الصندوق السيادي اللبناني!
رنا علوان
في البداية ، عندما تحدث السيد في خطابه حول ترسيم الحدود اشار الى وجوب انشاء ( صندوق سيادي ) يحاكي المرحلة القادمة ، فما هو الصندوق السيادي
بإختصار
الصندوق السيادي هو صندوق استثمار تملكه الدولة ، لا يكون تابع لأي من وزارة المالية او البنك المركزي ، وأغلب وارداته تكون من المواد الأولية وعلى رأسها النفط
للصندوق السيادي ، عدة انواع
فهناك الادخاري منه ، والاستقرار ، واحتياطي التعاقد العامة ، والاستثمار الاحتياطي ، والاصول الاحتياطية بالعملة الاجنبية ، وصناديق الثروة السيادية للتنمية الإستراتيجية( SDSWF)
أما الهدف منها
فهو ادارة جزء من الفوائض المالية للدولة وفق خطة تجارية ربحية في العمليات الاستثمارية الطويل الأمد ، ويمكن لها ان تكون مماثلة لرأس المال الاستثماري ( للقطاع الخاص )
وعلى صعيد لبنان
فتنص المادة الثالثة من قانون الموارد النفطية البحرية اللبناني صراحة على إنشاء صندوق للثروة السيادية مع اعتبار [القانون المنظم لهذا الصندوق ، والقواعد الخاصة بإدارته وأصول الاستثمار واستعمال الإيرادات الناتجة عنه أمورًا ينظمها قانون خاص]
وينشئ القانون المقترح صندوقًا للثروة السيادية يشتمل على صندوقين فرعيين
محفظة للمدّخرات وأخرى للتنمية
والغرض من محفظة المدَّخرات استثمار عائدات النفط لصالح الأجيال القادمة بينما الأخرى إلى تقليص مستوى الدين العام
على أن تودع إيرادات أسهم الدولة في محفظة المدخرات
كما يجوز للحكومة أن تستعمل جزءًا من الفوائد المحصّلة لتمويل نفقاتها ، أما إيرادات الرسوم الضريبية على شركات النفط فتودع في محفظة التنمية ، ويمكن استعمالها لتسديد الدين العام إلى أن يصل مستوى هذا الدين إلى ٢٠ % من الناتج الوطني
هنا تجدر الإشارة الى انه في حال توزيع الأصول لا يجوز لهذين الصندوقين أن يستثمرا في المشتقات المالية ، إلا في ظل ظروف مُعيّنة ، ( لا يحتوِ فيها المشروع القانوني المطروح على أية محظورات أخرى )
والمخاوف التي تلازم القانون المُقترح في شكله الحاليًّ ، هو في تركه مجالاً واسعًا للاستنساب أمام مديري الصندوق ، حيث من الممكن ان يكون عرضة للتحول إلى مطيَّة جديدة للفساد والمحسوبية
وفي مجال إدارة الصندوق ، فإن وزارة المال تقع في خانة أدنى منه ، وخانة أعلى منه في الوقت نفسه ، وهي صيغة لا توجد في أي صندوق آخر على الإطلاق
فمن غير المؤلوف ان لا يذكر القانون المُقترح مصرف وصيّ ، او ماهية الاموال التي يتم ايداعها ، او من هو المرجع المسؤول
عن إدارة الحسابات
كما أن القانون المُقترح يكتفي بذكر لجان الصندوق من دون ذكر أدوارها أو مسؤولياتها ، وهذا أيضاً غير مألوف في قوانين الصناديق السيادية
اما الاجراء الواجب فهو
أن يتم فتح حساب واحد لصندوق الثروة السيادية كما ينبغي لكافة الإيرادات أن تودع في هذا الحساب ، على أن توزع الأموال على “محفظة المدخرات” و”محفظة التنمية” من هذا الحساب
ومن شأن هذا الإجراء أن يضمن الشفافية ، والإفصاح ، وحسن إدارة المخاطر بحيث تُجتَنَب كثرة الحسابات التي غالباً ما تكون دلالة على أن الأموال تحوّل إلى استعمالات أخرى
اما دور الصندوق في إدارة الاقتصاد الكلي
فإن المادتين ١١ و ١٢ عُرضة لكي تعني انعدام المدخرات كلّيًّا أو توّفر مبلغًا صغيرًا من المال لخدمة الدين أو تسديده
غير أنه من الممكن تحقيق الهدف نفسه من دون خطر سوء الإدارة أو فرط التكاليف البيرواقراطية بمجرد وضع قانون مالي يحدُّ من تزايد النفقات أو يحدد سقفًا للدين العام
وإذا استندنا إلى تعريف صندوق النقد الدولي فإن من شأن القانون المالي [ أن يفرض قيدًا طويل الأمد على السياسة المالية عبر وضع حدود رقمية على مجموع الموازنة ]
