المأزق الفلسطيني الراهن كما يراه الشباب الفتي وتصوراتهم لموجبات الخروج منه ( ٤ )!
د . غانية ملحيس .
تلقيت العديد من الملاحظات على المقالات السابقة ، ولفتني التباين بينها وفقا للفئات العمرية .
فبينما شككت الأجيال الأكبر سنا بما نسبته للشباب الفلسطيني من وعي معرفي بمظاهر وأسباب المأزق الفلسطيني الراهن ووضوح لتصوراتهم بشأن سبل الخروج منه . وبررت الشكوك بحالة السكون اللافت ، وغياب الحراك الشبابي رغم تعاظم المخاطر المحدقة بالقضية الفلسطينية . فتساءلوا : ” إذا كان الشباب الفلسطيني يمتلك هذا الوعي الذي عكسته المقالات ، فما الذي يمنع اندلاع انتفاضة عارمة تهز الوضع برمته ؟؟
وما الذي يمنع الشباب من أخذ زمام المبادرة لقيادة التغيير الإيجابي ؟ ومتى ستنطلق الطاقة الشبيابية الكامنه ؟؟ “
وفي محاولة لدحض ما ذهبت إليه المقالات ، لخص البعض تجربته مع الشباب بالقول :
” لقد عايشنا الشباب في التنظيمات والأحزاب المختلفة ، وفي منظمات المجتمع المدني . وللأسف ، الشباب الفلسطيني أفسد ، أيضا ، وأصبح يبحث عن المكتسبات .
ولم ينكروا مسؤولية القادة عن إفساد الشباب . عندما سمحوا بالتدخل في انتخابات الأطر والنقابات ، وعندما استثنوا الكفاءات وأسندوا المسؤوليات إلى الأكثر ولاء وطاعة وانصياعا لتنفيذ الإملاءات ” .
وخلصوا إلى أن الشباب الذين أشرت إليهم في مقالاتي لا يشكلون سوى فئة محدودة ، ما لا يصح معه التعميم .
غير أن ملاحظات الجيل الأصغر سنا على ذات المقالات تكفلت بتوضيح أسباب عزوف الشباب الفلسطيني واعتزالهم العمل العام . وجميعها لا علاقة لها بنقص الوعي بخطورة المأزق الفلسطيني الراهن ، أو بغياب الرؤي لمستلزمات الخروج منه . فضلا عن ان الإفساد والفساد طال فئة محدودة ، ما لا يجوز معه الاشتباه بجيل بأكمله لتفسير سبب غياب الحراك الشبابي .
لقد حملت ملاحظات غالبية المعقبين من الشباب على المقالات مرارة انكسار الحلم بالوطن الذي عشقوه ، واستحق تضحيات أهله على مدى الأجيال الفلسطينية المتتابعة ، فقدموا من أجل استعادة حريته آلاف الشهداء والجرحى والأسرى ، نساء ورجالا وشيوخا وأطفالا على امتداد ساحات المواجهة المفتوحة على مصراعيها منذ أكثر من قرن مع العدو الصهيوني وحلفائه الذين قرروا استئصال الشعب الفلسطيني ، وما يزالون يتعقبون من بقي من أبنائه داخل الوطن لتمسكهم بالدفاع عن حقهم في الوجود . ويلاحقون اللاجئين المقتلعين منه بالقوة لتشبثهم بحقهم المشروع في العودة إليه .
فعجزوا عن التكيف مع الواقع الذي استجد بعد أوسلو وتغلغلت فيه منظومة قيمية مادية ونفعية ، تولي الأولوية للمصالح الفردية على المجتمعية . وتشرع الإثراء الفردي على حساب الإفقار الوطني والمجتمعي . وتعيد لزعماء العشائر والعائلات هيبتهم على حساب المؤسسات والقانون . وتعلي شأن اصحاب النفوذ الذين يتحصنون بشبكة علاقات مصلحية داخلية وخارجية ، يشترك فيها منظرون واكاديميون ومثقفون وإعلاميون واقتصاديون وقانونيون الخ …. يسيطرون على مواقع المسؤولية ويستأثرون بالمكتسبات . ويطوعون القوانين ويستثنون أنفسهم من نفاذها . ويطالبون بالديموقراطية اتجاه رؤسائهم ، ويتنكرون لها اتجاه مرؤوسيهم .
