الكنيست الصهيوني ـ الفلسطيني!

أحمد حسين
لم يكن قيام إسرائيل إملاء أو حتى مبادرة صهيونية كما اعتاد اللغط السياسي أن يردد . أي أنه لم يكن وليد ” حركة التحرر القومي للشعب اليهودي ” كما أعلن الحزب الشيوعي ألإسرائيلي ذات مرة . فالتواجدات اليهودية عند مستوى القاعدة ، والتي كانت تتعامل مع فكرة اليهودية طقوسيا فقط ، شكلت خامة لاحقة لمشروع الدولة التي قامت عسكريا وإداريا حتى قبل تدشينها . لقد قامت إسرائيل النظرية قبل أن أعلن بلفور وعده التاريخي . وكان هذا الوعد إرهاصا إمبرياليا أكثر من كونه التزاما بالوعد الإلهي لشعب إسرائيل أو إرهاصا لالتزام يهود العالم بقضية يهودية ، لم يكن دورها العملي قد حان بعد . الدولة التي كان من المزمع إقامتها نجمت نظريا عن حاجة المشروع الإمبريالي لآلية متيسرة ، يمكن تزويدها بموضوعية اجتماعية استراتيجية لاحقا ، ولم تنشأ تعبيرا عن أي التزام وجداني أو اجتماعي مسبق ومشترك بين يهود العالم في ذلك الوقت . وكتيب هرتسل ووعد بلفور كانا تمهيدا إجرائيا لإعداد يهود أوروبا لفكرة الدولة التي ولدت في العقل الإمبريالي الذي كانت الراسمالية اليهودية ( الصهيونية فيما بعد ) جزءا منه ، والتي لم يكن يهود العالم قد عرفوا عنها شيئا بعد . وحينما بدأ بياليك في إنتاج أشعار الحنين القومية الأولى ، وبعد أن بدأ “آحاد هعام ” في إنتاج رومانسيات الإستيطان على أرض الآباء والأجداد ، فإنهما كانا يكتبان لجيل يهودي لم يولد بعد ، ولن يولد إلا بعد قيام الدولة .
إن تحقيق الشكل الإستيطاني ، ولاحقا الإجتماعي فالقومي لدولة المشروع الإمبريالي في الشرق الأوسط ، كان سابقا بالنسبة لأكثر يهود العالم ، على أية رابطة مصلحية أو وجدانية أو التزام اجتماعي بدولة اليهود . وكانت الصهيونية العالمية ، ولا تزال ، أكثر التزاما كمفهوم وفعل ، بجسدية المشروع الإمبريالي منها بجسدية المشروع القومي اليهودي ، الذي تم اعتماده كهيكلية دائمة للحضور الإمبريالي الإستراتيجي على أهم ساحات الإستهداف . باختصار لم تقم إسرائيل ابتداء لتكون تحقيقا لطموحات يهود العالم القومية ، بل قامت أولا كآلية للمشروع الإمبريالي ، على أساس الإنتفاع بوضع ” الشتات ” اليهودي وطرح ملابساته الشائعة بين يهود العالم . لذلك فقد حقق المشروع للدولة الجديدة الكثير من السياديات اللازمة للبقاء كدولة عسكرية في مواجهة دول المنطقة تخدم أهدافه ، ولكن لم يكن من المتوقع أن يمنحها حرية اتخاذ القرار السياسي المستقل . والتحكم في القرار السياسي لا يمكن أن يتم بدون التحكم في البنية الإجتماعية ، التي لو تحققت خارج إطار السيطرة المباشرة للمشروع ، فقد تقود إلى عرقلة استراتيجياته في المنطقة . لذلك فإن هذه البنية