العفو… دليل قوة ومقدرة وسموّ خُلُق!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
ليس العفو ضعفًا كما يظن بعض الناس، ولا تراجعًا عن حق، ولا استسلامًا لإساءة؛ بل هو في جوهره تعبير راقٍ عن قوة داخلية، وثقة بالنفس، وسموّ في الأخلاق. فالإنسان القادر على الانتقام ليس بالضرورة قويًا، أما القادر على العفو عند المقدرة فهو الأقوى.
العفو موقف أخلاقي ينبع من وعيٍ عميق بأن الكراهية تستنزف الروح، وأن التشفي لا يعيد الحق بقدر ما يضاعف الألم. وقد علّمتنا التجارب الإنسانية، في مسارات الأفراد والشعوب، أن التسامح الواعي يفتح أبواب المصالحة، ويؤسس لبيئة أكثر استقرارًا وعدلًا.
ولعلّ تجربة جنوب أفريقيا بعد سقوط نظام الفصل العنصري تمثل نموذجًا تاريخيًا بليغًا في هذا السياق. فقد خرج نلسن مانديلا من سبعةٍ وعشرين عامًا من السجن، لا بروح الانتقام، بل بروح العفو المقترن بالحكمة. لم يدعُ إلى تصفية الحسابات، بل إلى بناء دولة تتسع للجميع. ومن خلال “لجنة الحقيقة والمصالحة”، جرى كشف الانتهاكات والاعتراف بها، لا لزرع الأحقاد، بل لتضميد الجراح وتأسيس مستقبل مشترك. لقد أدرك مانديلا أن الانتقام كان سيقود البلاد إلى حرب أهلية، بينما العفو الواعي القائم على الحقيقة والاعتراف هو الطريق الأقصر نحو الاستقرار والعدالة.
وفي مجتمعاتنا العربية، التي عانت من صراعات سياسية وانقسامات حادة، تبدو الحاجة إلى ثقافة العفو الواعي أكثر إلحاحًا. غير أن هذا العفو لا يمكن أن يكون دعوة للنسيان أو طمس الحقائق، بل ينبغي أن يقترن بمبدأ العدالة والاعتراف بالخطأ وجبر الضرر.
ولعلّ التجربة العراقية بعد عام 2003 تقدم مثالًا مؤلمًا على تعثر مسار العدالة الانتقالية حين يغيب التوازن بين المحاسبة والمصالحة. فقد اختلطت مفاهيم المساءلة بروح الإقصاء أحيانًا، وتقدمت الحسابات السياسية على مشروع المصالحة الوطنية الشاملة، فبقيت جراح الماضي مفتوحة، وتعمّقت الانقسامات بدل أن تلتئم. إن أي مشروع وطني جادّ لا بد أن يقوم على كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة عادلة غير انتقائية، يعقبها عفو مجتمعي مسؤول يطوي صفحة الألم دون أن يمحو دروسها.
إن العفو لا يعني التفريط بالحقوق، ولا إسقاط مبدأ المحاسبة، بل يعني الارتقاء فوق الأذى الشخصي حين يكون العفو مدخلًا للإصلاح، وحين يكون التسامح أسمى من الرد بالمثل. هو قرار أخلاقي حرّ، يصدر عن إنسان يدرك أن قيمته لا تُقاس بردّة فعله، بل بقدرته على التحكم بها.
في زمن تتصاعد فيه النزاعات، وتشتد فيه لغة الإقصاء، يصبح العفو فعلًا حضاريًا، ورسالة قوة، ودليلًا على نضج الفرد والمجتمع. فمن عفا وهو قادر، امتلك نفسه، ومن ملك نفسه، ملك قراره، ومن ملك قراره، ارتقى خُلقًا ومقامًا.
والعفو، في نهاية المطاف، ليس هدية نمنحها للآخرين فحسب، بل هو شجاعة أخلاقية تبني الإنسان، وحكمة سياسية تبني الأوطان.
2026-02-15