ولم يفهموا كيف تسنى للمنظومة القيمية الجديدة الحلول بهذه السرعة محل المنظومة القديمة التي شكلت الوعي الوطني الجمعي الفلسطيني على مدى عقود طويلة . وارتكزت على القيم النضالية الإنسانية والأخلاقية المتصلة بالحرية والعدالة وتساوي حقوق البشر في الحياة الحرة الكريمة . وأولوية المصلحة الوطنية والمجتمعية عند تعارضها مع المصالح الفردية . والمبادىء الرئيسة المتصلة بالتضحية والإيثار والفداء والتطوع كرديف للمسؤولية والقيادة .
وفاجأهم حجم الدمار التي أحدثه انحراف بوصلة المشروع الوطني التحرري ، فقد تغيرت المفاهيم واستبدلت مضامينها بنقيضها . واختلت المعايير المتعلقة بالتمييز بين السلوكيات الوطنية وغير الوطنية . وتصدرت القضايا المطلبية اهتمامات الناس وباتت الدافع الرئيس لحراكاتهم ، وتحول الشهداء والجرحى والأسرى من نماذج وطنية تحتذى ومسؤولية نضالية ومجتمعية ، إلى قضية إنسانية ومسؤولية خاصة بذويهم وأصدقائهم ، وعبء يثقل كاهل القادة وجيش الموظفين الحكوميين ، الذين يشكون تقاضي رواتبهم منقوصة ، والبنوك التي لا تجد حرجا في إقفال حسابات أسرهم تفاديا لغضب وعقاب المستعمر وحلفائه .
ولم يستطيعوا فهم كيف يمكن لذات الإنسان ان يتحول للنقيض فور اختزال المشروع الوطني . ولم يستوعبوا كيف تحول المناضلون الذين كانوا يفتدون شعبهم بأرواحهم ، إلى ما أصبحوا عليه عندما أوكلت إليهم مسؤوليات إدارة حكم ذاتي انتقالي محدود ومقيد بضوابط يحددها الاحتلال ، فبدوا وسطاء بين الشعب وسلطات الاحتلال ، وباتوا يستقوون على شعبهم الذي أوصلهم بنضاله وتضحياته وصموده إلى مواقعهم ، كأي نظام سلطوي في العالم الثالث . رغم انعدام السيادة وتحكم العدو بمفاصل الحياة الفلسطينية ، وتسارع نمو التوسع الاستيطاني وتبدد أوهام حل الدولتين . وتكشف جوهر السلام الأمريكي – الاسرائيلي الذي تصنعه القوة .
ولفتهم ، أيضا ، غياب الفوارق في السلوكيات بين جميع القوى والفصائل والتنظيمات والأحزاب والمنظمات غير الحكومية ، رغم استمرار التباين بينهم في العقائد والشعارات والمناهج والبرامج والمواقف ، فأدركوا انها لتبرير إدامة الاختلافات وتشريع الانقسام لتقاسم النفوذ والمكتسبات .
ما تسبب بشعور غالبية الشباب بالاغتراب وهم يراقبون التحول الذي قلب المشهد الوطني الفلسطيني رأسا على عقب -دون ان يخفف وطأة الاحتلال الذي تجرأ جنوده ومستوطنيه عليه بشكل غير مسبوق وازدادوا شراسة وعدوانا – مطمئنين إلى فاعلية أدوات الكبح الذاتي لردود الفعل .
فجزأ الشعب الفلسطيني الذي يوحده التاريخ والانتماء والظلم والاستهداف ووحدة المصير . واستبعد ثلثيه / فلسطيني 1948 والشتات / وترك جموعهم تواجه أقدارها فرادى بلا بوصلة تؤشر للمستقبل ، واختزل مساحة الوطن وحصرها في الجزء الذي تأخر احتلاله من ذات العدو قرابة عقدين / 22% / . واختصر القضية الوطنية الجامعة الحاضنة لحلم الشعب الفلسطيني بالحرية والعودة وتقرير المصير في مشروع دولة منزوعة السيادة لثلثه المقيم في جزئيها المتباعدين على نحو خمس الوطن .
