الطريق الى ادارة الوجع !
بقلم: الدكتور عامر حسن فياض.
كانت الاحتجاجات وستظل مولودا طبيعيا وليس قيصريا لاوجاع عراقية تراكمية لا عفوية ولا آنية . وهي ليست صرخة بنت اللحظة وليست الم لصيق بمسبب يتمثل بفرد واحد او عهد حكومة واحدة انها ازمة نظام هجين واشكالية نهج معوج .
وفي التوصيف لما يحصل فـأن الاحتجاجات وسيلة تعبير عن يأس متراكم ( حقيقة ) قاد الى غضب ( نتيجة طبيعية لحقيقة) اشتركت فيها كثرة متفاعلة مع حقوق شعب بكامله ولم يكن مستغربا ان تتطلع الى الاندساس فيها وتحريفها وتوظيفها سلبا شلة تشتغل لصالح اعداء العراق من داخل البلد وخارجه لان العراق له مواقف متميزة لا تروق لمخططي وصناع وممولي ومنفذي مشاريع الفوضى والتدمير للدول الوطنية في المنطقة وعلى رأسهم الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل ومافيات الفساد التي تتطير من نجاحات العراق وتتشفى بفشله وتدميره . فالعراق لن يقبل بصفقة القرن ولن يطبع مع اسرائيل ولن يتوقف عن مكافحة الارهاب ولن يخاصم جيرانه ولن يتخلى عن حشده الشعبي وبناء قدرات جيشه وليفهم من يريد ان يتعامل مع المحتجين ان دوافع الاحتجاجات في انطلاقها مطلبية خدمية بيد انها في جوهرها و مآلاتها سياسية بامتياز وليفهموا بأنها وان كانت عفوية فأنها عفوية واعية وليست عفوية عشوائية جاهلة .. وليفهمو ايضا انها وان كانت شبابية فهي وطنية عراقية شاملة وصادقة عابرة للمذاهب والطوائف والقوميات وكل التنوعات التي يحتضنها العراق . فقد نظر كل متظاهر الى مذهبه او قوميته او دينه من بوابة العراق ولم ينظر الى العراق من ثقب مذهبه او قوميته او دينه . كما ان كل محتج تفاعل بحق مع حقوقه وهو يعي جيدا ان للعراق اعداء كان هو اول من واجههم رغم جوعه وهمومه واوجاعه وسيظل كذلك لكن من حقه ان يواجه اعداء العراق كعراقي كريم بلا جوع وبلا ضياع وبلا هموم وبلا اوجاع .
نعم بعد تراكم الوجع لابد من سماع صرخات الموجوع الغاضبة دون الزيادة في اغضابه بالعنف لان التعامل الغاضب مع الغاضبين لا ينهي الغضب بل يزيده . ونعم ان الاحتجاجات صناعة عراقية لم تصنعها سفارات اجنبية ولا شبكات لصوصية ولا احزاب شمولية رغم ان تلك الجهات تعمل ويروق لها ان يستخدم العنف ضد المحتجين والقوى الامنية المكلفة بحمايتهم وتسفك الدماء وتعم الفوضى ويسود القتل وتزهق الارواح العراقية .
ان ادارة الوجع تحتاج الى بناة يحسنون التشخيص والعلاج ويتمتعون بالمقبوليتين الانتخابية والانجازية معا . وليعلم من خرج من الصندوق الانتخابي ان الصندوق جعله مقبول انتخابيا وهذا لا يكفي لوحده فقط وينبغي ان تستكمل مقبوليته وتستمر بالانجاز حيث ان استمرار شرعيتهم مشروطة بما ينجزوه وعليهم عدم المراهنة على شرعيتهم الانتخابية فقط وان لا ينسوا او يتناسوا ضرورة الشرعية الانجازية وان لا يتجاهلوا حقيقة ان التغيير ومشتقاته الاصلاحية يمكن ان يتم من خارج الصندوق عند عدم استجابتهم لمطاليب المحتجين . بمعنى ادق ان التغيير ومشتقاته انجاز وليس اعجاز وفعل وليس كلام وتعهدات وليس وعود ومسؤوليات وليس امتيازات واجراءات ايقاف تدهور وليس امنيات حالمة بالتطور .
