العراقيون في الحرب الإسبانية ضد الفاشية (1936–1939): دراسة توثيقية في البعد الأممي للحركة اليسارية العراقية!
إعداد: البروفيسور وليد الحيالي
المقدمة
شكّلت الحرب الأهلية الإسبانية (1936–1939) نقطة تحوّل حاسمة في التاريخ السياسي والفكري للعالم المعاصر، إذ مثّلت صراعًا مفتوحًا بين قوى الديمقراطية والتحرر من جهة، والفاشية والرجعية من جهة أخرى. وقد استقطبت هذه الحرب آلاف المتطوعين من مختلف بقاع الأرض الذين لبّوا نداء الواجب الإنساني للدفاع عن الحرية والعدالة، ضمن ما عُرف بـ الألوية الدولية.
وفي خضم هذا الحراك الأممي، لم يكن العراق، رغم بُعده الجغرافي، بمنأى عن التفاعل مع تلك الأحداث. فقد شارك عدد من المثقفين واليساريين العراقيين، ماديًا أو معنويًا، في دعم الجمهوريين الإسبان، بل إن قلة منهم التحقوا فعليًا بجبهات القتال ضد الفاشيين.
أولاً: السياق السياسي والفكري للحركة اليسارية العراقية
شهد العراق خلال ثلاثينيات القرن العشرين بواكير الوعي الوطني والطبقي مع تزايد تأثير الفكر الماركسي وانتشار الأدبيات الثورية القادمة من موسكو ودمشق وبيروت. وقد كان هذا الجيل من المثقفين العراقيين يتابع بعمق تطورات الصراع الدولي، خاصة بعد صعود الفاشية في إيطاليا وألمانيا.
تجلّت مواقفهم المناهضة للفاشية في مقالات سرّية ومطبوعات محدودة التداول، منها نشرات مبكرة أصدرها أنصار الفكر الاشتراكي في بغداد والبصرة، تدين الاستبداد وتعلن تضامنها مع الشعب الإسباني. ومع تأسيس الحزب الشيوعي العراقي (1934) على يد يوسف سلمان يوسف (فهد)، اتخذ الموقف الفكري ضد الفاشية بعدًا تنظيمياً وأمميًا، حيث عُدّت الحرب الإسبانية اختبارًا للضمير الثوري العالمي.
ثانياً: الموقف الرسمي للحكومة العراقية
اتسم موقف الحكومة الملكية في بغداد آنذاك بالتحفّظ والتبعية للموقف البريطاني، الذي تبنى سياسة “عدم التدخل” الشكلية بينما كان يميل في الواقع إلى معسكر القوى الغربية المحافظة. ولذلك لم تُبدِ الحكومة العراقية أي تعاطف مع الجمهوريين الإسبان، بل رأت في الحركة اليسارية الداعمة لهم تهديدًا للأمن الداخلي والنظام الملكي.
وقد لوحظ أن وزارة الداخلية شددت رقابتها على المراسلات والمنشورات التي تتناول الحرب الإسبانية، واعتقلت بعض الناشطين بتهمة “نشر الدعاية البلشفية”. بهذا المعنى، مثلت الحرب الإسبانية اختبارًا لموقف الدولة العراقية من حرية الفكر والعمل السياسي، إذ كشفت عن عدائها المبكر لأي شكل من أشكال التضامن الأممي المناهض للفاشية.
ثالثاً: العراقيون في صفوف الألوية الدولية
على الرغم من محدودية المصادر، فإن وثائق الكومنترن (الأممية الثالثة) تشير إلى أن عددًا من الشباب العرب، من بينهم عراقيون، التحقوا بالألوية الدولية للدفاع عن الجمهورية الإسبانية. وتشير تقارير مؤرّخي الحركة الأممية إلى أن عدد المتطوعين العراقيين تراوح بين خمسة وعشرة مقاتلين، معظمهم من الطلبة المقيمين في أوروبا أو الاتحاد السوفيتي آنذاك.