وشعروا أنهم يتامى غرباء فرادى في مواجهة تحديات ومخاطر تتنامى حولهم . ومضوا يتلمسون سبلا تضيق عليهم لتأمين أساسيات الحياة بعد ان ضاق الوطن بأهله . واشتد الخناق على اللاجئين في الشتات .
فانهارت ثقة الشباب بالطبقة التي باتت تتولى مقاليد الأمور في الحقل الوطني الفلسطيني بشقيه الرسمي والأهلي / منظمة وسلطة وفصائل وتنظيمات وأحزاب ونقابات ومنظمات أهلية وقطاع خاص / . وأذهلهم استمرار التنافس والتزاحم على مواقع مسؤولية إدارة شؤون الشعب الفلسطيني المكبل والمحاصر ، دون التبصر فيما تستوجبه من واجبات وما تستلزمه من مؤهلات . وأحبطهم انعدام المعايير الوطنية والمهنية في التعيينات لشغل المواقع الوظيفية لمؤسسات الحكم الذاتي والمنظمات الأهلية ، واستبدالها بمعايير أخرى تتصل بالولاء والقرابة وقوة العلاقات مع الخارج .
وقد لخص أحدهم الوضع بقوله : ” الشباب الفلسطينيون – الذين يمثلون بؤرة التغيير وصناعة المستقبل – لم يعودوا شبابا …. فهم يشكون العجز بسبب التيه وتراكم الإحباط ، لقد أدركوا أن مشروع التحرر قد تم إقصاؤه … وأن الوطن تم اختطافه … وأن أصحاب النفوذ باتوا يعملون لمصلحتهم الخاصة … وأن أي إصلاح سيتصدون لمسؤولية إحداثه سينال ثمرته غيرهم . ”
استوقفتني الملاحظات المتباينة لثلاثة أجيال فلسطينية متتابعة يعيش أفرادها داخل أجزاء الوطن المحتل وفي مناطق اللجوء . وجلهم غاضبون ومحبطون ومرتابون ببعضهم ومتشككون بالمستقبل .
فقد عكست ملاحظاتهم -رغم تباين وجهات النظر – ، توافقا يرقى إلى مستوى الإجماع حول ظلمة الواقع الفلسطيني ، وعمق تعقيدات المأزق الذي بات يعيشه الشعب الفلسطيني بأسره .
وسلطت الضوء على جذر الخلل الذي أحدثه انحراف بوصلة المشروع الوطني بالقفز عن مرحلة التحرر الوطني قبل إنجاز أي من أهدافها . والهرولة وراء أوهام التسويات السياسية التي يروجها العدو وحلفائه لشراء الوقت بإلهاء الشعب الفلسطيني في متاهات البحث والاختلاف والتفاوض ، لالتقاط فرص لا وجود لها . فيما يتولى خلق الوقائع التي تغير الحقائق التي يتوجب مراعاتها عند التفاوض على حلول ممكنة .
وأظهرت مخاطر المراهنة على إمكانية الشروع بالبناء والتأسيس للاستقلال في نحو خمس الوطن الفلسطيني ، خلال مرحلة حكم ذاتي انتقالي يسيطر فيها استعمار لم يتخل عن مشروعه الاستيطاني الإجلائي التوسعي في كامل فلسطين الانتدابية . ويتحكم خلالها بكافة مفاصل حياة الشعب المستهدف بالاجتثاث ، الذي ارتضى قادته الدخول في مرحلة اختبار لصدق النوايا باقتسام الوطن الفلسطيني مع محتليه وفقا للأقدمية الزمنية لاحتلال أجزائه . وقبلوا بنصف ما خصصته الشرعية الدولية للشعب الفلسطيني بقرار التقسيم رقم 181 والاكتفاء ب 22% فقط من مساحة الوطن . ولطمأنة المستعمر خلال فترة الاختبار تخلوا عن حقهم المشروع في مقاومته ، والتزموا بالتنسيق معه لمحاصرة وملاحقة المتمردين من أبناء الشعب الفلسطيني . وقبلوا بحكم المستعمر على نتائج اختبار صدقيتهم في التنازل عن 78% من فلسطين والتسليم بحق المستوطنين الصهاينة في العيش الآمن فوق أنقاض شعبها . لقاء السماح بإقامة دولة فلسطينية على 22 % ، والالتزام بالسلام الذي تحدد شروطه موازين القوى المختلة محليا وإقليميا ودوليا .