الإدارية التي تحققت تجميعيا قبل أن تتحقق اجتماعيا ولو في الوعي النظري ، كانت خامة سهلة للتشكيل الإداري إلى درجة تحديد جدلياتها في التكون مسبقا ، بشكل يضمن مستوى عاليا من التحكم والسيطرة والحفاظ النسبي على طابعها التجميعي والنظامي في العلاقات الداخلية . والحاصل ، فإن سيطرة المشروع على استمرار السياديات الإسرائيلية أو عدمه في المنطقة ، واحتفاظه الدائم بالضمان الأمني الوحيد في يديه ، وحدة إدراك رجل الشارع الإسرائيلي ـ بفضل التجربة ـ لهذه الحقيقة ، جعل هذا الأخير خامة طيعة في التداول الإنتخابي ، بين مشروع سياسي مرحلي وآخر ، وخاضعا لسيادة الوعي الذي يربطه تلقائيا بهذا المشروع . ولا يوجد في إسرائيل كائنات سياسية على أي مستوى ، غير مبرمجه تأسيسا على الإستجابة لأية برمجة سلوكية يقتضيها متخذو القرار السياسي الذين يعيشون خارج إسرائيل . وأية كيانات حزبية أو فئوية لها أبطال محليون في الإعلام ، هي مجرد مشاهد على الخشبة يؤديها ممثلون يخضعون لتوجيهات المخرج الذي لا يظهر إطلاقا على المسرح . إنهم جميعا أشبه بلاعبين في الفريق الوطني لكرة السلة ينفذون أوامر المدرب الذي يتحكم بهم عن بعد . وكان دور الصهيونية العالمية ـ الشريك الإمبريالي في المشروع ـ هو تحقيق جدل أبوي لعلاقتها بالمجتمع الإسرائيلي ، من خلال تثبيت مفهومي ( الأمريكي ـ الإسرائيلي ) في جانب ، و ( الإسرائيليـي ـ الأمريكي ) في الجانب الآخر كمعادلة هوية سياسية وقومية مشتركة بين الجانبين ، لا يمكن التواجد خارجها . وقد فهم الإسرائيلي أن هذه المعادلة لهويته كيهودي وإسرائيلي وأمريكي في ذات الوقت ، هي ضمان وجوده وأمنه ومصالحه الخاصة . هذه التركيبة النظامية للوعي ، أتاحت للصهيونية أن تمسك بخيوط الفكر والسلوك السياسي داخل المجتمع الإسرائيلي ، سواء على مستوى النخب الخاضعة لشرط الإحتواء الوظيفي سلفا ، أو على مستوى الشارع المرتهن للإعلام السيكيولوجي الأمني . وصهيونية إسرائيل هي تسمية للوعي غير المتحقق يهوديا ، ولكنها تسمية أمينة للوعي الإمبريالي المتحقق في استغلال يهود العالم لإقامة ثكنة متقدمة لمشروعه في أهم موقع استراتيجي في العالم . لذلك فإن الحديث عن دولة ذات طابع اجتماعي كلاسيكي أو مجتمع تقليدي في إسرائيل ، قابل للتحليل السياسي العادي ، هو أمر يوحي بخلل ما في الإجتهاد أو الهدف . ففي إطار تجميعي ذي وعي إجتماعي مبرمج ميدانيا بالقمع السيكيولوجي ، لا يمكن أن تقوم سوية اجتماعية تختار مصلحتها على أساس من جدل العلاقات الداخلية ، أو العلاقات بالمحيط . هناك حالة استنفار دائمة لوعي الحرب وحماية الذات من خطر محقق ، تحتم وحدة ” كانتونات اجتماعية ومصلحية ” مختلفة ، في وجه عدو مشترك .
