العباءة والدونية..!
انتصار الماهود
ولازلنا نراوح في ذات النقطة السوداء التي نحاول أن نمحوها من تأريخنا وها هي عقدة الدونية تعود من جديد
نعم فالدونية وبشرح مبسط هوالشعور بالنقص والعجز وهو إحساس اجتماعي ونفسي وبدني يؤثر على الأشخاص في سلوكياتهم التفاعلية مع الآخرين وربما يكون شعور مؤقت يعالج أو شعور دائمي متأصل في النفس البشرية
فالدونية شعور زرعه البعث الصدامي في نفوس شريحة كبيرة من أبناء المجتمع مع الأسف وهذه الطبقة تتميز بحب جلد ذاتها والإنتقاص من قيمتها دوماً بسبب أو بدون سبب لأنهم تعودوا على ذلك فلا لوم عليهم فيما جبلوا على عمله (الله يشافيهم ان شاء الله من هذا المرض البعثي )
ربما تتساءلون ما الربط بين العباءة النسائية العراقية والدونية ربما سمعتم أو شاهدتم الزوبعة التي أثيرت حول إعتماد (العباءة العراقية) وأضعها بين قوسين لكي يقراها الدوني جيداً كزي رسمي في الدوائر الحكومية وهذا يعني أن من ترتدي العباءة لن تتعرض للمضايقات ولن يجبرها الأستاذ في الجامعة أو مدير العمل على عدم ارتدائها وهذا صادر كقرار رسمي وقانوني أما الغمان والدونية فهم روجوا الى ان العباءة أصبحت فرضا على كل إمرأة وشنوا هجمة واسعة على من اقترح ونشر هذا القرار وقالوا أن العراق سيتحول الى قندهار جديدة
لنسعف الذاكرة بعصف ذهني بسيط هل العباءة كزي يعتبر دخيل على مجتمعنا العراقي المحافظ وهل هي مقتصرة فقط على النساء المسلمات من الطائفة الشيعية
العباءة بشكلها الحالي هي تطور لموروث حضاري يعود الى سنة 3000 ق.م حيث كان غطاء الراس للمرأة لدى السومريون والاكاديون هم أول من ارتدت نساؤهم غطاء الرأس فقد كانت نساء النخبة وزوجات أشراف المدن يضعن على راسهنة وشاح منقوشةبشكل مميز وهو رمز اجتماعي مهم للحشمة
وقد أظهرت اللقى الأثرية أن الملك شبعاد ملكة أور العظيمة تم تصويرها بغطاء راس ملكي.
أول من فرض غطاء الرأس كقانون في شريعة حمورابي (1750 ق.م) في بابل حيث ميزت بين النساء”المحترمات” (المتزوجات) اللواتي يغطين رؤوسهن، والعبدات أو العاهرات الممنوعات من ذلك
أما بالنسبة للديانات الأخرى فقط ذكر في (سفر التكوين 65:24) وجود نص يشير الى ان زوجة اسحاق عليه السلام كانت تستعمل الوشاح لتغطية راسها وكانت النساء اليهوديات في العراق خلال العهد العثماني يرتدين عباءة سوداء مشابهة لما ترتديه المسلمات حتى منتصف القرن العشرين مع إضافات تميزهن مثل غطاء الرأس المطرز الملون أو الحجاب الأبيض أو النقاب أو البرقع المزخرف وبعد خروجهن من العراق لم تعد نساء اليهوديات يرتدين هذه العباءة
وفي الديانة المسيحية يذكر في العهد الجديد (كورنثوس6:11) إن على المرأة تغطية راسها عند الصلاة ونرى الراهبات في الاديرة والكنائس يرتدين ملابس فضفاضة لستر الأجساد مع غطاء الراس
في العصر الإسلامي، كانت العباءة رمزاً للستر والوقار، وارتدتها النساء امتثالاً لقيم الحشمة التي دعا إليها الإسلام.
كانت تصنع من أقمشة بسيطة، غالباً سوداء، وتُلبس فوق الملابس لتغطية الجسد بالكامل.
مع مرور الزمن، احتفظت العباءة بطابعها الديني، مع بعض التغييرات في الشكل والخامة بحسب الثقافة والمكان.
لذلك نرى ان العباءة بشكلها الحديث اليوم قد تأثرت بعدة مراحل وتطورات تاريخياً واجتماعياً وسياسيا ودينيا حتى وصلتنا بهذا الشكل اي باللون الاسود وابرز هذه العوامل هي:
1. التأثير الديني والاحتشام
– في الإسلام، يُشجع على أن يكون لباس المرأة “غير ملفت” و”محتشمًا” واللون الأسود اعتُبر تقليديًا لونًا غير جاذب للانتباه مقارنةً بالألوان الزاهية.
2. العامل التاريخي والاجتماعي
– في العصر العثماني، انتشر استخدام العباءة السوداء بين نساء المدن (مثل بغداد والموصل) كرمز للحشمة والانتماء إلى الطبقة المحافظة
– تحولت العباءة السوداء إلى زيا موحدا تقريبًا للنساء في القرن العشرين، خاصة بعد زيادة تأثير التيارات الدينية ونشاطها الملموس في المجتمع
3. العامل النفسي والعملي
– اللون الأسود لا يظهر الأوساخ بسهولة، ويناسب الاستخدام اليومي في الأجواء الحضرية.
– يُعتقد أن الأسود يخفي تفاصيل الجسم أكثر من الألوان الفاتحة، مما يجعله خيارًا عمليًا للمجتمعات المحافظة.
4. التأثير الخليجي والموضة الحديثة
– في العقود الأخيرة، تأثرت العباءة العراقية بالموضة الخليجية (خاصة الإماراتية والكويتية)، حيث أصبحت العباءة السوداء أكثر أناقة مع تطريزات وأقمشة فاخرة.
– بعض النساء يفضلنها الآن كخيار عصري وليس فقط كالتزام ديني.
5. أسباب أخرى مثل الاقتصاد
حيث الأقمشة السوداء غالبًا ما تكون أرخص في الإنتاج.
وأيضاً التقاليد : صارت العباءة السوداء عُرفًا اجتماعيًا، حتى أن بعض العائلات تفضل أن ترتديها بناتها.
سؤال مهم هل كانت العباءة دائمًا سوداء؟
بالطبع لا، في الماضي (خاصةً في المناطق الريفية) كانت النساء يرتدين ألوانًا أخرى (مثل الأزرق الغامق أو البني)، لكن الأسود طغى بسبب العوامل المذكورة أعلاه.
فالعباءة السوداء اليوم ليست مجرد لباس، بل هوية اجتماعية ودينية في العراق بل أنها ستبقى رمزاً يفوق حدود الملبس، فهي هوية وانتماء وتاريخ حيّ ينبض بأصالة المرأة العراقية ووقارها. بجمالها الفريد وتطريزها المميز، تعكس العباءة مزيجاً من الحشمة والذوق، وتروي حكاية شعبٍ ظل متمسكاً بجذوره رغم تقلبات الزمن.
إن الحفاظ على العباءة العراقية لا يعني فقط صون تراث مادي، بل هو حفاظ على قيم وذاكرة وهوية أمة، تستحق أن تُنقل للأجيال القادمة كما هي: شامخة، نبيلة، وملهمة.
2025-06-08