الفاسدون والمفسدون!
باسل قس نصر الله.
هل يريدوننا اليوم أن نصدِّق أن الفاسدين أصبحوا الآن ضد الفساد، وأنهم تحولوا بقدرة قادر إلى “الأم تيريزا”!
يُناقش العديد من الناس محاور إعادة البناء. وأنا أتابع، بدوري، هذه المناقشات التي تدور في الساحة السورية، والتي تسأل عن كيفية الإعمار ومستقبله وطرقه، مروراً بهيكليته وأسسهِ وأركانهِ ومستوياته، وغيرها الكثير من الصفات التي نُلحق بها كلمة الإعمار، ونُقيم الندوات حولها، مؤكدين أن الأمر يلزمه التلاحم بين فئات الشعب، ناهيك بالتلاصق والتعانق والانصهار والتلاقي، وطاولات الحوار التي تتراوح بين إعمار البنية التحتية وإعادة الإعمار الاقتصادي والسياحي والزراعي ورعي الماشية وغيرها، حتى نصل إلى إعادة هيكلية الرقص الشعبي، وننسى أو نتناسى عملية مهمة لكي نبني مجتمعنا السوري بعد سنواتٍ تجاوزت العشرة، ألا وهي “الفساد”.
لا تستغربوا كثرة هذه الندوات والطاولات، فكلمات مثل إعادة الإعمار والأزمة ومحاربة الفساد، أصبحت كلمات مغرية للكثيرين مِمَن يَدَّعون محاولة وضع قدراتهم الخارقة – أين منها “غريندايزر” و”سوبرمان” أيام زمان! – ونظرتهم الاستراتيجية البعيدة المدى في خدمة المواطن. ولكي تكتسب كلماتهم المصداقية، يؤطرون كل ذلك في غطاءٍ من القلانس والعمائم.
أضحك من أولئك الذين كانوا رموزاً للرشاوى والسرقات والصفقات، أبناء الدعة والسعة والرفاهية، والذين كانوا تماثيل ناطقة باسم الفساد الأنيق، وتحوَّلوا إلى رموز للمال ورموز اجتماعية أو خيرية. لا يكفي أن يقف أحد ما بإجلالٍ للاستماع إلى النشيد الوطني ليصبح رمزاً من رموز الوطنية، بينما فساده وإفساده، من أجل مصالحه الخاصة، أوجدا الثغرات والأبواق التي ساهمت في ما وصلنا إليه اليوم.
والآن، يأتي بوقار ليطرح نفسه مصلحاً، ويتغطّى بقلنسواتٍ وعمائمٍ كان يقدم لها المال. الفساد الحالي يأتينا بصورة جديدة. إنه الفساد الخيري والفساد الوقور، على شكل موظف كبير في دائرةٍ، لباسه الوقار والهدوء، وأحذيته من “ريد شوز”، وقمصانه من “كالفن”، وربطة عنقه من “بيير كاردان”، ولباسه الرسمي من “إيف سان لوران”… ينظر الناس إليه وكأنه نور أو ملاك، ثم نعلم أنّه فاسد، وأنه سَرق وارتشى وباع واشترى.
هل يريدوننا اليوم أن نصدِّق أن الفاسدين أصبحوا الآن ضد الفساد، وأنهم تحولوا بقدرة قادر إلى “الأم تيريزا”! وهم يتوارون خلف أسماء بعض علماء الدين الإسلامي والمسيحي. وفي بعض الأحيان، يغدو هؤلاء العلماء شركاء لهم.
بعض هؤلاء الفاسدين انتقلوا من بيئة بسيطة إلى منزل للعائلة ومزرعة، وباتوا يدرسون في جامعات خاصة، وإلى جانبهم دوماً نرجيلتهم؛ الصديقة الحميمة التي تشاركهم راحتهم وجلستهم.
إنَّهم فاسدون أخلاقياً قبل فسادهم المالي. ببزاتهم الأنيقة، وشعرهم المصبوغ، وسياراتهم الفارهة، “الخاصة أو الحكومية”، والتمارين الرياضية التي يواظبون عليها للمحافظة على كمال أجسامهم، وابتساماتهم، وتسلّقهم، ووقارهم المصطنع… كل ذلك كان “البرستيج” الذي يتخفّون خلفه.
يلعبون لعبة الطائفيّة لأنّها حصن الفساد والإفساد في المجتمع. يقدّمون الهدايا للمساجد والكنائس، ليتسلَّقوا من خلالها مناصب تتيح لهم المزيد من الفساد. يسرقون ثم يوزعون فتات موائدهم على “الدراويش والغلابى”. يصبح البعض منهم مديرين، وأدنى أو أعلى، ويزداد الفساد بارتقائهم المناصب، ثم يحاولون أن يظهروا بمظهر المصلح والمفكّر والمخلّص لسوريا. ولولاهم، لما وصل البلد إلى ما وصل إليه.
نحن مع الإصلاح، ومن داخل هيكلية الدولة حتماً، ولكن من دون هؤلاء المتسلّقين والفاسدين أخلاقياً ومفسديهم.
2021-05-27