الفقر والفساد يشعل العراق كما أشعل من قبله ساحات عربية كثيرة!
د. عبد الحميد فجر سلوم.
لم تشفع للمسؤولين العراقيين، ولا للحكومة العراقية، الانتخابات البرلمانية الديمقراطية التعددية، التي كفلها دستور العراق، لان الفساد قضى على كل تلك المعاني.
في ظل الفساد وغياب المحاسبة وعدم تطبيق القوانين وعدم وجود مؤسسات فاعلة وقوية وقادرة على محاسبة أكبر مسؤول، فإن الديمقراطية حينئذ تفقد مفعولها وزخمها وتصبح بلا معنى..
الديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع وتصويت وتغيير في بعض الوجوه وينتهي الأمر، وإنما هي عملية متكاملة من ألفها إلى ياؤها، وما التصويت في صناديق الاقتراع سوى الخطوة الأولى في درب الديمقراطية..
المسؤولون العراقيون لم يُدركوا هذا الأمر، وربما أدركوه ولكن لم يعيرونه اهتماما، واختزلوا العملية الديمقراطية بصناديق الاقتراع التي أوصلتهم إلى البرلمان ومن ثم إلى الحكومة، وكأن هذا نهاية كل شيء، وضمنوا المكاسب والامتيازات، وتناسوا غالبية الشعب الفقير والمحتاج لكل شيء، وأولها الخدمات الأساسية، وتوفير مستوى معيشي لائق ببني البشر، واعتماد الشفافية وتكافؤ الفرص وسيادة القانون ومكافحة الفساد والفاسدين والمستبدين من بين أبناء الطبقة السياسية، وحوّلوا العراق إلى دولة مزارع .
منذ أن بدأت العملية السياسية في العراق بُعَيد الاحتلال الأمريكي عام 2003 ونحن نسمع بذات الوجوه وذات الأسماء التي غدت طبقة عراقية سياسية حصرية، كما الوكالات التجارية الحصرية، وظيفتها فقط ” الزعامة” في أحزابها دون غيرها، وصناعة المسؤولين..
طبيعي أن يستمر تواجُد الأحزاب منذ تأسيسها وإلى ما شاء الله، ولكن ليس من الطبيعي أن تهيمن على تلك الأحزاب ذات الوجوه وتتحكم بمصيرها ومسيرتها، وتحولها إلى مزارع لها أو لعائلاتها والمُقرّبين منها .. قيادات الأحزاب يجب أن تتجدّد من خلال ترسيخ الديمقراطية داخل الأحزاب ذاتها، ومن خلال الانتخابات الديمقراطية والحرة داخل الأحزاب أيضا، ولا يُعقل أن يبقى قادة الأحزاب هم أنفسهم ابد الحياة، وهُم من يتحكمون بالدولة.. هكذا تترهل الأحزاب أولا وتتوقف داخلها دورة الحياة وتعيش على الإنعاش، وتتحول إلى أحزاب بيروقراطية همُّ قياداتها الوجاهة وحصد المكاسب والانفصام عن هموم المواطنين ومعاناتهم، وتبتعد عنهم، فيبتعدون بدورهم عنها..
في الولايات المتحدة حزبان رئيسيان هُما الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي، تأسس الأول عام 1854 والثاني عام 1798 ولكن لم نسمع أن أحدا استأثر برئاسة أيٍّ منهما طويلا .. بل ولا حتى أكثر من دورة انتخابية لمجلس النواب ..
في بريطانيا حزبان رئيسيان، حزب المحافظين البريطاني تأسس عام 1834 ، وحزب العمال تأسس عام 1900، وكذلك لم نسمع أن أحدا استأثر برئاسة أيٍّ منهما طويلا..
في العراق، الأحزاب السياسية، تتربع على هرمها الأعلى ذات القيادات منذ خمسة عشر عاما، ومستمرة، حتى أضحت أشبه بالدكاكين منها إلى الأحزاب، تماما كما هو الحال مع الأحزاب اللبنانية ..