وليعلم المسؤول ان عمله تكليف وليس تشريف وان التظاهرات هي الضمانه للمسؤول الذي لم يتنصل عن مسؤوليته في ان يتخذ قرارات شجاعة . وان كل قرار شجاع يحتاج الى متكاءات شجاعة ايضا وليس اشجع من متكىء الشعب المحتج ومتكىء المرجعية فمن المتظاهرين ومن المرجعية يتم زق المسؤول الشجاع بشجاعة اضافية كيما يخطو خطواته الاصلاحية التي تستجيب للمطالب على ان تكون خطواته واقعية قابلة للتنفيذ حسب الاولويات ينفذها بلا تردد ولا تباطؤ ولا تسويف ولا مماطلة وعلى ان تبدأ الخطوة الاولى بمكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين لانها الخطوة الحصان التي تجر كل معالجات اوجاع العراق . ودون البدء بالحرب على الفساد والفاسدين ستكون كل الاجراءات تسكينية تجميلية كتسكين حبة الاسبرو وكتجميل محلات الكوزمتكس . كما ان من غير هذه الخطوة لا فائدة من التحجج بعدم وجود قيادة للمتظاهرين المحتجين ولا التحجج بحجة مع من نتحاور او نتشاور ولا التحجج بالمؤامرة والمتآمرين .
وفي معادلة المطالب والاستجابة حذار من ان تكون القوى السياسية من المطالبين فما عاد من واجبها المطالبة بل واجبها الاستجابة .وبمعنى ادق فأن القوى السياسية الشريكة والمشاركة جميعها بمؤسسات الحكم وادارة الدولة اصبح واجبها بعد الاحتجاج فقط الاستجابة لمطاليب موزعة بالتوالي على تنفيذ وتوقيت وضمان انجاز مقدمات الاصلاح من اجل التغيير لازالة وجع العراق ومسبباته . وكل اجراءاتها ينبغي ان تكون مشروطة بشرط التنفيذ وشرط الجدولة الزمنية للتنفيذ وشرط ضمان التنفيذ . ولعل افضل الضمانات واولها هي ضمانة استمرار التظاهرات بوصفها السند والمتكىء للمستجيب في تنفيذ استجابته من جهة وبوصفها ضمانة تمثل رقابة شعبية هي افضل واشجع الرقابات على منفذي الاستجابات وبوصفها ضمانة يتم الاستعانة بها لتجنب تسيس المطالب ومنع توظيفها توظيفا جهويا ضيقا لصالح هذه القوى السياسية او تلك كما وانها ضمانة كفيلة بإبقاء الطبقة السياسية المتمثلة بالاحزاب المتنفذة قريبة من الاستجابة للمطالب فقط وبعيدة تماما عن الادعاء بطرح هذه المطالب .
ان تنفيذ مطالب المحتجين و اولها ، كما نقترح ، الضرب بسلاح القانون والقضاء العادل على الفساد والفاسدين بالتوازي مع توفير فرص العمل للعاطلين والسكن اللائق للمحرومين والرعاية الاجتماعية والصحية للمحتاجين جميعا هي استجابات لا تتعدى الوقوف عند عتبة الاصلاح اما دخول باب الاصلاح فأنه يحتاج الى تقويم النهج عبر وضع جدوله زمنية لسن تشريعات تأسيسية لدولة سلاحها القانون وحامي تجربتها الديمقراطية جيشها الوطني وقواتها الامنية وصوتها صوت الشعب .قادرة على تنصيب المؤسسات لا الاشخاص ومأسسة المناصب لا شخصنتها وابرز تلك التشريعات هي قانون انتخابات عامة ومحلية حرة وعادلة بإدارة انتخابية نزيهة وقانون محكمة اتحادية وقانون النفط والغاز وقانون مجلس الخدمة العامة وقانون المجلس الاتحادي .
والاهم من كل ذلك فأن اي اجراء او قرار او برنامج او تشريع يوحي او يكرس لمحاصصة ضيقة ( طائفيةدينية–عنصرية قومية –جهوية عشائرية ) بل وكل خطاب يروج للمنبوذية السنية والمظلومية الشيعية والمغبونية الكوردية ينبغي ان يجرم قانونيا ويحرم دينيا ويؤثم شعبيا.
واخيراً العراق للجميع .. خلونا نعيش .. خلونا بكرامتنا مواطنين عراقيين بلا مظلومية ولا منبوذية ولا مغبونية تحت راية الوطن والمواطنة
2019-10-28