لذلك فإن البحث عن المشهد السياسي المتوقع في إسرائيل بعد الإنتخابات ، داخل المزاجيات السياسية أو الوطنية أو الأخلاقية للنخب السياسية ، أو داخل مزاجية الناخب الإسرائيلي صباح هذا اليوم ، تدل على تجاوز فظ واعتباطي للتجارب السابقة في هذا المجال على مدى أكثر من ثمانية وخمسين عاما . أما البحث عنه في إطار العلاقة مع الفلسطينيين ، فهي محال كامل . فهذه العلاقة لم تكن موجودة إلا من طرف واحد في جميع فصولها الصدامية أو التفاوضية . وقضية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ، في غرارها الراهن ، لها وظيفة استخدامية فقط في كل ما يجري بالنسبة للشريكين الإمبرياليين . هذه الوظيفة هي تذكير الإسرائيلي بين الفينة والأخرى بالهم الأمني الذي يجب أن يقوده نحو القرار الإنتخابي “الصحيح ” . هناك دائما صدمة أو إجراء أمني يأتيان دائما في الوقت المناسب ، ويدفعان لاختيار الحكومة الإسرائيلية المناسبة ، والتي يكون تشكيلها قد تم مسبقا بالتزامن مع مرحلة جديدة من مراحل الحسم للمشروع الإمبريالي .
ولا يعني هذا بالطبع أن ” كانتونات المصالح الخاصة و” غيتوات الوعي ” المتعددة تخوض معركة وهمية في الإنتخابات . إنها معركة حقيقية تخوضها أطراف متصارعة ، ولكنها لا تخوضها على أساس من الذي سيكون صاحب القرار السياسي ” القومي ” ، الذي يتخذ خارج إسرائيل ، وإنما على أساس من سيقوم باحتلال منصب التنفيذ الذي تحت سقفه تتحرك المصالح الفئوية الخاصة لتلك الأطراف ، بمستوياتها البيروقراطية التي تهيمن على كل مساحات الإنتفاع المحلي . ألأمر الوحيد المؤكد هو ان التشكيلة الحكومية التي ستتولى هذا المنصب ، يجب أن تتألف في المراحل المفصلية للمشروع الإمبريالي من جميع النخب المحلية ذات الإلتزام الوظيفيي المشترك بالمشروع وبمتخذي القرار السياسي . وهذا هو ما يفسر حركات استبدال المواقع التي تقوم بها هذه النخب في اتجاه واحد هو المعسكر الشاروني ، الذي يبدو أنه سيكون المركز التأسيسي للحكومة القادمة . أما قضايا المزاج الشخصي ، والإنحرافات الأخلاقية ، والفساد الوظيفي ، فإنها لا تلعب أي دور مستقل في تنقلات النخب السياسية بين حزب وآخر . فالجميع في النهاية لهم التزام موحد يمكنهم أن يمارسوا مزاياهم الشخصية داخله .
بالطبع هناك دائما تشكيلات سياسية عابرة وهامشية ، تبدو وكأنها بعيدة عن فعل التوجيه المباشر في المعركة الإنتخابية ، ولكن هذه التشكيلات لم تكن لتقوم أصلا لولا أنها تخدم جو اللعبة وتؤدي دور العنصر المساعد في حركة التفاعلات المطلوبة لتحقيق ” المهباخ ” ، أي تبادل الأدوار بين الحزبين الرئيسيين .
أما التشكيلات الحزبية العبثية التي يقيمها عرب إسرائيليون من النخب التعاقدية فإن لها هامشها الوظيفي المحدد في اللعبة على أساس إحصائي محض . ومع أنه لا يوجد لهذه التشكيلات أي مغزى سياسي مباشر في العمل البرلماني أو حتى الحزبي ، إلا أنه من المضحك والمسلي أنها أكثر التشكيلات ضجيجا في المعركة الإنتخابية . ولعل ذلك عائد إلى أن كثيرا من هذه التشكيلات تصدر لمرة واحدة مثل بعض الصحف . والمغامرون الذين( يبادرون) إليها يعرفون أصول لعبة التعاقد الحقيقية ، ويعرفون أن دورهم ليس النجاح فقط وإنما إثارة الضجيج الديموقراطي أيضا .
