الماركسيه اللينينية / بين الفهم اليساري الحقيقي واليساري المشوَه والتشويه الإمبريالي!
عماد قطنية
الماركسية اللينية كنظرية بمكوناتها الأساسية , من اشتراكية علمية وفلسفة مادية ديلكتيكية واقتصاد سياسي , ليست ديانة أتت بمقدسات جامدة وطقوس عبادة للفكر أو الشخوص , و لم تأت سوى برسالة لمعالجة الموضوع الإنساني من حيث القضاء على القهر والإستغلال والعبودية ومن ثم بناء مجتمع خال من الإستغلال والقهر , بعد التوصل لمعرفة الإسباب الحقيقية التي تقف خلف الفوارق الطبقية الهائلة بي 2% من الذين يستحوذون 95% من ثروات العالم وال 98% من الذين لا يلكون سوى 5% منها والذين لا يملكون سوى بيع قوة عملهم من عمال وفلاحين وبقية الفئات والشرائح المسحوقة .
إذن هذه النظرية لم تأت بجوهرها لمعالجات دينية في مواضيع الإيمان والعبادات أو لمواجهة الأديان كما يدعي البعض أو كما تم تسويقها من قبل الإمبرياليين , الذين تم تعرية جوهر استغلالهم وقهرهم للشعوب والطبقات الفقيرة . فماركس مؤلفه الأساسي هو كتاب رأس المال الذي يعالج المسألة الإقتصادية ويوضح أبعادها الإجتماعية ومن أين تأتي فائض القيمة التي يتجاهلها الإقتصاد الراسمالي ويكتفي بوصفها أرباح تتحقق عبر العرض والطلب واساسها المال الموظف في الإنتاج وليس العمالة البشرية , وشعاره الأساسي كان ( يا عمال العالم اتحدوا ) ولم يقل يا عمال العالم الشيوعي أو المسيحي أو البوذي ….الخ . وإنجلز الرجل الثاني الى جانب ماركس كانت أهم مؤلفاته ( أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة ) وهو ايضا كتاب يعالج الجانب التاريخي في تطور المجتمعات بتشكيلاتها و بمكوناتها الأساسية عبر دراسة علمية استندت الى مراجع وأبحاث علماء سبقوا .
وكلاهما في الفلسفة استندا الى ما سبق من تاريخ فلسفي أو فلسفة سابقة ( وجميع الفلاسفة انحدروا من جميع الأديان والمذاهب ) كانت أهمها في المانيا تنتميان الى مدرستين أو مذهبين . الأولى تمثلت بالديالكتيكية ولكنها بقاعدة مثالية تعتمد في تفسيراتها على أولية الوعي على الوجود المادي ( الوعي اساس الوجود المادي ) وفيه تشعبات عده . والثانية فلسفة مادية لا ترتكز الى المنهج الجدلي في تحديد أولوية الوجد المادي على الوعي ( اي لم تر في الوعي انعكاسا للوجود المادي ) . وبلا شك أن هذه الفلسفات بثغراتها قد قادتهما الى البحث والتوصل الى الجمع الجدلي بينهما في ( المادية الديالكتيكية )التي أعادتهما الى قاعدتهما الأساسية .
وفي المكون الثالث ( الإشتراكية العلمية ) استندت الماركسية الى الإشتراكية الفرنسية التي لم تتجاوز كونها طموح حالم بمثاليته على نمط المدينة الفاضلة لأفلاطون في معالجة الوضع الإجتماعي والإقتصادي المتمايز طبقيا .
المهمة لماركس وانجلز ومن بعدهم لينين لم تكن انتقاءً أو جمعاً ميكانيكياً لإرث القديم وطرحه في قوالب جديدة . المهمة كانت استعادة هذه المكونات لقاعدة هرمها وإكسابها روح الحياة ( بمعنى القدرة على التطبيق استنادا لترابط هذه المكونات وعلميتها وجدليتها ) وتثويرها
إن حجم العداء للماركسية اللينينية لا صلة له بالأديان , بل بثوريتها التي تقود الى اجتثاث منظم لجذور الإستغلال الطبقي والإستعماري للعمال والفلاحين والشعوب الخاضعة للإستعمار , حيث لخصها لينين في شعاره الذي هز فرائص الإستعمار ( يا عمال العالم ويا ايتها الشعب المضطهدة اتحدوا ) .
