الغضب…!
مهدى مصطفى
شرط السلام فى العالم هو وجود دولة فلسطينية. شرط لا يمكن للعرب أن يتخطوه، وعلى الغرب، صانع الكارثة، أن يفهم رسالة الغضب، وعلى الفلسطينى الجديد أن يدرك هذه الحقيقة قبل فوات الأوان، فى زمن يشهد فيه الشرق الأوسط تحولات دراماتيكية، بات من الضرورى أن تتوحد الصفوف وتتلاقى الإرادات لتكون القيادة الواحدة النواة التى يقود منها النضال الحقيقي، بعيدًا عن الفصائل والمليشيات، فالوقت جدّ خطير، والمواقف الحاسمة هى السبيل الوحيد لاستعادة الحقوق وإنهاء المظالم التاريخية.
قمة القاهرة العربية لم تكن عادية، كانت إعلانًا بأن الزمن يتغير، وأن العدالة لم تعد لعبة مخصصة لقلة من المتحالفين.
أرسلت القمة رسالة قوية تفيد بأن العرب، الذين حملوا أوزار أوروبا ثم أمريكا، لن يكونوا وقودًا لمخطط آخر بعد الآن.
كانت القمة بمثابة صرخة من قلب الأمة، تحثّ على الوحدة وتصعيد المقاومة فى مواجهة السياسات المجحفة والظالمة.
أوروبا صنعت المسألة اليهودية منذ زمن بعيد، اضطهدت اليهود، قتلتهم، حاصرتهم فى جيتوهات باردة، ثم حين انفجر غضبهم، لم تجد حلًا سوى نفيهم إلى أراضينا.
أوروبا التى اعتادت أن تتلاعب بالتاريخ من أجل مصالحها، حملت على عاتقها عبء الظلم؛ فقد كانت فلسطين شاهدة صامتة على جرائم لم تُرتَكب على أرضها، لكنها دفعت الثمن الباهظ. أنشأتم كيانًا مسلّحًا فوق أراضينا وجعلتموه حارسًا لمصالحكم، مستغلين التاريخ الميت كذريعة للتدخل فى الحاضر العربي.
ثم جاءت أمريكا وواصلت اللعبة بأسلوبها المعتاد، وترامب لم يكن الرئيس الأمريكى الأول، لكنه كان الأكثر شراسة فى استخدام دبلوماسية القوة، يرفع راية القوة بلا ممانعة، ويفرض صفقات دبلوماسية غاشمة، يهاجم كندا والمكسيك بخطط نارية، ويستحوذ على جرينلاند دون تردد، يتلاعب بالحليف الأوكراني، وكأنها قطع على رقعة الشطرنج العالمية، يهدد، ويلوّح بالعقوبات، ثم حين يحتاج الأمر، سيرسل الطائرات والصواريخ لتنفيذ مشاريعه التى لا ترحم الشعوب.
فلسطين، فى هذه اللعبة الدولية، كانت مسرحًا لتجربة أمريكية مختلفة، أطلقت يد إسرائيل على أرضها بقسوة، منحتها كل شيء دون تردد، ونقلت السفارة الأمريكية إلى القدس كعلامة على تبدل الموازين. قطعت المساعدات، واعترفت بالمستوطنات على حين غرة، ثم جاء بصفقة القرن؛ صفقة إذعان أُعلنت دون مراعاة لحقوق الشعب. أعلن عن خطة لتهجير فلسطينيى غزة والاستيلاء على القطاع، وكأن الشعب الفلسطينى مجرد رهينة لتاريخ لا يُغتفر.
يقول ترامب للعرب: «خذوا الفتات، أو انتظروا المزيد من الحصار» لكن قمة القاهرة وضعت له الرد القاطع: «لا» العرب، لأول مرة منذ عقود، أدركوا أن البيانات لم تعد تكفى وأن لغة الاستجداء لم تعد تُجدي. فقد تحوّل الغضب القديم إلى قوة دافعة، وسيتحول قريبًا إلى فعل جاد يحمل فى طياته إرث التحدي.
إسرائيل ستفهم الرسالة، وأوروبا المرتبكة ستلتقط الإشارة، وأمريكا، العظمى التى طالما اعتادت أن تفرض قوانينها، ستدرك أن الحسابات تتغير فى زمن الوحدة العربية.
لم يكن كلامًا عابرًا حين أعلن العرب: «نحن من نقرر شكل الشرق الأوسط، لا واشنطن ولا تل أبيب» ولن يكون تهديدًا حين تُغلق المنافذ أمام المصالح الغربية، كما أن الشعار لن يظل فارغًا حين يبدأ الحديث عن تحالفات جديدة خارج المدار الأمريكي.
الغضب العربي، الذى طال قمعه، ينفجر أخيرًا، لم يعد مجرد حالة عاطفية متطايرة، بل أصبح موقفًا سياسيًا واضحًا، ومعادلة جديدة ستعيد تشكيل معالم النظام الدولي. والعالم، على غير عادته، بدأ يُنصت، وسينصت حين يتحول هذا الغضب إلى قوة تغيير حقيقية، تعيد للحق مكانه، وتضع حدًا للمأساة، حتى لو سارعت أمريكا وإسرائيل بالرفض، فالغد ليس ملكا لهما، فالغد سيحمل رياحا مختلفة للمسألة اليهودية، إذا ما واصلت هذه اللعبة الخطيرة.
2025-03-14