الفوضى المستدامة.. أو بين صبريْ الجنرال دامبسي والوزير لودريان “الإستراتيجييْن”!
نبيل نايلي
“إنّ الشرق الأوسط برمّته، هو حاليا في أزمة، وربما مُعرّض للخطر: فوضى دائمة وحريق شامل.. نحن لن نحلّ مشاكل المنطقة ولكن باستطاعتنا المساعدة على بلورة بعضها، وتمكين الفاعلين المحليين من التصدّي إليها تدريجيا.. هذه قناعتي!!“ وزير الدفاع الفرنسي، جون إيف لودريان.
ألقى وزير الدفاع الفرنسي، جون إيف لودريان، Jean-Yves Le Drian، في ”جامعة السوربون ، Sorbonne La “، محاضرة على غاية من الأهمية، من حيث المقاربات والتداعيات، حملت عنوانا مشبعا بالدلالات، وقد تشكّل ملامح الإستراتيجيات الفرنسية وسياساتها الخارجية للسنوات القادمة: “التحديات الكبرى الاستراتيجية لسنة 2016، Les Grands Enjeux Stratégiques de 2016.”
استهلّ وزير الدفاع الفرنسي مداخلته بالإقرار بأن فرنسا تقف “في منعطف إستراتيجي تاريخي”، يضع حدّا للمرحلة الأولى التي تمخّضت عنها نهاية الحرب الباردة، موضحا أن فرنسا “بتقديرها لطبيعة المخاطر التي تتهدّدها وإدراكها للتحوّلات الجسام التي يعيشها العالم، تستطيع أن تواجهها وأن تستعدّ للمستقبل، بما يضمن لها الحفاظ على المكانة التي تستحقها”!
مُفتتحا محاضرته بالمخاطر الأبرز التي تشكّل خطرا على بلاده. وزير الدفاع الفرنسي ذكّر بتصريح للرئيس فرانسوا هولاند، جاء فيه “أن بلاده لها عدو واحد هو تنظيم داعش”، ثم أوصى بضرورة أن لا يقع اغفال باقي العوامل الأخرى التي تتهدّد الأمن الأوروبي، الذي يعيش هو الآخر “مفترقا وتحديات” أبرزها:
– “مشكلة تدفّق اللاجئين والحدود والمقاربات الأمنية التي أسّس عليها الإتحاد، كبروز “الإرهاب العسكري،Terrorisme Militarisé” الذي يمثّل قطيعة مع المعهود من الإرهاب كذلك الذي تمارسه الجماعات ” ذات التطلعات الجهادية”، صاحبة الأيديولوجيا المتوحشة،
– وروسيا القوة النووية التي تتسلّح بشكل لافت،
– وانتشار القدرات العسكرية عالية القدرة، في مقابل نهاية عصر الهيمنة الغربية التقنية والعسكرية المطلقة التي عقبت حرب الخليج الأولى وانهيار الإتحاد السوفييتي”.
لودريان أشار أيضا إلى خطر الحرب السيبيرية التي تستغلّها القوى المنافسة أو الجماعات أو الكيانات “غير الحكومية”، لتحدث أضرارا جسيمة، مستشهدا بما تعرّضت له “شبكة كهرباء أوكرانيا أو ما أصاب البرنامج النووي الإيراني”، حتى بات من الضروري الحديث عن “الأمن السيبيري كجزء لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي”.
في تشخيصه للوضع الذي تمرّ بها المنطقة وما تشهده من تشظيّ وحروب بعضها كامن و بعضها الآخر مُستعر، بعناوين مختلفة باختلاف الساحات وشخوصها، منها ما يخاض بالوكالة، وأخرى تدور رحاها بالمناولة، وبعضها يتمّ استكمالا لجولات حروب الكوندور المستديمة، لتلتقي جميعها، عند قاسم الدمار الذاتي بطعم ورائحة المسلخ الطائفي أو الإثني من مشرق الوطن حتى مغربه، رسم وزير الدفاع الفرنسي، لوحة دامية غاية في القتامة، واستشرف صورة قيامية ومصيرا مفزعا، بقوله دون مواربة، أو تحفّظ دبلوماسي: “إنّ الشرق الأوسط برمّته، هو حاليا في أزمة، وربما مُعرّض للخطر: فوضى دائمة وحريق شامل.. ولا يمكن استبعاد الفرضيات الأكثر سوداوية “!
