العلاقات الدولية وحسن الجوار!
زهير عبدالرحمن الجلبي
عندما تُبنى العلاقات بين الدول المتجاورة على أسس متينة من المصالح المتوازنة والاحترام المتبادل، تعيش شعوبها بأمن وسلام، ويصبح من الصعب على أي دولة، عظمى كانت أم صغرى، أن تصنع شرخاً أو تقاطعاً بينها.
تركيا وإيران مثال واضح على ذلك.
عام 2003 حاولت الولايات المتحدة الدخول إلى العراق عبر الأراضي التركية واستخدام القواعد الجوية لدعم قواتها البرية، لكن تركيا رفضت. وكنت شخصياً أتوقع ذلك، وأعرف جانباً من أسبابه؛ فتركيا تدرك أن الجغرافيا لا تتغير، وأن العراق سيبقى جاراً، ولا تريد أن يُسجل في تاريخها أنها ساهمت في إسقاط نظام واحتلال دولة مجاورة.
وكذلك الأمر مع إيران. فعلى الرغم من الحصار والحروب والضغوط الأمريكية، ورغم عضوية تركيا في حلف الناتو، لم تنجرّ أنقرة إلى معاداة إيران أو المشاركة في استهدافها.
وأخيراً حاول ترامب دق إسفين بين الجارين، لكنه لم ينجح. حتى في ملف المفاوضات، حين طُرح أن تكون أنقرة مكاناً للاجتماعات، وطلبت إيران نقلها إلى سلطنة عُمان، لم تتحول المسألة إلى أزمة أو حساسية مع تركيا، لأن الدول التي تفهم مصالحها الحقيقية تعرف كيف تفصل بين التفاصيل العابرة والعلاقة الاستراتيجية الدائمة.
أما العراق، ومع الأسف، فقد كان وضعه مختلفاً.
فبعض دول جواره العربي جعلت أراضيها ومواقفها، في مراحل مختلفة، جزءاً من مشاريع أضرت بالعراق وساهمت في إضعافه وتمزيق نسيجه الاجتماعي والاقتصادي وجعل أمنه هشاً.
وما زالت سياسات التآمر والتدخل مستمرة بعيداً عن مبادئ حسن الجوار والمصالح المشتركة.
إيران وتركيا تختلفان في السياسة والمصالح، وتتعارضان في ملفات عديدة، لكنهما لم تنسيا حقيقة واحدة: الجغرافيا لا تتغير، والجار لا يمكن استبداله.
أما العراق، فكانت مشكلته مع بعض جيرانه العرب أنهم لم يتعاملوا معه بمنطق الجوار، بل بمنطق الوظيفة والمصلحة الخارجية، ففتحوا أراضيهم وممراتهم ومواقفهم لمشاريع أضعفت العراق وعبثت بأمنه ووحدته.
تركيا وإيران فهمتا أن الخلاف السياسي لا يبرر هدم الجغرافيا، وأن المنافسة لا تعني التحول إلى أدوات بيد الآخرين ضد الجار.
أما البعض، فما زال يتحدث عن الأخوة والعروبة والإسلام، بينما يمارس السياسة بمنطق المؤامرة والتحريض والاستقواء بالأجنبي.
وهنا يكمن الفرق بين دولٍ تفهم معنى الجوار، ودولٍ لم تتعلم بعد أن الجار يبقى… أما الحليف الخارجي فقد يتغير في أول صفقة
2026-09-01