والنسخ الحزبية العربية الصادرة عن مراكز الأبحاث الإستشراقية ، أي عن أكاديميا استشراف المستقبل ، لها مهام لا تتعلق أصلا بالعمل البرلماني داخل إسرائيل ، وإنما بالعمل الإستشراقي خارجها ، وبدعم صورة إسرائيل الديموقراطية التي استعملت وتستعمل عالميا كمقياس للمقارنة بينها وبين الكيانات العربية الطغيانية والمتخلفة . وحتى الجرائم الإنسانية التي ارتكبتها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني والشعوب العربية جرى ويجري تفهمها والتغاضي عنها بشفاعة هذا المقياس العالمي . هذا عدا عن أن كل القوانين العنصرية وقوانين السلب التي مررتها وتمررها ” الكنيست ” لم تكن لتتوفر لها المصداقية الديموقراطية الكاملة لولا وجود برلمانيين عرب في ” الكنيست ” يعارضون هذه القوانين ويهاجمونها في الجلسات بحرية كاملة . ولم يحدث حتى الآن أن ” النواب العرب ” قاموا بإسقاط أو تعديل قانون ضد ” العرب ” أو قاموا بتمرير قانون يخدم مصلحتهم . لذلك فإن تلك النسخ الحزبية الإجرائية تدرك أن العلاقة بينها وبين مصلحة ” المصوتين العرب ” هي علاقة غير منطقية وغير ممكنة إلا في إطار تحقيق المصالح الشخصية الضيقة التي تقدمها لهم الجهات المختصة كتمويل معنوي لحملاتهم الإنتخابية . لذلك فإن ضجيجهم الإنتخابي يتمحور حول شتم السلطة ، ” ومقاومة المتطرفين ” والتشهير بالجانبين و بالقوانين العنصرية ، على منصة الكنيست وفي برامجهم الإنتخابية . وقد ظل الأمر على هذا الغرار مع تغييرات طفيفة بين كل مرحلة انتخابية وأخرى . وكان من الواضح أن المنفعة من وجود هؤلاء البرلمانيين العرب كانت تعود على الديموقراطية الإسرائيلية فقط . لذلك فإن وجودهم في مستويات الوعي بين معظم فلسطينيي الداخل ، كان مرتبطا بالتعاقد واللاجدوى السياسية ، حتى من جانب مصوتيهم البراغماتيين .
لقد كان الهاجس الوطني والقومي ، وما يزال اليوم في حدود أقل ، هو أساس التقييم في علاقة فلسطينيي الداخل بما يجري حولهم . وكان واضحا أن هذا الهاجس هو الذي كان يشكل الفرق الجوهري بين وعي ” عرب الكنيست ” ووعي ” عرب الإلتزام ” . وكان وعي الإلتزام يشكل ضغطا متزايدا نحو السلبية على نسبة المصوتين العرب في معظم المعارك الإنتخابية وحتى مجئ المرحلة الأوسلوية ، وثورة التطبيع ، وانخفاض سقف الإلتزام الوطني والقومي إلى حدود عدم الإكتراث بأية أخلاقيات وطنية أو سياسية . وفي حين كانت مراكز البحث الإسرائيلية الإستشراقية لا تولى أهتماما لقضية النسخ الحزبية العربية التي تصدرها ، يتجاوز رمزية التواجد على واحة الديموقراطية الإسرائيلية ، فإنها بعد ثورة الإنفتاح الفلسطيني والعربي الرسمي علنيا على التطبيع ، وجدت أن عليها الإهتمام بجدواها على مساحات التطبيع الجماهيرية عربيا . وكان واضحا أن النسخ الحزبية العربية التقليدية على الساحة الإسرائيلية لم تعد تفي بهذا الغرض ، وأنه لا بد من استبدالها بنسخ أكثر تعقيدا وحضورا وحيوية تلائم واقع المرحلة الجديدة التي تغص بالمهام التي يجب توفير آلياتها المناسبة .