شرق أوسط تتحلّل فيه الدول وتتشظّى وحيث “تعيش 4 دول حروبا أهلية: العراق وسوريا واليمن”، التي يضيف إليها ليبيا، “على أن نأخذ بعين الاعتبار التوتر الذي يشهده كلّ من لبنان والأردن والبحرين ومصر وتونس، بعضه لأسباب داخلية وآخر متعلّق بمحاذاتها جغرافيا لساحات حرب، فضلا عن تنامي التطرّف والإرهاب الجهادي، النزاع الطائفي والتنافس بين العربية السعودية، زعيمة العالم السني، وايران الفارسية والشيعية، دون نسيان الصراع الإسرائيلي الفلسطيني حيث حل الدولتين ينأى أكثر فأكثر.”
إلى ذلك يؤكد الوزير الفرنسي، في محاضرته، على العوامل البنوية كالانفجار الديموغرافي في مقابل ركود اقتصادي وغبن سياسي يعمّقه غياب الديمقراطية والحرمان من أبسط الحقوق الأساسية مما يخلق أزمة كبرى..
مستشهدا بالمستنقع الأفغاني، ومستحضرا دروسه، دعا وزير الدفاع الفرنسي، إلى عدم القيام بتدخّلات خارجية سياسية أو عسكرية، دون”موافقة المجتمعات المحلية، L’aval des sociétés locale“، مؤكدا على ضرورة ”التدخّل بحذر من خلال دعم الشركاء الأمنيين الإقليميين وتشجيع المستمرّ للردود والفاعلين الإقليميين، Les Réponses et Les Acteurs Régionaux”، فبعد مخاض تجربة 15 عاما في أفغانستان، صار لزاما أن نعلم “أنه لا يمكن أن يستمرّ أي شيء بشكل دائم، دون المشاركة الفعلية للمجتمعات المحلية“!
مشيرا إلى ليبيا بشكل الإيحاء المبطّن، لم يستبعد وزير الدفاع الفرنسي دعما عسكريا في حال تشكيل حكومة وحدة وطنية، موضحا أنّ دور فرنسا “ليس أن تتدخّل عسكريا”، في كلّ المسارح والبلدان التي تعيش أزمات، لكنها يمكن أن تضطلع بدور “مساعدة الحكومات الساعية إلى تأمين استقرارها والمحافظة على مؤسساتها”، بما في ذلك “مؤازرتها في المجالات الأمنية”! عملا بهذه المقاربة الإستراتيجية، يكشف الوزير الفرنسي أنّ فرنسا ضاعفت 3 مرات مساعدتها “للديمقراطية التونسية الناشئة” حيث “التزمت بتدريب فرق العمليات الخاصة التونسية”، مجدّدا التأكيد على الدعم الجوي الذي قدّمه سلاح الجو الفرنسي للقوات العراقية، بطلب من بغداد، وليس من العراق، لمن يفكّ شفرة الخطاب، كما أصرّ لودريان على التذكير!
متأسّيا برئيس أركان الجيوش الأمريكية، الجنرال مارتن دمبسي،Martin Dempsey، الذي سبق أن صك، في كلمة ألقاها من على متن حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول، مصطلح “الصبر الاستراتيجي، Strategic Patience”، موصيا باعتماده كاستراتيجية ناجعة في مواجهة تنظيم داعش بدل “الخيار الخطأ بتكثيف ضربات التحالف الدولي الجوية على مواقع ومقرّات مسلحّي داعش، دعا جون ايف ودريان، هو الآخر، إلى التحلّي ب”الصبر الاستراتيجي، Patience Stratégique“
ولئن تذرّع الجنرال الأمريكي يومها لتبرير صبره الإستراتيجي، يومها، ب”الحيّز الزمنيّ الضروري لتجميع كافة المعلومات اللاّزمة بشأن الأهداف المحتملة حتى تكون الغارات أكثر دقـّة ونجاعة!”، و”بمستوى جاهزية الجيش العراقي التي انتقدها، وبمدى رغبة الحكومة العراقية في تحقيق المصالحة مع السكان العرب السنّة الذين يشعرون بالتهميش ويتوجّسون خيفة من القوات العراقية التي يهيمن عليها الشيعة”، فإنّ مقاربة وزير الدفاع الفرنسي للصبر الإستراتيجي مختلفة، مفهوما وتبريرا.