نعود للتأكيد أن المظاهرات التي قامت في العراق، في المناطق الشيعية والسنية، لها أسبابها الموضوعية نتيجة الأوضاع الاقتصادية المتردية وسوء الأحوال المعيشية، والركود والفساد والفقر والبطالة وتردِّي الخدمات، وتمركز الثروة بأيدي طبقة ضئيلة مقابل زيادة إفقار الطبقات الشعبية، مما يجعلها عاجزة عن العيش، كل هذا قد راكَمَ كمّا هائلا من الاحتقان وكان لا بُدّ لهذا الاحتقان أن ينفجر في أي وقت.
وهذه كانت دوما مصيبة النُخب الحاكمة في العالم العربي (التي أبعدتها أضواء السلطة والمال عن شعوبها) فلا تكترث مطلقا بأحوال هذه الشعوب، ولا تلتفت إليها، ولا تتدارك أية مشاكل اجتماعية، إلا حينما تنفجر الشعوب فجأة بالشوارع..
حينما ينتشر الفساد لا بُدّ من أن ينتشر الفقر، لأن الفاسدين يُتخَمون على حساب غيرهم، ولذا لا بُدّ من أن يتسببوا بإفقار الآخرين، وقد جاء في قول الإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه، والذي يرقد في أرض العراق: ” ما شبِع غني إلا بما جاع به فقير” .. ويروى عن الإمام عليٍّ قوله أيضا: ” لو كان الفقر رجلا لقتلته” .. فأستغربُ مِمن يرفعون قيم آل البيت في العراق، وهُم قادة العراق الرئيسيين اليوم، أن يسمحوا بالفساد والفقر ويديرون الظهر للفقراء والمستضعفين، والعراق بلدا غنيا جدا، ومع ذلك يضطر شعبه للخروج للشوارع احتجاجا على الفقر والفساد والحاجة لأهم الخدمات..
جاء في معجم الطبراني: كاد الحسد أن يسبق القَدَر، وكادت الحاجة أن تكون كفرا..
فالحاجة هي نتيجة الفقر، والفقر يكاد أن يكون كفرا.. ولذا استعاذ الرسول صلى الله عليه وسلم من الفقر..
الفقر يعني قسوة الحياة وصعوبتها ويعني المذلّة والحاجة للآخرين، ويعني فقدان الإنسان لكل معاني إنسانيته، مما يدفع الفقير إلى النقمة حتى على الله سبحانه وتعالى وهكذا يقترب من الكفر.. ولذا معالجة الفقر هي واجب رئيسي وأساسي ويجب أن تكون من أولى الأولويات في كل دولة ابتلي فيها الناس بالفقر وبالفساد، حتى لا تتفاجأ حكومتها بمئات الآلاف ينزلون للشوارع من دون حسبان ولا توقُّع .. كما يحصل اليوم في العراق وكما حصل قبلها في السودان والجزائر، ووو الخ…
ولذا حينما تتسع رقعة الفقر ويكبر قوم الفقراء فالطبيعي أن ننتظر ثورة جياع، والجائع لا يخشى من شيء، لأنه لا شيئا لديه ليخشى عليه..
في فرنسا نزل أصحاب السترات الصفراء للشوارع بمئات الآلاف في 17 تشرين ثاني 2018 ولمدة 33 أسبوعا، فقط لأن قيمة الضرائب على الوقود ارتفعت، وبالتالي تأثرت قليلا جيوب الطبقتين العاملة والمتوسطة لمصلحة الطبقة الغنية، فأرغموا الحكومة على التراجع عن قراراتها، وجالَ الرئيس الفرنسي في كل أرجاء فرنسا في إطار حوار عام مع أبناء الشعب الفرنسي كي يصغي إليهم ويرضيهم.. وتعاملت الشرطة الفرنسية مع الاحتجاجات بمنتهى الحرفية ولم تطلق الرصاص الحي على متظاهر واحد.. بينما في العراق، للأسف، لجأوا لإطلاق الرصاص الحي وكأن الناس وحوشا برِّية وليست بشرا..
لا يحق للطبقة الحاكمة في العراق أن يلوموا الشعب الذي انفجر في الشوارع في غالبية المدن العراقية، وإنما عليهم أن يلوموا أنفسهم لأنهم التهوا بألاعيب السياسة والمناورات السياسية وكيفية الحفاظ على المكاسب والكراسي والوجاهة، وكيفية تكديس الثروات، وابتعدوا عن قضايا الفقراء وهمومهم ومعاناتهم..