ومن بين الأسماء المرجّحة التي وردت في شهادات رفاقهم أو في وثائق أممية:
• عبد القادر إسماعيل وجعفر أبو التمن (الابن)، اللذان يُعتقد أنهما شاركا في “كتيبة أبو الحسين”، وهي وحدة ضمت متطوعين عربًا من فلسطين وسوريا والعراق.
• صفاء الحافظ، الذي تشير بعض الروايات إلى أنه حاول التطوع في صفوف الجمهوريين أثناء وجوده في باريس عام 1938، لكنه لم يتمكن من الوصول إلى الجبهة الإسبانية.
• كما تذكر الأرشيفات السوفيتية مشاركة اثنين من الطلبة العراقيين في لواء غاربالدي الإيطالي ضمن الألوية الدولية، أحدهما من الموصل والآخر من كركوك.
رغم قلة المعلومات الشخصية عن هؤلاء المتطوعين، فإن رمزية مشاركتهم تكمن في انخراطهم في قضية إنسانية أممية تتجاوز الحدود القومية، وتعبّر عن التزام مبكر من مثقفين عراقيين بقيم العدالة الاجتماعية ومناهضة الاستبداد العالمي.
رابعاً: البعد الأممي للتجربة ودلالاتها الفكرية
إن مشاركة العراقيين في الحرب الإسبانية، سواء عبر القتال المباشر أو التضامن الفكري والتنظيمي، تؤكد أن جذور الفكر التقدمي العراقي ارتبطت مبكرًا بالحركة الأممية المناهضة للفاشية. فقد أدرك المثقفون العراقيون أن الصراع في إسبانيا لم يكن محليًا، بل جزءًا من مواجهة شاملة بين قوى التنوير والحرية، وقوى القمع والاستبداد في العالم.
كما أسهمت تلك التجربة في ترسيخ الوعي بأهمية التضامن الإنساني، إذ باتت الحرب الإسبانية رمزًا للصراع بين الضمير العالمي والنزعة العنصرية القومية التي مهدت للحرب العالمية الثانية.
ومن هنا، فإن ما قدّمه العراقيون في تلك الحرب، وإن كان محدودًا عدديًا، كان عميق الدلالة سياسيًا وأخلاقيًا، إذ مثّل امتدادًا لموقف الشعب العراقي اللاحق في مقاومة الاستعمار والدكتاتورية.
الخاتمة
يمكن القول إن تجربة العراقيين في الحرب الأهلية الإسبانية تمثل فصلًا منسيًا في التاريخ الفكري والسياسي للعراق الحديث. فقد كانت تلك المشاركة، المباشرة وغير المباشرة، تعبيرًا عن وعي مبكر بأن الحرية لا تتجزأ، وأن النضال ضد الفاشية في إسبانيا هو في جوهره نضال من أجل كرامة الإنسان في كل مكان.
كما كشفت تلك التجربة عن ازدواجية الموقف العراقي بين دولة رسمية محافظة تابعة للمصالح البريطانية، وحركة فكرية تقدمية تتطلع إلى العدالة والحرية على مستوى عالمي.
لقد كانت الحرب الإسبانية مدرسة أممية لصياغة الضمير الإنساني، وكان للعراقيين، رغم قلتهم، بصمة شرف رمزية في تلك الملحمة الخالدة.
المراجع
1. عزيز سباهي، تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، دار الرواد، بغداد، 1984.
2. فواز طرابلسي، من تراث اليسار العربي، دار الساقي، بيروت، 1996.
3. Manuel Espadas Burgos, Los Árabes en la Guerra Civil Española, Madrid, 1987.
4. أرشيف الكومنترن (Comintern Archives, RGASPI), موسكو – ملفات الشرق الأوسط 1936–1939.
5. مجلة الكرمل، العدد الخاص عن الأممية العربية، بيروت، 1987.
6. عبد الرزاق الصافي، ذكريات ومواقف من تاريخ الحركة اليسارية العراقية، بيروت، 2002.
2025-10-07