وتهدف القواعد المالية عادة إلى تصحيح الحوافز المشوّهة ولجم ضغوط الإفراط في الإنفاق ، ولا سيما في زمن البحبوحة ، وذلك لضمان المسؤولية المالية والقدرة على إيفاء الديون المُستحقة
فضلاً عن أن ( المادة ١٢ ) لا توّضح أن “السحوبات” تعني السحوبات لصالح الخزينة ، وتترك المجال مفتوحا أمام احتمال سحب الأموال لصالح حساب آخر
ونأتي الى بنية الحوكمة ، فبصورة عامة ، تُعتبر صناديق الثروة السيادية في معظمها مؤسسات مستقلة ، ومن هذه الناحية تكتسي بنية الحوكمة الرشيدة أهمية عليا في تأمين الشفافية الإدارية
فمن الضروري أن ينُص مشروع القانون (على إلتزامه بمبادئ سانتياغو التي تشتمل على ٢٤ مبدأ وممارسة عامة ) الداعية إلى كل من ، الشفافية ، والحوكمة الرشيدة ، والمُساءلة ، والتشجع على حوار أكثر انفتاحًا وتفهمًا لأنشطة صندوق الثروة السيادية
بينما يتبين لنا من مراجعة مشروع القانون المقترح ، أن بنية حوكمة الصندوق غير واضحة ولا تخلُ من التناقض
فمجلس إدارة الصندوق يتكوّن من خبراء يعيّنهم مجلس الوزراء ، فيما يخضع الصندوق لإشراف وزير المال ( غير أن وزير المال يكون ، في معظم الصناديق السيادية ، عضوًا في مجلس إدارة الصندوق أو هو يعيّن بعض أعضاء مجلس الإدارة )
بالإضافة الى أن مجلس الإدارة لا يضُم أعضاء مستقلين ، مثلما هي الحال أحيانًا ، ناهيك عن أن أدوار أعضاء هذا المجلس ومؤهلاتهم غير واضحة ، وهذا يترك الباب مفتوحا على تعيين أشخاص غير مؤهلين ، علاوة على أن عتبة الخمسة والثلاثين سنة ( خبرة عضو مجلس الإدارة )تحول دون انضمام العديد من المرشحين ذوي الكفاءة إلى هذا المجلس
وبيد ان غياب أية قواعد للاستثمار ومثلها نصوص الحظر على أنواع محددة من عمليات شراء الأصول (كالعقارات ، والأسهم الأدنى من الدرجة الاستثمارية) أمر يدعو إلى الريب ، ولا يقلّ عنه انعدام أية تفاصيل عن الحد الأقصى للأجور الإدارية ، والإشراف من قبل مدراء خارجيين أو انتقاء المدراء الخارجيين. يضاف إلى ذلك أن هدف استثمار ٢٠% داخليا ، يجعل الصندوق عرضة لتوجيه الأموال نحو شركات لبنانية على صلة بمدراء الاستثمار
لذلك ينبغي أن ينص القانون على معايير صارمة خاصة بتضارب المصالح وعلى عقوبات تتعلق بسوء التصرف ، مع المراعاة لهذه القواعد ، أو لانعدامها ، فإن ثمة احتمالاً كبيرًا أن يتم استعمال الصندوق لأغراض المحسوبية والفساد
كما ينبغي للصندوق أن يكون مكلّفًا بالاستثمار دوليًا في الأصول المدرجة والاستثمارات العالية الدرجة ، أما الاستثمارات الداخلية فيجب أن تقتصر على الاستثمارات المقررة في البنية التحتية
ومن حيث الرقابة الخارجية والشفافية ، فإنه لا ينص مشروع القانون على شرط يُلزم بإطلاع جمهور المواطنين على نتائج التدقيق الخارجي في الحسابات ، بل يشير إلى تقرير سنوي منقّح ، وهذا يفتح مجال لتستر على أي سوء تصرف وعدم كشفه أمام الجمهور أو المجلس النيابي . كما يجب أن تُرفع إلى مجلس الوزراء والمجلس النيابي تقارير فصلية وسنوية ، ويجب ان يتم اعلانها على الملأ (كما نصت مبادئ سانتياغو)
علاوة على ذلك ، يجب أن يؤكد القانون على ضرورة التزام الصندوق بالإفصاح عن المبالغ التي يتقاضاها المدراء ، أن يؤكدوا بدورهم استقلالهم عن أية إدارة من إدارات الصندوق السيادي أو موظفيه إضافة إلى المسؤولين الرسميين ومن جملتهم المسؤولين الحكوميين ومسؤولي مصرف لبنان
ختاماً ، على غرار أي نوع من انواع صناديق الاستثمار ، فإن صندوق الثروة السيادية له اهدافه الخاصة وشروطه ايضاً ، كما والمخاطر المرتبطة به بالإضافة الى الاصول
ومن الممكن ان تختلف ادارة هذا الصندوق من درجة مُتحفظة في الاستثمارات ، وصولاً الى خوض درجة عالية من المخاطر الاستثمارية
2022-11-14