علي رهيف الربيعي . وكان ابو الحسن علي بن نافع الملقب بزرياب اعظم المغنين الذين هاجروا من بغداد الى الأندلس . ونشروا فنونهم فيها أمثال علون وترقون . وكان زرياب مولى للمهدي ، ولسواد لونه وحلاوة شمائله لقبوه بزرياب تشبها له بطائر اسود حلو التغريد يعرف عندهم بهذا الاسم . وقد تتلمذ زرياب لاسحق بن ابراهيم الموصلي ببغداد وأخذ عنه أصول الغناء وتعلم منه دقائق الفن . واشتهر بقوة حافظته وقيل انه كان يحفظ اكثر من الف أغنية بالحانها . وحمل زرياب رسالة الفن وجمع الأغاني التي انتشرت في العصر العباسي ونقلها الى بلاد الأندلس حيث التحق بالحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل ونشرها في البلاط الأندلسي . ومن مآثره الفنية انه ادخل على أوتار العود الأربعة وترا خامسا فأكتسب بذلك عوده ألطف معنى وأكمل فائدة . وفوق هذا فقد أسس في غرناطة مدرسة لتعليم الموسيقى ، وتخرج فيها عدد غير قليل من العلماء الذين استطاعوا ان يرفعوا مستوى الموسيقى الأندلسية . ويقول ابن خلدون عند ذكره زريابا ( فاورث بالأندلس ما تناقلوه الى أزمان الطوائف ، وطما منها بإشبيلية بحر زاخر وتناقل منها بعد ذهاب غضارتها الى بلاد المغرب وافريقية ) وقال المقري ان أهل الأندلس وصفوا زريابا لظروفه و وطيب محادثته ولطف معشره بأنه ( معلم الناس المرؤة ) ! ومن الفنانات اللواتي تألق نجمهن في سماء الأندلس ( ولادة ) بنت الخليفة المستكفي بالله ، فكانت شاعرة ومغنية ، وترفعت عن الزواج مع الغنى الواسع والمال الكثير ، وانقطعت للفن وعاشت للغنا والأدب والموسيقى تلقي على مسمع الدنيا خلجات قلبها ، وتملأ الأجواء بأناشيد الحس المرهف ، والمزاج الرقيق ، والأنوثة الشاعرة ، وكانت في مكانتها من الأندلس وفي قصر الخلافة بقرطبة أشبه بعلية بنت المهدي في بغداد ، وظلت ولادة تنعم في ظلال الفن حتى وافاها الأجل سنة ١٠٩١ م . وفي جو غرناطة بالذات ذلك الجو الرغد الهنئ نشأ الشعر الغنائي ، وولدت ألحان ناعمة وتطورت الى موشحات واشتهرت بما يسمى الموشحات الأندلسية وهي التي لم يستطع التجديد العصري حتى الآن ان يأتي بما يشبهها من حيث التأثير البليغ ، ويشترك في ادائها فريق من المنشدين او الموسيقيين بآلاتهم دون اانشاد وترجع الى أصول موزاربية Mozarabic نسبة الى العرب في اسبانيا في القرون الوسطى . وهي قريبة جدا من ( السيمفوني ) الحديثة . وممن اشتغلوا في الموسيقى في ارجاء الأندلس وكتبوا فيها واجادوا : ابن فرناس ، والمجريطي ( المتوفي ١٠٠٧ ) والكرماني ، وابن رشد ( المتوفي ١١٩٨ ) ، وابن السبعين ، وممن برعوا في التوشيح ابو بكر محمد بن يحيى الصائغ المعروف بابن باجه وهو من اعلام المتمرسين بصناعة الطب ، وله القدح المعلى في الفلسفة ، وقد شرح كتب ( أرسطو ) وعلق عليها ، وكان مع ذلك متقنا لصناعة الموسيقى ، جيد اللعب بالعود ، متميزا في العربية والأدب . وَمِمَّا يروى عنه انه حضر مجلس أمير ( سرقسطة ) ، وألقى الى إحدى القيان موشحة له يمدح بها الامير ، فلما أنشدتها القينة اهتز الأمير وصاح : واطراباه ! ثم شق ثيابه وقال لابن باجه : ما أحسن ما بدأت وما ختمت … وأخذته نشوة الطرب ، فأقسم بالايمان المغلظة : لا يمشي ابن باجه الى داره إلا على الذهب ! وكان مأزق .. وخاف الحكيم الفيلسوف سوء العاقبة إن نفذت إرادة الأمير ، فاحتال لذلك ، بأن جعل ذهبا في نعله ، ومشى عليها الى داره . وبهذا برت إيمان الأمير ، وخلص الحكيم من المأزق ! . واشتهرت إشبيلية بنوع خاص من الرقص الأندلسي يصحبه توقيع جميل منظم على الصناجات وشاعت هذه الرقصات في اسبانيا وافريقية الشمالية ، ثم نقلها الإسبان بدورهم الى أمريكا الجنوبية وهي بالرغم مما طرأ عليها من تغيير ، وما داخلها من تحوير ، على تعاقب السنين والأجيال ، فما زالت توصف بأنها أندلسية ، وتحتفظ بطابعها الشرقي من حيث التركيب والوزن ، وتبدو فيها الألحان العربية واضحة وجلية حتى وقتنا الحاضر . 2020/06/08