العودة الى القبيلة في التمثيل السياسي في العراق بين ضعف الدولة وشيخوخة الأحزاب وحياد المؤسسة الدينية!
د. حميد مسلم الطرفي
شهد العراق منذ سقوط النظام الديكتاتوري عام 2003م ستة انتخابات نيابية ،2005،2006،2010،2014،2018،2021 وأربعة انتخابات محلية في 2005،2009،2013 وها نحن على أبواب الانتخابات الرابعة للمجالس المحلية المزمع اجراؤها في كانون الأول من هذا العام ، والمتابع لنتائج هذه الانتخابات بدوراتها السابقة يرى بوضوح تغير مساراتها وطبيعة الأشخاص المنتخبين فيها بين انتخابات وأخرى في حين كانت الدورة الأولى (الجمعية الوطنية) -والتي كلفت بإعداد الدستور الدائم – تجمع بين الأحزاب الاسلامية وعدد من المستقلين ومنهم رجال دين ، والأحزاب العلمانية ، كانت الدورة الثانية في 2006م دورة ذات تمثيل حزبي بامتياز ، إذ انحسر دور المستقلين ، وان وجدوا فهم ضمن القوائم الحزبية ، حيث تمسك كل حزب بكادره من أيام المعارضة أو بعد 2003م، أو مناصروهم من المستقلين ، وقبل انتخابات 2010م بدأت الخلافات تدب بين التحالفات السابقة فحاول البعض استقطاب المثابات العشائرية من جهة ، والتأسي بظاهرة الصحوات في المناطق الساخنة ، فكان تأسيس ما عرف بمجالس الإسناد والتي تتكون من زعامات العشائر في الوسط والجنوب ، كما تم تفعيل لجنة العشائر في مجلس النواب ، وتبنت وزارة الداخلية من جانبها تفعيل مديرية العشائر في المحافظات ، وحصلت ردود فعل سلبية من بعض الأحزاب واعترضت على هذه الخطوات كونها لا تصب في المصلحة الوطنية وان الهدف من ورائها هو تغيير ولاءات العشائر باتجاه حزب او ائتلاف معين، الا ان ذلك جوبه بالرفض من قبل المؤيدين مدعين ان مجالس الاسناد هي لخدمة الامن والاستقرار وتفعيل دور المصالحة الوطنية .
لقد عاد الدور من جديد للزعامات القبلية تحت ظل تراجع سلطة الدولة والقانون ، وانحسار تأثير الأحزاب السياسية وظهور الاخفاقات الكبيرة والكثيرة بشأن العفة عن أموال الدولة وعدم القدرة على توحيد الرؤى والأفكار ضمن مشروع دولة ناجحة بمقاييس الحكم الرشيد ٫ مما أصاب المواطن بإحباط شديد ، نجم عنه العزوف عن تأييد هذه الأحزاب فضلاً عن الانتماء اليها ، وبالتالي العزوف عن المشاركة في الانتخابات ، بعدها جاء الموقف الصادم للكتل السياسية من قبل المرجعية الدينية ، بوقوفها على مسافة واحدة من جميع القوائم والكتل السياسية من جهة وغلق أبوابها أمام المسؤولين السياسيين من جهة أخرى ، فاضطرت جميع الكتل السياسية أن تتوجه صوب القبيلة وزعاماتها ، فأسست مكاتب عشائرية لها ضمن هيكليتها ثم بدأت تختار شيوخ القبائل أو اخوانهم أو ابناءهم أو من يختارونهم لكي يمثلوهم في مجلس النواب او مجالس المحافظات .
إن استمرار تنحي المثابات الدينية عن دعم العناصر النزيهة والنظيفة والخيّرة ، واستمرار انكفاء الأحزاب عن واجباتها الرئيسية في بناء قواعد جماهيرية مثقفة ومدنية وواعية واستمرار ضعف الدولة في بسط القانون وفرض هيبتها على الجميع كل ذلك سيزيد من ظاهرة الحكم القبلي واللجوء إلى العشيرة في الميدانَيْن الشعبي والحكومي، ومخاطر ذلك كبيرة على الدولة والمجتمع ، فكما نهى فقهاء السياسة عن الجمع بين التجارة والإمارة كي لا يتحول الأمير إلى راعٍ لتجارته وينسى شؤون رعيته ، فكذلك تحوّلُ زعيم القبيلة إلى أمير يعني العودة الى النزاعات القبلية والثقافة القبلية والإدارة القبلية التي تخطاها العالم المتحضر منذ عهد طويل .
2023-10-01