لقد تسبب تعلق القيادة الفلسطينية بأوهام حل سياسي للصراع الفلسطيني – الاسرائيلي لا مكان له في المشروع الاستعماري الصهيوني الذي يواصل التقدم ميدانيا بالبناء التراكمي . وتوهمها بإمكانية الخلط بين مهمتي التحرر الوطني والحكم الذاتي الانتقالي المحدود والمقيد بشروط الاحتلال والمفتوح النهايات على كافة الاحتمالات . وألحق أضرارا جسيمة بالشعب الفلسطيني ونضاله التحرري . فقوض الأساس الجامع للقضية الوطنية الفلسطينية الواحدة ، وحولها إلى مجموعة مشكلات لتجمعات سكانية فلسطينية عندما أخرج فلسطينيي الداخل والشتات / ثلثي الشعب / من إطار التفاوض . وأوحى بإمكانية مقايضة حقوقهم بحقوق الثلث الفلسطيني المقيم داخل حدود عام 1967 . فأربك الحقل الوطني الفلسطيني برمته . وأخل بمنظومة القيم النضالية والأخلاقية ، وأطاح بمفهوم العدالة . وطالت التداعيات التدميرية لذلك كافة الحقول الفلسطينية : السياسية والديبلوماسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية والحقوقية والإدارية . فتصدعت البنى والهياكل التنظيمية والمؤسسية … ما تسبب بانكشاف فلسطيني غير مسبوق أمام العدو الصهيوني وحلفائه من القوى الدولية المتنفذة وأتباعهم في عموم المنطقة العربية والإسلامية الممتدة ، المتأهبين للانقضاض على الشعب الفلسطيني . الذي تشكل عدالة قضيته واستعصاؤه على الاستسلام على مدى أكثر من قرن ، العقبة الرئيسة أمام استكمال تنفيذ مشروعهم الكوني . الذي حددت اتفاقيات سايكس – بيكو ووعد بلفور مرتكزاته الأساسية . وأسهمت نتائج وتداعيات حربيين كونيتين ساخنتين وثالثة باردة أعقبتهما في إنجاز معظم مراحله . وبات استكمال مرحلته الأخيرة رهن بحسم الصراع لصالحه في مركزه الفلسطيني بإشراك المحيط العربي والإسلامي في الضغط على الشعب الفلسطيني لإخضاعه .
غير أن قتامة الصورة الراهنة ، يفترض بها ان لا تحجب حقيقة أكدتها صيرورة التاريخ الإنساني ودلالاته عبر مسيرته الطويلة . والتي تؤكد جميعها على تعذر إمكانية مواصلة لي عنق التاريخ بالتنكر لحقوق الشعوب . فشواهده الماثلة تظهر قدرة الشعوب الحية ، عند تفعيل إرادتها في الدفاع عن وجودها وتمسكها ببلوغ حقوقها الوطنية والإنسانية الثابتة في الحرية والكرامة وتقرير المصير ، ومقدرتها – بالمثابرة – على تصويب اختلال موازين القوى ، وتوفير موجبات موازين قوى جديدة تتراكم مفاعيلها عبر الزمن فتغير أقدارها التي يرسمها الغير ، وتصنع قدرها ببلوغ حقوقها الوطنية والإنسانية المشروعة .
وفلسطين التي استعصت على الزوال رغم ما شهدته من غزوات عبر تاريخها الممتد لآلاف السنين ، وشعبها الحي الذي استعصى على الفناء ، وهزم الغزاة من مختلف الأمم والجنسيات . وانتصر على تحالف استعماري دولي مشابه نجح في ظروف مماثلة لما هو قائم حاليا في فلسطين وجوارها العربي والاسلامي . وتمكن من إقامة كيان استعماري استيطاني إفرنجي استظل بالدين المسيحي / الاستيطان الصليبي / واستطال بقاءه قرابة قرنين ( 1099 – 1187 ) . وانهزم عندما توفرت مستلزمات وشروط هزيمته ، فبات أثرا عابرا في التاريخ .
وكما كانت فلسطين منذ فجر التاريخ أم البدايات وأم النهايات في تشكيل تاريخ المنطقة ، فهي المنطلق الرئيس لتصويب اعوجاج مساره الذي بدأ انحرافه على أرضها قبل أكثر من قرن ، وما يزال .
