِ يَسْلِبُهُ
المالئُ البَنْكَ مثلُ المالئِ القِرَبا
يُذِلُّنا حاكِمٌ طاغٍ ويَحْكُمُهُ
أطْغَى، وأنْكاهُما المَغْصُوبُ إذْ غَصَبا
يا مُقْلَتَيَّ اسْكُنا جَفْنَيْهِ لُؤْلُؤَتَيْ
حُبٍّ، تَبَسَّمَتا للدَّهْرِ فانْقَلَبا
أو فاجْمُدا؛ كيفَ يَصْفُو العَيْشُ إنْ غَرَبتْ
عَيْنا بُنَيَّ، وعُمْري فِيْهِما غَرَبا؟
يا مُقلةَ الرُّوحِ ظَلّي الدَّهْرَ باكِيةً
لا تَرْتَجي حِكْمَةً مِنْهُ ولا سَبَبا
تَأوَّهَ الطِّفْلُ وامْتَدَّتْ أنامِلُهُ الْـ
ـعَمْياءُ تَبْحَثُ عنْ عينيهِ.. وانْتَحَبا
دَمْعٌ جَرَى ففَرَى مِنهُ طُفُولَتَهُ
في مُقْلَتَيْهِ دَماً في رُوْحِهِ كَرَبا
تَسَلْسَلَ الدَّمْعُ فاخْضَرَّتْ مَواجِعُهُ
أُغَيْنِياتٍ يُفَضْفِضْنَ المُنَى زَغَبا
يَنْبِتنَ في حُزْنِهِ سِرّاً يَعِشْنَ لَهُ
تَساؤلاً ثائِراً يُذْكِيْهِ جُرْحُ صِبا
“لكِنَّهُ حائرٌ فيما يُكابِدُهُ”
طِفْلاً تُفارِقُهُ عَيْناهُ مُنْذُ حَبا
يَأْوي إلى اللَّيلِ في صمتٍ يُسائلُهُ
عنْ وامضٍ إذْ شَرَى في جَفْنِهِ هَرَبا
كم ساءَلَ الغَيْبَ لكنْ لم يجدْ قَبَساً
يُزْجي إلى جَفْنِهِ المَجْدُورِِ ما انْسَكَبا
فلاذَ بالبيتِ يَبْكي الشِّعْرَ حَيْرَتَهُ
وبُؤْسَهُ فأضاءَ البَحْرُ واصْطَخَبا
مَوْجٌ تلاطَمَ بالأوْجاعِ فاشْتَعَلَتْ
شواطئُ الحَزْنِ، ثارَ الرَّمْلُ واضْطَرَبا
(منْ أرْضِ بلقيسَ) فاضَتْ آهَةٌ فبَدا
(طريقُ فَجْرٍ), و(أعْراسُ الغبارِ) رُبا
منْ مُقْلَتَيْها أطَلَّ الدَّهْرُ منْ فَمِها
نادَى إلى (سَفَرِ الأيّامِ) صَوْتُ سَبا
قُمْنا فأوْمَأَ (جَوّابُ العُصُورِ) إلى
(مدينةِ الغَدِ) فازْدادَ الهَوَى طَرَبا
فـ(راوَغَتْنا مَصابِيْحُ) الرُّؤَى ونَأتْ
بنا المَسافاتُ.. تِهْنا والطَّريقُ أبى
نُحْ يا هَوانا (مَرايا اللَّيْلِ) مُشْرَعَةٌ
وُجُوهُها كدُخانٍ يَرْتَمي كُثُبا
فاسْكُنْ رُؤاكَ بُرُوقاً نحنُ في زَمَنٍ
باغٍ وأنْتَ دَمٌ بالفَجْرِ قدْ خُضِبا
خُذْنا إلى (كائِناتِ الشَّوقِ نُشْعِلُها
إمّا احْترَقْنا أسَىً أو نُدْرِكَ الأرَبا.
(مهرجان البردُّوني) جامعة ذمارالاثنين 22/3/2004م
2023-06-18