وكانت المعطيات الجديدة أمام آليات الإستشراق الإسرائيلي الملحق بالمشروع الإمبريالي كما يطرحها الواقع كالتالي :
لقد تدنى سقف الإلتزام القومي والوطني على ساحة الإلتزام العربي بكل تشكيلاته ، حتى الرفضية منها ، إلى درجة تبيح وتستدعي خفض هذا الوعي إلى مستوى الإلتزام المتدني . أي تجريد الحالة العربية عموما وبضمنها الفلسطينية من أية التفاتات استراتيجية سابقة ، وتثبيت حالة هجر الثوابت وتوثيق هذه الحالة في الوعي الفلسطيني والعربي . وما دام سقف الإلتزام الوطني والقومي العربي لم يعد يشكل أية مخاطر ، حتى تفاوضية ، على الجانب الإسرائيلي ، فإن توظيف هذا المستوى من الإلتزام ، في حركة تطبيعية مدروسة سيسهم في تعديل هذا الإلتزام نفسه ، ويزيل عوائق ما تزال قائمة في وجه حركة غزو تطبيعي شاملة ، تحقق الأسس القاعدية لمشروع الشرق الأوسط الجديد بمواصفاته الإسرائيلية .
ومنذ سنوات بدأت مراكز البحث الإستشراقي هذه في إصدار نسخ حزبية عربية جديدة تلائم هذه التطلعات .
وقد عمدت إلى تحديث هذه النسخ من حيث الشكل والمضمون بطريقة تجعل تسويقها عربيا وفلسطينيا أمرا مضمونا على كل مستويات الوعي في سوق الإنهيار الوطني والقومي العربي . لقد صدًَرت هذه النسخ بوجوه ذات مستوى أكاديمي بارز ، ومولتها وطنيا إلى درجة أنها تبدو في كثير من الأحيان أكثر تشددا في مواقفها الوطنية والقومية من المواقف المقابلة على الساحة الوطنية والقومية العربية في وضعها الحالي . هذه المواقف المتشددة بالطبع كانت مواقف ” استشهادية ” نجم عنها مشادات وتصريحات تليفزيونية ملتهبة تجاوزت حدود المسموح الديموقراطي والسياسي والأمني ، ودفعت السلطة إلى معاقبة مرتكبيها بالتنديد والتهديد برفع الحصانة البرلمانية عنهم . ولكنها مع ذلك لم ” تستطع ” فعل شئ إزائهم حتى عندما اخترقوا قوانين الأمن وقاموا بزيارات علنية متعددة لسوريا ولبنان رغما عن كل أجهزة السلطة وبدون التنسيق المسبق مع أجهزة الأمن !! ومع أن شارون نفسه لا يستطيع تجاوز التعليمات الأمنية ، إلا أنهم استطاعوا ذلك ! بل لقد وصل الأمر ببعض الإستشهاديين الكنيستيين إلى التصريح بأن الفلسطينيين في إسرائيل هم ” أقلية قومية ” !!! وبلغة السخرية ، فإن هذا الدفع الأمامي التصاعدي للهوية ، لا يخص الفلسطينيين في إسرائيل وحدهم ، بل من المفروض تلقائيا أن يتعدى ذلك إلى اللاجئين الفلسطينيين في الشتات الذين يجب الإعتراف بهم أيضا كأقليات قومية في أماكن تواجدهم . وهذا بالطبع ـ وعلى سبيل السخرية أيضا ـ يخالف نوايا إسرائيل ، ويضيع عليها الفرصة في نفي الوجود الفلسطيني بطريقة أخرى أكثر جذرية . ولعل تعريب الفلسطينيين هو ما حدا ببعض المؤسسات القومية العربية المتخصصة إلى التنويه التكريمي بمثل هذا التوجه الذي يعيد إلى الفلسطينيين عروبتهم المسلوبة .
