القرار رقم 2803!
سعادة مصطفى أرشيد*
اقترع مجلس الأمن، فجر أمس الثلاثاء، على مشروع القرار الأميركي الذي سبق أن أعلنت تفاصيله في قمة شرم الشيخ، وذلك بأغلبية 13 دولة وامتناع الصين وروسيا عن التصويت، وفور إعلان القرار رأى الرئيس الأميركي دونالد ترامب في نجاح تمريره لحظة تاريخية نادرة وأنه من أكبر المصادقات وأهمّها التي جرت في تاريخ مجلس الأمن والأمم المتحدة، وكيف لا يعلن سروره بهذا النجاح خاصة أن سياساته وسياسات بلاده تتعثر في جهات الدنيا الأربع ولا تجد نجاحاً لها أو تقدماً إلا في بلادنا.
يتضمّن القرار بنداً لإنهاء الحرب على غزة، ولكن عند متابعة التفاصيل سرعان ما نجد أنه لا ينهي الحرب وإنما يُعيد احتلال غزة بالنيابة عن دولة الاحتلال، ولكن بعساكر من دول عدة وبغياب أي مشاركة من الفلسطيني المقاوم أو حتى المساوم، فإدارة غزة يجب أن تكون من قبل جهات دولية وعربية وهذه الأخيرة التي ستتولى التمويل أيضاً وبصلاحيات مفتوحة، وتريد تحويل المساعدات الإنسانية كأداة ضغط وابتزاز بهدف تحويلها إلى بديل لوكالة تشغيل وغوث اللاجئين الفلسطينيين الأونروا التي يريد المجتمع الدولي شطبها وحلّها باعتبارها شاهداً قانونياً على مسألة اللجوء الفلسطيني، وذلك من خلال ابتزاز الفلسطيني إنسانياً ليقبل بذلك. غزة التي ستنتهي فيها الحرب، كما يقول القرار 2803 ستكون خالية من المقاومة بأشكالها العسكرية والفكرية والثقافية وفي مناهجها الدراسية، فالقرار يرى أن من تسبّب بالحرب والإبادة والتدمير والمجاعة ليس دولة الاحتلال البريئة من كل مسؤولية عن ذلك وإنما المقاومة.
يتحدّث القرار عن إمكانية إقامة الدولة الفلسطينية ويضع لذلك شرطاً بأن تقوم السلطة الفلسطينية في رام الله بما هو مطلوب منها من إصلاحات، وهذه المطلوبات لا نزال نعرف قليلاً منها، ولكن كثيراً من هذا القليل يستحيل تنفيذه إذ إنه يجعل من السلطة الفلسطينية دائرة من دوائر الاحتلال وجهازاً من أجهزته الأمنية وبما يفقدها مشروعيتها. هذا ونحن نرى اليوم أن السلطة في رام الله التي تقوم بالتنسيق الأمني وتتحاشى إغضاب الاحتلال، إلا أن الاحتلال يسعى لإضعافها، فهو لا يريدها باعتبارها عنواناً سياسياً حتى ولو كان متساوقاً معه، فكيف سيكون الحال مع المطالب التي ستظهر لاحقاً؟ ثم إن القرار المذكور لم يحدّد موعداً زمنياً أو حيّزاً جغرافياً لإقامة هذه الدولة، فهي كما يفهم من القرار ستقوم في وقت من الأوقات وفي مكان من الأماكن.
هذه هي البنود الأساسية الواردة في القرار والتي تهمّنا في هذه المقالة وقد جاءت هذه البنود مستجيبة للواقع الفلسطيني والقومي والعربي المتردّي وانعكاساً له. هذا وإنْ افترض النظام العربي والفلسطيني أنّ القرار القاضي بإنهاء الحرب على غزة وإقامة الدولة الفلسطينية إنما جاء نتيجة لجهودهم الدبلوماسية وسياساتهم الناجحة، أما على الجانب الآخر فقد أعلن عديد من الوزراء في تل أبيب غضبهم من القرار الدولي مما اضطر نتنياهو لعقد جلسة حكومية خاصة لتهدئة خواطرهم، إذ أكد لهم فيها أنه لن تقام دولة فلسطينية أبداً ما بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن أي في فلسطين الانتدابية وأن على (إسرائيل) أن تتعايش مع الكلام المرسل باعتباره كلاماً في كلام، ولكن عليهم في الوقت ذاته أن يواصلوا العمل على أن الضفة الغربية هي (يهودا والسامرة) وهي أرض (إسرائيلية) بالكامل، وأن الدولة الفلسطينية الواردة في قرار مجلس الأمن إن أقيمت ذات يوم فإنها ستقام في حيز جغرافي خارج أرض فلسطين (إسرائيل).
وفي محاكمة سريعة للواقع نجد أنّ ما قاله نتنياهو لوزرائه قد أصاب شيئاً من الحقيقة.
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير ـ جنين ـ فلسطين المحتلة
2025-11-21