ونقطة البدء في إعادة التاريخ إلى مساره الصحيح تكمن باستعادة القضية الفلسطينية لموقعها الصحيح كقضية شعب تعرض لأفدح ظلم في التاريخ الإنساني الحديث . وليس كما يجري التعامل معها كمشكلة تجمعات سكانية فلسطينية معزولة عن سياقها الوطني . دون القفز عن حقائق الواقع الفلسطيني المجزأ ، وما يفرضه من تحديات تتباين في طبيعتها بين مختلف التجمعات الفلسطينية .
فما يزال الشعب الفلسطيني بأسره ، البالغ تعداده عام 2020 نحو 14 مليون إنسان ، يدافعون للعقد الثامن على التوالي عن حقهم الإنساني والوطني في الوجود . والذي تكفله كافة الشرائع والقوانين الدولية لكافة الشعوب على امتداد الكرة الأرضية .
وما يزال الفلسطينيون جميعا ملاحقون ومحرومون من حقوقهم الوطنية ومعظم الحقوق المدنية . سواء نصفهم الذي يعيش على أرض وطنه المحتل في أربعة كيانات قرر الاحتلال فصلهم فيها / اراضي 1948 ، والضفة الغربية ، والقدس الشرقية وقطاع غزة / لتقويض وحدتهم المجتمعية وإلغاء هويتهم الوطنية . أم نصفهم الآخر اللاجئون في الشتات ، وغالبيتهم يعيشون غرباء في الدول العربية المحيطة بفلسطين / الأردن وسوريا ولبنان ومصر / بانتظار تمكينهم من ممارسة حقهم المشروع في العودة .
وما من سبيل أمام الشعب الفلسطيني لتغيير حاضره المظلم والتأسيس لمستقبل مغاير ، سوى الاعتماد على الذات في اطلاق عملية التغيير ، بالإسراع بإعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية ، واستعادة هويتها كحركة تحرر وطني ضد الاستعمار والاستيطان والاستبداد والعنصرية .
وتستوجب عملية إعادة البناء ، المبادرة فورا بتصويب اتجاه بوصلة المشروع الوطني التحرري الجامع لكافة مكونات الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه . والشروع بالفصل بين السياسة والإدارة . بفك الارتباط بين مهمة التحرر الوطني ومهمة إدارة الحكم الذاتي ، للخروج من الدائرة المفرغة التي أحكم اتفاق أوسلو انغلاقها ، عندما حاول الجمع بين مهمتين متضادتين على مدى ثلاثة عقود متصلة . فجاءت النتائج كارثية .
ذلك ان مهمة التحرر الوطني بطبيعتها مهمة تصادمية مع الكيان الاستعماري الصهيوني الذي يتفوق في موازين القوى الشامل عموما ، والعسكرية منها خصوصا . وتسعى إلى توفير موجبات موازين قوى جديدة – عبر المقاومة الشعبية الفلسطينية طويلة الأمد ، واستخدام كافة وسائل المقاومة المشروعة – لرفع كلفة الاستعمار الصهيوني عسكريا وسياسيا وديبلوماسيا واقتصاديا واخلاقيا ، ولمنع استقراره ، ولاستنزاف قواه ، للتأسيس لهزيمته بشكل تدريجي وتراكمي .
ما يستوجب اتباع قواعد المقاومة السرية لتجنيب الشعب الفلسطيني الاصطدام بقوة عدوه العسكرية الفائقة وتحميله من الأعباء ما يفوق طاقته .
فيما مهمة إدارة حكم ذاتي تحت سيطرة المحتل الذي يسيطر على الموارد والحدود والحركة تقتضي العمل العلني . وتستدعي التنسيق مع المحتل لإدارة شؤون الشعب الواقع تحت الاحتلال . وتوظف حاجة الكيان الصهيوني لتهدئة غضب الشعب الفلسطيني ، لانتزاع تسهيلات تيسر حياة السكان وتساعد في تمكينهم وتعزيز صمودهم ، بتوفير وتنمية المقومات الذاتية وخصوصا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية ، لتقوية مناعته في مواجهة السياسات والإجراءات الاحتلالية ، وزيادة مقدرته على تحمل أعباء الصمود المقاوم .