الفقر والفساد في السودان، فضلا عن الاستبداد، دفع بالجماهير السودانية إلى الشوارع، وكانت النتيجة ثورة على الحُكم السابق وإيداع رموزه في السجون قيد المحاكمة، والرئيس البشير الذي كان يبدو مسكينا تبيّن أن في بيته أكياسا من عشرات ملايين الدولارات، بينما أوصل الشعب السوداني إلى مرحلة بات فيها عاجزا عن شراء رغيف الخبز، رغم أن السودان من أغنى البلدان، ولكن الفساد رمى بشعبه في غياهب الفقر والحرمان..
في الجزائر كانت ذات الصورة، الفقر والفساد، فضلا عن الاستبداد، مما دفع بعشرات الآلاف للنزول إلى الشوارع كل أسبوع حتى استقال الرئيس بو تفليقة، وتمّ زج كبار الشخصيات المتهمة بالفساد بالسجن، وعلى رأسهم شقيق الرئيس بو تفليقة.. ولا ننسى أيضا أن الجزائر بلدا غنيا جدا جدا، ولكن الفساد أفقرَ شعبهُ وحرمه من التنعُّم بثروات بلاده..
رئيس الفيلبين “رودريجو دوترتي” اقترح طريقة جديدة لمكافحة الفساد في بلاده الفقيرة، وهي إطلاق النار على أقدام المسؤولين الفاسدين دون قتلهم، لتجنُّب السجن لاحقا..
الصورة اليوم في العراق والسودان والجزائر سبقتهم إليها صورة الجماهير في تونس ومصر وليبيا واليمن وهي تنزل للشوارع بعشرات الآلاف احتجاجا على الفقر والفساد، فضلا عن الاستبداد.. فمن هُم الذين أوصلوا تلك الشعوب لتنفجر بالشوارع؟. هل كانت هواية أم كانت هناك أسبابا موضوعية جدا دفعتهم لذلك!.
بائع الخضار الفقير في قرية بعيدة جنوب العاصمة تونس(بو عزيزي) الذي أشعل النار في نفسه، أشعل بعدها شوارع تونس بالمظاهرات وكانت النتيجة الإطاحة بالنظام بكامله..
ما يحصل في العراق من مظاهرات ليس بجديد، فقد سبق وتظاهر العراقيون في الجنوب لذات الأسباب وهي الفساد والحاجة للخدمات الأساسية، والسلطات العراقية لم تعتبر من تلك المظاهرات، ولهذا فقد اتّسعت رقعتها هذه المرة وانتقلت إلى محافظات أخرى غير محافظات الجنوب..
ما حصل في العراق بالأمس واليوم لا يمكن معالجته بالوسائل الأمنية، وباستخدام القوة والعنف في وجه المتظاهرين، فالعنف لا يولِّد إلا العنف، كما ردّد احد المتظاهرين.. ولا يُعالجُ بتوجيه الاتهامات لهذه الجهة أو تلك من أنها تقف وراء المظاهرات.. إن الأمر يحتاج إلى معالجات جوهرية وحاسمة ، وهذه تنطبق على كل دولة غارقة بالفساد والفقر والصعوبات المعيشية، وأولها :
ــ تلبية مطالب الفقراء المعيشية بلا مماطلة أو تأخير..
ــ الضرب بيد من حديد على الفاسدين منذ الاحتلال الأمريكي للعراق وحتى اليوم، ومصادرة أموالهم وإعادتها إلى خزينة الدولة، أي إلى الشعب..
ــ تطبيق القانون على الكبير والصغير، وتحقيق مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص، حتى يشعر كل مواطن عراقي بأنه ليس غريبا في وطنه وأن الجميع متساوٍ بالمواطَنة، ليس فقط بالكلام الفارغ وإنما من حيث تكافؤ الفرص واحترام الكفاءات والمؤهلات العلمية والخبرات في التوظيف بالدولة، وأن لا يبقى الأمر رهينة للواسطات والمحسوبيات والسمسرات والرشاوى..
ــ وقف الهدر بالدولة، والتقليل من امتيازات المسؤولين، وخلق فرص عمل للعاطلين عن العمل، وإعطاء تعويض بطالة لمن لا عمل لهم يوفر لهم أدنى حدود المعيشة ريثما يتوفر لهم العمل، حتى لا يُرمَون بالشوارع وينحرفون باتجاه السلوكيات الخطيرة على المجتمع..