هذا العنف السياسي ” الوطني ” ضد المشروع الصهيوني في إسرائيل ، يفترض أن يخدم تسويق النخب ” الوطنية ” من هذا النوع ، بالإعتماد على موقعها الإسرائيلي ، باعتباره موقعا شديد الخطر يحتاج إلى جرأة شخصية نادرة ! وهذا وحده كاف لتحقيق المضمون ” الوطني ” للخطاب بغض النظر عن مضمونه أو أهدافه الحقيقية . وقد حصل ! فقد اعتبر بعض الغائبين عن الوعي المطالبة بالإعتراف بالفلسطينيين في إسرائيل ” أقلية قومية ” موقفا فدائيا ، رغم أن أهم مقولات الفلسفة السياسية لإسرائيل بالنسبة لهوية الفلسطينيين تقوم على التشديد على انتمائهم القومي لنفي فلسطينيتهم وانتمائهم الوطني . ولذلك فهي تصر على أن اللاجئين الفلسطينيين في الشتات هم الفلسطينيون الوحيدون الموجودون في مكانهم الطبيعي ، وأن ” عرب إسرائيل ” و ” عرب المناطق ” هم على العكس من ذلك . إنهم ” عرب أرض إسرائيل ” .
أنا لا أتهم أحدا بالغباء ، فأزعم أنني الوحيد الذي يفهم هذه اللعبة التطبيعية الإستشراقية المتقدمة والمكشوفة في نفس الوقت ، التي تقدمها مراكز الأبجاث الإستشراقي والأكاديمي الصهيونية ، على شكل دمى حزبية عربية . كما أنني لا أعتقد أن النخب البحثية التي تقف وراءها تفترض انتشار الغباء بشكل وبائي بين العرب . إنهم فقط يستغلون مزايا المرحلة التي توفر حالة الإمتثال العربي النظامي لما يفرض عليه ، وقلة الحيلة والإحباط الذي تعيشها الشعوب العربية المقهورة ونخبها الوعيوية ، وسهولة الإختراق التي تحققها هزيمة الوعي أمام شراسة الواقع . وحينما تعطى للمهزوم فرصة للإنخداع تهون عليه وطأة الإمتثال المباشر ، فإنه لا يفقد وعي الجرح ، ولكنه يفضل الجرح المضمد على الجرح العاري . ولكن ما يغيظ هو الأداء الذي يطالب بالغباء ، من جانب كنيستيي اللعبة من فلسطينيي الداخل . هؤلاء وهم يوجهون خطابهم إلى ساحة الغزو المستهدفة ، لا يقيمون وزنا لاستماعنا نحن شركاؤهم ” في الوحدة الوطنية القطرية ” داخل الكنيست ، وكأنهم يهملون أهمية الشهود ، حينما يرتكبون خطابهم الوطني ، ويتناسون أننا نعرفهم أكثر من أنفسهم لأنهم جرحنا المكشوف .
ولن نلجأ إلى الخطاب الفاقد الحداثة ، فنقول أن القضية الوطنية أو القومية ليست مبحثا إسرائيليا ، وأن زعم الدفاع عنها داخل الكنيست هو وقاحة واستسخاف للعقل وانحراف أخلاقي . ففهم هذا الخطاب اليوم يستدعي وعيا من طراز قديم ، لأن أي إنجاز وطني أو قومي على ضوء الواقع ، لا يمكن إلا أن يكون منحة إسرائيلية أمريكية . ولكننا نريد أن نسأل ما هي المنحة التي قامت الكنيست بتقديمها للفلسطينيين أو العرب حتى الآن ؟ وهل يمكن أن يكون هناك أي واقع افتراضي بتقديم هذه المنحة مهما كانت ضئيلة ؟ فلماذا يصر البعض على تلويث أسماعنا بخطابه العبثي والإستهبالي ؟ لماذا يفلسفون سقوطهم على حسابنا ؟ إن تاريخنا المعاصر هو سلسلة من حوادث السقوط الكبيرة والصغيرة ، بحيث أن وعينا أصبح لا يكترث بمظاهر السقوط الملكي أو الجمهوري أو الرئاسي ، فهل سيكترث بسلوكيات أعضاء الكنيست العرب ، أو يتوقع منهم سوى أن يكونوا سوى ما هم عليه ؟ فليتوقفوا عن المبالغة في تقديم عروضهم البهلوانية ، فنحن حزينون جدا ، ولا نريد أن نضحك .
2022-12-16