والفصل بين المهمتين لا يستوجب الاختيار والمفاضلة بينهما كما يخال ويدعو البعض . فلسنا أمام ثنائيات متناقضة حد التضاد .
وإنما يقتضي الفصل الكامل بين مسؤوليات الاطلاع بهما ، على صعيد الاستراتيجيات والمناهج والأدوات والمؤسسات والأشخاص . لفك ارتهان نصف الشعب الفلسطيني المقيم داخل الوطن المحتل للعدو الصهيوني ، ومنعه من استغلال الاحتياجات المعيشية وتوظيفها بتكثيف الضغوط السياسية والعسكرية على الشعب الفلسطيني ، ظنا بإمكانية إخضاعه وإجباره على القبول بمقايضتها بحقوقه الوطنية .
ولاستعادة ثقة النصف الآخر المقيم بالشتات بتصويب اتجاه حركة بوصلة المشروع التحرري الفلسطيني الجامع ومرتكزه الحرية والعودة وتقرير المصير .
وتتوفر الآن فرصة تاريخية لإنقاذ الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة ومنع تكرار انقطاع المراحل النضالية الفلسطينية . بتصويب مسارها .
يتيح هذه الفرصة الانقلاب الأمريكي – الاسرائيلي على الشرعية الدولية ، وإغلاق فرص تنفيذ قرارتها الخاصة بتسوية الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي في المدى المنظور . والقفز عن مركز الصراع ومحاولة الاستقواء على الشعب الفلسطيني بتكثيف حصار المحيط العربي والإسلامي عليه .
وتصويب المسار يبدأ بالتنفيذ الفوري لقرار التحلل من اتفاقات أوسلو وفق رؤية وطنية منسقة ، ومشروع إصلاحي شامل يحافظ على ما تحقق من إنجازات ، ويصلح ما أحدثه من اختلالات .
فيعيد تعريف السلطة الفلسطينية وفقا لواقعها الفعلي وليس المتخيل . كإدارة حكم ذاتي لشؤون السكان الفلسطينيين داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 / الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة / ، والنظر إليها كإنجاز وطني مهم -رغم محدوديته – يتوجب الحفاظ عليه ، فقد تحقق بفضل نضال وصمود وتضحيات الشعب الفلسطيني ومكنه من انتزاع بعض حقوقه في إدارة شؤونه . وجعل برنامج عملها المستجد بأهدافه الواضحة واستراتيجيات ووسائل تنفيذه ، أساسا لخوض الانتخابات لاختيار رئاسة وقيادة مجلس الحكم الذاتي / بشقيه التشريعي والتنفيذي / المناط بها :
⁃ إعادة صياغة القوانين الناظمة لعملها وفقا لاختصاصاتها الوظيفية إعادة هيكلة وظائفها التخصصية كإدارة حكم ذاتي للجزء المقيم من الشعب الفلسطيني داخل حدود العام 1967 . فتحافظ فقط على ما يتصل بأمنه الوطني وإدارة شؤونه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية والقانونية والبيئية . وما يطور وينمي قدراته الذاتية ويحمي تماسكه الوطني والمجتمعي ويقوي مناعته ويعزز صموده المقاوم .
– اختزال حجمها وكادرها الوظيفي إلى الحد الذي يتطلبه الدور الوظيفي والنطاق الجغرافي.
والصلاحيات المحدودة لإدارة حكم ذاتي محدود ، وفي حدود مقدرة السكان على تحمل أعباء تمويل نفقاتها .
وتسند جميع المهام السياسية ، ومهام الإدارة التي تتجاوز النطاق الجغرافي والدور الوظيفي لإدارة الحكم الذاتي ، إلى المؤسسة الأم – منظمة التحرير الفلسطينية – التي يتوجب الإسراع بإعادة بنائها كإطار وطني جامع لكافة مكونات الشعب الفلسطيني داخل الوطن وفي الشتات . وتجديد شرعيتها الوطنية والتمثيلية وتحديثها وتوفير الكفاءات القادرة ، للتأهل لمسؤولية قيادة المشروع الوطني التحرري وتحقيق أهدافه ومرتكزها الحرية والعودة وتقرير المصير على أرض فلسطين .
2020-10-15