إذ يعرّفه على أنه “ايجاد منطقة توازن وسطى بين بيروقراطية وبطء ردود أفعال المؤسسات الوطنية والهيئات والمنظمات الدولية، واستعجال الرأي العام –الشرعي في مواجهة فظاعة الحالات الإنسانية وصعوبتها-” في التدخّل لحلّ النزاعات. صبر استراتيجي يمكن من بلورة استراتيجية “دائمة تستبق ردود الأعداء المحتملة وتتعامل مع التطوّرات والمتغيرات مهما كانت طبيعتها”، ليبسط أكثر قائلا في وضوح ودون مواربة: “نحن لن نحلّ مشاكل المنطقة ولكن باستطاعتنا المساعدة على بلورة بعضها وتمكين الفاعلين المحليين من التصدّي إليها تدريجيا، هذه قناعتي!” لم ينكر لودريان أيضا أن الإرهاب “الإسلامي”، سيظلّ “خطرا مستديما، Menace Durable “، رغم ما “يحقّقه التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة من نجاحات في مواجهة تنظيم داعش”، محذّرا من مغبة الاكتفاء وحصر الحرب ضد وحش “الهيدرا الجهادية، L’hydre jihadiste” في سوريا والعراق، نظرا للإحتمال القوي “أن تظهر له رأس، أو رؤوس في أماكن أخرى”!
لم يفت جان ايف لو دريان، أن ينعى “نهاية الهيمنة العسكرية الغربية المطلقة”، التي عقبت انهيار ما كان يُعرف سابقا بالاتحاد السوفييتي، مُشدّدا على صعود قوى منافسة، على دفة القيادة العالمية ك”الصين وروسيا والهند”، وتنامي ما سمّاه “التحديات الإرهابية”!
لا إشارة واحدة عن المسؤولية التاريخية أقله في الوضع التي آلت إليه ليبيا، ولاحديث ولا حتى مجرّد إشارة لهذا “الربيع العربي” ولا إلى مخرجاته، ولا مجرّد إيحاء بالمقاربات الجديدة والسياسات الإستراتيجية الفرنسية، التي تستحضر “التحولات والتسوناميات الكبرى” التي يُراد لنا أن نتغنّى بها في “انتشاء ثوري”! فقط تكراره ل”نبوءة” عالم الوكالة المركزية الأمريكية للإستخبارات الذي توقّع أن “تنتهي موجة الإرهاب الإسلامي على المستوى العالمي بحدود العام 2030!! “، وترجيحه أن يظلّ “مستديما”!
الآن وقد علمنا أيضا بنبأ تشكيل “حكومة وحدة وطنية” في ليبيا، فهل توفّر “شرعية هذه السلطة الجديدة” ما يسمّيه لودريان “موافقة المجتمعات المحلية” التي قد تستند إليها فرنسا والأوروبيون للتدخّل العسكري من جديد، ما دام البعبع يوفّر الذرائع والمسوّغات أين حلّ؟!
بين صبريْ الجنرال دامبسي والوزير لودريان “الإستراتيجييْن”، تتشظى أوطان وتتآكل بقايا وحدة وطنية وتُستنزف الأطراف جميعها، ويُستجار بالمستعمر ليعود في ثوب حامي الحمى والديار ورجل الإطفاء، في تفعيل وتنفيذ ممنهج لإستراتيجية عرّابها هنري كيسينجر،Henry Kissinger، تقضي بهزيمة الطرفين، وتمرين تطبيقيّ لما يسمّيه المؤلّف العسكري الإستراتيجي، إدوارد لتفاك، Edward N. Luttwak ، “النّفور من الطرفين” أو”المأزق المستدام، Prolonged Stalemate“، وعليه فالمبتغى ليس إلاّ استطالة للحرب لا حسمها، ما دام المراد ألاّ ”يهدف إلى تغيير ديناميكيّة الحرب الأهليّة الكبرى“، كما نصح السيناتور الجمهوري المعروف بوب كوركر، Bob Corker، ذات جلسة نواب !
*باحث في الفكر الإستراتيجي، جامعة باريس.
23/01/2016