هذا الشعار الذي كما شعار ماركس لم يميز بين دين ولون ومذهب وعرق . لكن حجم الأذى الذي يلحقه هذا الوعي بالإستعمار والنظام الراسمالي الإمبريالي بعد فضح حقيقته إذا امتلك أداته التنظيمية , هو من وضعها كأولوية في المجابهة عبر التشويه والتحريف والتحريض وتجنيد كل ممكن في هذه المعركة وخاصة الجانب الديني , استنادا لجملة منفرد قيلت في سياق محدد وهي تملك كامل الحقيقة إذا ما استبعدنا التشويه .
إن مقولة ( الدين أفيون الشعوب ) قيلت لوصف واقع ولم تكن جوهر الفكرة الفلسفية الماركسية . فوضع الكنيسة في أوروبا كان أداة تبرير واستخدام للرأسمال في استعباد العمال والحيلولة دون ثورتهم على الظلم والإستغلال , فكانت تقوم بدور المخدر من خلال استغلال سلطة الكنيسة الدينية على عقول الناس . وفي واقعنا العربي وافسلامي نعيش اليوم مثل هذه الأدوار من قبل شيوخ السلاطين بغض النظر عن المذاهب والدول وفي فلسطين نجد ايضا نماذج ليس الهباش سوى حالة منفردة منها رغم خصوصية فلسطين التي تفترض حدا أعلى من الثورية في مواجهة المحتل والحاكم على السواء . عدا أحقية هذه المقولة فإنها ايضا تحورت وتحولت الى مقولة غريبة تلخصت في ( لا إله والحياة مادة ) لمزيد من تأجيج العداء الديني .
بعد ماركس وانجلز والأجواء النظرية المحيطة أتت التجربة اللينينية التي شكلت نمط ترجمة عملي توّج ببناء الإتحاد السوفيتي الذي شكل نمطا اقتصاديا اجتماعيا معاديا للرأسمالية والإستعمار , توسع حتى شمل ثلث مساحة الكرة الأرضية وحوالي نصف سكانها , والذي دعم الشعوب في معارك تحررها من نير الإستعمار عسكريا ( الأسلحة والعتاد والتدريب ), وعلميا ( فتح جامعاته ومنها جامعة خاصة – باتريس لوممبا – لإستيعاب عشرات الأوف من الطلبة من البلدان الفقيرة ) واقتصاديا ( من خلال الدعم المجاني أو تسهيل وتيسير الدفع بدون فوائد وأحيانا قبول مبدأ المبادلة بأي بضاعة ترغبها الدول الفقيرة ) , مما زاد العداء وحملات التشويه .
وبعد انهيار الإتحاد السوفيتي لأسباب داخلية وأخرى لها صلة بالصراع العالمي وفشل تجربته التي لم تفشل في الصين وكوبا وكوريا الشمالية وعديد دول أمريكا اللاتينية , وتأكيدا على غايات الإمبريالية تم ابتداع الطوائف والمذاهب في الصراع حتى في ذات الدين الواحد ( وتحديدا الإسلام ) لمجابهة تثويره وإمكانية أن يملأ فراغا سياسيا دوليا أحدثه انهيار الإتحاد السوفيتي , وخاصة خلق الصراع بين السنة والشيعة , والذي استجد بعد سقوط نظام الشاة وظهور حزب الله وحركة أنصار الله والحشد الشعبي وبروز دورهم في التخفيف من ويلات ( الربيع العربي ) ودعم المقاومة الفلسطينية وتحديدا حماس والجهاد الإسلامي في مواجهة الكيان الصهيوني الذي هو ركيزة إقليمية للإستعمار في المنطقة .
إذا كانت الأديان تحمل في جوهرها الإجتماعي رسالة العدل بهذا التصور أو ذاك وهذا ما تنادية الماركسية وتعاديه الإمبريالية , إذن توجد قواسم مع هذا في معاداة ذاك تبرر التقاء ً على مستوى المشترك العام لا يمنعه اختلاف على التفاصيل .
2023-02-06