العراق أمام منعطف جديد .ج2!
ابو زيزوم .
نظرتان الى دماء الشهداء ..
وانت ترى الكم المرعب لصور الشهداء على اسيجة الزوراء وما حولها من الجدران العامة في الكرخ تدرك بفجيعة حجم التضحيات التي قدمها العراقيون في حربهم مع الارهاب . لم يكن أولئك الشبان الراحلون يؤدون خدمة إلزامية ، ولم يكن المتراجع منهم يُعدم ميدانياً ، ولم يكن بعضهم يستلم راتباً ، كانوا متطوعين يتسابقون الى حياض الموت بصدور عارية من الحسابات السياسية والمكاسب المادية . فاستشهدوا ، والذين كتبت لهم الحياة عادوا الى ما كانوا فيه مكتفين بالنصر وساماً معنوياً . فكيف شوهدت وحُسبت دماؤهم ؟ الآباء وهم يدفعون فلذات أكبادهم الى ميادين الحرب المستعرة كان هاجسهم الدفاع عن وطن وشرف وكرامة . كانت النخوة تغلي في عروقهم وتسترخص الثمن المبذول . لم يضعوا نصب أعينهم حماية كراسي الحكام ومطامح الأحزاب ومغانم تجار السياسة الفاسدين . وعندما يتحقق الانتصار لهم ان يطالبوا الوطن بحقوقهم المشروعة فيه ككل شعب تعالى في الشدة . اما السياسيون الذين تناوبوا على تلاوة الخطابات والبيانات طوال سنوات الحرب فقد انتابهم احساس القادة المنتصرين بعد ان تضع الحرب أوزارها وتحتشد الأمة لإستقبالهم بالزغاريد وأكاليل الغار . شعروا ان تسابق المقاتلين على الموت فيما هم داخل القنوات التلفزيونية ما هو الا تفويض شعبي لهم كي يفعلوا ما يشاؤون ، ففعلوا ما شاؤوا وهو الاستمرار بما كانوا يفعلون منذ ان صاروا حكاما .
كان السادات ضعيفا قبل حرب تشرين ، لا يجرؤ على التفريط بكلمة من الشعارات التي أورثه إياها عبد الناصر . كان ينوي التنازل عنها جميعا لكنه عاجز . فلما خاض الحرب إعتبر دماء المصريين على ضفاف القناة تفويضا له كي ينتهك جميع المبادىء التي آمن بها شعبه وضحى في سبيلها جنوده ، فزار اسرائيل وتنازل عن فلسطين وحوّل بلاده العظيمة الى تابع لإعدائها . كذلك تماما ساسة العراق غمرهم احساس عميق بالطمأنينة على استقرار الوضع الشاذ الذي يعمهون فيه . لم يخطر على وجدانهم ان هذا الشعب الذي قدم التضحيات يقاسي الأمرّين وينتظر بفارغ الصبر ان يهنأ بحقوقه الطبيعية من خيرات بلاده كشعب قاتل من اجل كبريائه وانتصر .
في عالمنا شعوب تعاني شظف العيش اكثر مما نعاني لكنها لا تفكر في التذمر والاحتجاج لإدراكها ان أوطانها فقيرة ولا مجال لحصولها على حياة أفضل من المتحقق لها . ولم يكن حال العراقيين مثلها . العراقيون يعون مقدار غنى بلادهم ، ومستوى الرفاه الذي سينعمون به لو أديرت شؤونهم بشكل صحيح . ويسمعون كل يوم الأرقام الفلكية لمقادير السرقات التي يقترفها لصوص السياسة ، تذاع امام اعينهم بالوثائق الدامغة من غير ان يلقى الحساب سياسي واحد . ولقد صوتوا في اول انتخابات بعد الانتصار للقوى إياها التي كانت على رأس السلطة خلال الحرب على أمل ان تكافىء تضحياتهم بالعدل والإنصاف . وانتظروا شهوراً حتى تشكلت الحكومة الجديدة وأمهلوها عاما كاملا لتنظر في استحقاقاتهم المشروعة ومطالبهم الملحّة . فلما تأكدوا بأن الحكومة في وادٍ غير واديهم خرجوا للتعبير عن غضبهم بأسلوب حضاري ومنضبط ، فكانت الصفحة التي نحاول في المنشور القادم تقييمها شعبياً وسياسياً .
_____ يتبع
( ابو زيزوم _ 858 )
2020-05-13