ــ تغيير المناصب كل أربع سنوات من مستوى رئيس وزراء وما دون، لأن الالتصاق طويلا بالكراسي يؤدي إلى احتكار السُلطة والنفوذ، وإلى البيروقراطية والفساد والغرور والتعالي على عموم أبناء الشعب، ويُحوِّل المؤسسات إلى مزارِع وإقطاعيات للقائمين عليها، ويخلق طبقة حُكام وطبقة محكومين دون أدنى تطبيق لمبدأ تكافؤ الفُرص والتساوي بالمواطَنة..
التغيير الدائم، وكل أربع سنوات، من أهم الضروريات، وإلا تصبح المؤسسات كما الأحواض ذات المياه الراكدة، فسوف تنبعث روائحها الكريهة في كل الاتجاهات وتنمو فيها كل أشكال الطحالب والبكتيريا والحشرات والزواحف، والأعشاب الضارّة..
يقول جون آكتون، رئيس وزراء نابولي في القرن التاسع عشر، وهو القرن الذي ازدهرت فيه السياسات الاستعمارية الأوروبية وسطوة القوة العسكرية وسُلطان الترهيب والتخويف، يقول:(السُلطة مفسَدة والسُلطة المُطلقة مفسَدة مُطلَقة) .. ومن هنا تأتي الحاجة المُلِحّة للتغيير في المناصب كل أربع سنوات من منصب رئيس وزراء وما دون، فهؤلاء حتى لو جاؤوا بانتخابات فإن انتخابهم يكون فقط لأربع سنوات ويجب أن يتغيّروا سواء (رئيس وزراء، وزير، محافظ ، سفير، مدير عام، مدير مؤسسة تعليمية أو تربوية أو إنتاجية أو حزبية .. الخ..) .. فلا يُعقَل أن تصبح المناصب وظيفة دائمة للبعض في أي مكان بالعالم.. هكذا تصبح الدول مزارِع وإقطاعيات..
الفساد مرض خطير وخبيث جدا، وإذا ما سرى في جسد الدولة فإنه يدمرها كما السرطان حينما يسري في جسم الإنسان.. وإذا ما سرى في المجتمع فإنه يدمرهُ ويدمر فيه كل القيم والأخلاق والمنظومة الاجتماعية .. ودمار الأخلاق هي المقدمة لانهيار الدول والمجتمعات..
ولذا كان توصيف السيد الرئيس بشار الأسد للإرهاب خلال اجتماعه بالحكومة يوم 29 /11 /2018 ، من أن : (الفساد والإرهاب وجهان لعملة واحدة) كان توصيفا في مكانه تماما ..
فالفاسد لا يختلف عن الإرهابي، ولكن كلٍّ يُدمِّر على طريقته.. بل الفاسد إذا كان في موقع مهم وفاقد للضمير فقد يخرِّب أكثر من الإرهابي.. وهذا كان موضوع مقال قديم لي بعنوان: (ما الفرق بأي وطن بين المجرم الذي يغتال الكفاءات وبين المسؤول الذي يُقصي الكفاءات؟).. طبعا لا فرق..
إنا نحب العراق من كل قلوبنا.. هذه كانت الجملة التي قلتها للسيد نوري المالكي حينما أصبح رئيسا للوزراء عام 2006 وقام بجولة خليجية شملت أبو ظبي، وهناك التقى برؤساء البعثات الدبلوماسية العربية في قصر الإمارات، وكنتُ حينها رئيس البعثة السورية، فوجّه تُهما غير مباشرة بحق سورية ولكنها مفهومة، فرددتُ عليه بمداخلة لبضعِ دقائق، وقلت له أخيرا إنّا نحب العراق، فقال: ولكن أحِبوهُ من كل قلوبكم.. فقلتُ له : نعم نحن نحبه من كل قلوبنا…
ونعم، ما زلنا نحبه من كل قلوبنا، ولهذا نتمنى له الانتصار على الإرهاب، وتسود فيه دولة القانون والمؤسسات والعدالة وتكافؤ الفرص، ويُقضَى على الفساد والفاسدين الذين هم الوجه الآخر للإرهاب..
كاتب سوري ووزير مفوض دبلوماسي سابق
2019-10-06