العراق أمام منعطف جديد .6!
ابو زيزوم.
التعامل مع المظاهرات..
عادةً يتم التعامل مع المظاهرات بأحد وجهين ؛ إما قمعها او التجاوب معها ، والذي حصل في العراق ان سلكت السلطات كلتا الحالتين وبطريقة مشوهة فكأنها في المحصلة لم تفعل شيئا ، وهو ما يعكس حالة الارتباك التي وقعت فيها . لقد قمعت المظاهرات ثم ضحّت بحكومة عبد المهدي نزولاً عند إرادة المتظاهرين .
قرار القمع كان إذعاناً لقطيعة خطرة مع شرائح اجتماعية واسعة ورأي عام ملتهب . فالذي يأخذه هؤلاء السياسيون على النظام السابق سياسة القمع واذا بهم يرتكسون في ذات السياسة التي يقولون انهم جاؤوا للقضاء عليها . القمع الذي مورس ينطوي على درجة عالية من الخسة ، ليس مواجهة للمتظاهرين كما هو متعارف عليه بالهراوات وخراطيم المياه وانما تتبع للناشطين خارج ساحة التظاهر وخطفهم او تصفيتهم ، علاوة على إطلاق نار محترف من أماكن محصنة على مرأى ومسمع من القوى الأمنية العاجزة عن فعل شيء . فظهر مصطلح ( الطرف الثالث ) على لسان السياسيين أنفسهم كنايةً عن مسلحين مرتبطين بالقوى السياسية النافذة . وطبعا لا تجرؤ الأجهزة الأمنية التقليدية على مواجهتهم او اتخاذ اجراء بحقهم . ولا تجرؤ لجان التحقيق التي شكلها رئيس الوزراء على تسميتهم . فاكتفي بالتحدث عن المندسين والطرف الثالث .
كانت الولايات المتحدة تراقب الموقف عن كثب وتسلط الاعلام المرتبط بها على الأحداث ، ومن المؤكد ان تنشط اجهزتها الاستخبارية لشد ازر المتظاهرين المنتفضين على حكومة متحالفة مع ايران ، وتدعو بشكل متصاعد الى حماية حق التظاهر والتعبير عن الرأي واحترام ( حقوق الانسان ) . والى جانب ذلك كانت السفارة الامريكية تتواصل بصورة نشطة مع أعضاء البرلمان من خلال اللقاءات المباشرة والاتصالات الهاتفية حتى بات إرسال الرسائل النصية اليهم عرفا شائعا .
إعتقد الامريكان ان الوقت بات مناسبا للإقدام على خطوة تصعيدية كبيرة فقاموا باستهداف سليماني والمهندس ، وهي الخطوة التي أُريدَ بها الاجهاز على الحكومة العراقية الضعيفة . وفي نفس الوقت أجهزت تلك الخطوة على المظاهرات وبات العراق امام واقع جديد . والحقيقة ان العلاقة بين الامريكان والنظام السياسي في العراق لم تتصف بالشفافية في اي مرحلة من مراحلها . لقد دخل الطرفان العراق يداً بيد عام 2003 وتحدثوا كثيرا عن عراق جديد حر وديمقراطي ومزدهر ، وأغدقوا وعوداً لم يتحقق منها شيء ، فبعد سبعة عشر عاما من التصرف بميزانيات خيالية لم يتم توفير الكهرباء ، وقس على ذلك في القطاعات الاخرى وجميعها بلا استثناء تتخبط في مستنقع الفشل .
جاءت جلسة البرلمان للتصويت على اخراج القوات الامريكية بمثابة ناقوس خطر ، فرغم ان استهداف سليماني والمهندس احدث ردود فعل قوية داخل العراق لم يتمكن حلفاء ايران من جمع النصاب لجلسة البرلمان رغم ان الكتلتين الرئيسيتين متحمستان لعقد الجلسة ، فالتأمت الجلسة بدون نصاب قانوني وصُوّت على القرار . وهذا يشير الى ان قادة ( الفتح ) كانوا يتكئون على دعامة واهية . فالقوى التي انخرطت في تحالف الفتح بعد الانتخابات تضمر غير ما تعلن ، وكان قادة الفتح مخدوعين . وأدركوا بعد تلك الجلسة تحديدا انهم في موقف ضعف لكن الوقت اصبح متأخراً على التصحيح . وانطلاقاً من هذا الضعف تم التخلي عن حكومة عبد المهدي ، والخطة البديلة هي التسويف لإطالة عمر حكومة تصريف الاعمال ، الا ان الأمور لم تعد تحت السيطرة ، فرئيس الجمهورية لا يؤتمن وقد يستخدم صلاحيته الوحيدة لتفجير الوضع بتكليف رئيس وزراء من خارج التوافقات . هنا وجد تحالف الفتح نفسه مرغما على التنازل الأكبر منذ عام 2005 وهو القبول بمرشح غير إسلامي لرئاسة الوزراء . _____ يتبع
( ابو زيزوم _ 862 )
2020-05-20