الصراع الأمريكي الإيراني.. تداعياته خليجيا وعراقيا
د. أعلية علاني- جامعة منوبة – تونس
لا يخفى على أحد أن الوضع في منطقة الشرق الأوسط وخاصة في العراق جد دقيق في ظل الصراع الأمريكي الإيراني. الصراع بين أمريكا وإيران مازال في مرحلة التلاسن رغم حادث تخريب السفن.
فماذا تطلب أمريكا من إيران؟ وماذا تطلب إيران من أمريكا؟ وكيف سيتم التعامل الخليجي والعراقي مع الصراع الأمريكي الإيراني؟ ثلاثة أسئلة تقض مضاجع أصحاب القرار ومراكز البحث المستقلة 1) ماذا تطلب أمريكا من إيران؟
تطلب أمريكا من إيران:
أولا: عودة للتفاوض حول اتفاق نووي جديد به شروط أكثر تشددا من الاتفاق السابق. وهو تقريبا نفس التمشّي الذي تنتهجه إدارة الرئيس ترامب مع كوريا الشمالية من حيث مضمون الاتفاق. ثانيا: تريد أمريكا من وراء الاتفاق الجديد تقليص حجم الدور الإقليمي الذي تلعبه إيران في المنطقة وليس القضاء على دورها الإقليمي تماما وإنما عقلنته وتحديد مجالات تحرُّكه بعد أن تمدد أكثر في السنوات الأخيرة. وربما لا يعارض الروس نسبيا تقليص الدور الإقليمي لإيران في المنطقة.
ثالثا: تسعى أمريكا في ظل صراعها مع إيران إلى الإبقاء على التفوق الإسرائيلي النووي في منطقة الشرق الأوسط. كما تسعى إلى إيجاد توازن بين قوتين إقليميتين متوازنتين هما قطب إيران وحلفاؤها وقطب السعودية وحلفاؤها. ولا يختلف الروس والصينيون مع أمريكا في هذا التوجه. وتريد أمريكا تحقيق هذه الأهداف الثلاث بدون حرب إلا إذا تم الاعتداء عليها وهو أمر مستبعد، لأن أمريكا لا تقبل بتهديد مصالحها في العراق ودول الخليج. وما نشهده من إخلاء لموظفين أمريكان وأجانب من حقول نفطية بالموصل في العراق فيه الكثير من التحذيرات. ويجب أن نأخذ في عين الاعتبار أن الرئيس ترامب قادر على تنفيذ تهديداته إذا أُجبر على ذلك. 2) ماذا تطلب إيران من أمريكا؟
إيران تعرف جيدا أنها إذا لم تُسْرع في اتخاذ قرارات جريئة وإذا لم تقدّم بعض التنازلات لأمريكا فيما يخص الاتفاق النووي وفيما يخص التقليص من تواجده الإقليمي وتهديد حلفائه، فإن اقتصادها وعُمْلتها ستتضرر بشكل كبير جدا. وأعتقد أن إيران ستنتهج حاليا بعض الخيارات منها: أولا: ستُكلف بعض الوسطاء سواء كانوا عراقيين أو أوروبيين باستطلاع آراء أمريكا في الخطوط الرئيسية لرؤيتها للاتفاق النووي الجديد. ثانيا: ستطرح إيران شروطها في الإبقاء على مراكز نفوذها وتأثيرها في المنطقة. وربما تقترح تخفيفا ومراجعة أمريكية في تصنيف حزب الله تنظيما إرهابيا مقابل ضغط إيران على حلفائها بالمنطقة بالامتناع عن تهديد مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها. ثالثا: أن تقبل إيران بالتخلي عن دعم الحوثيين وتتعامل مع السعودية وحلفائها كقطب يمثل قوة إقليمية في المنطقة وحليفا للولايات المتحدة الأمريكية، وأن يكون لهذا القطب دوره الإقليمي مثلما هو الشأن لإيران. ويتم ذلك بوضع اتفاقيات وتفاهمات في الغرض. رابعا: ستطلب إيران مقابل كل هذه التفاهمات رفعا للقيود المالية تجاهها. 3) كيف سيتم التعامل الخليجي والعراقي مع الصراع الأمريكي الإيراني؟
بالنسبة لدول الخليج وخاصة السعودية والإمارات وحلفاؤها فإنها، أولا، لا ترغب في حرب جديدة بعد حرب سوريا والعراق واليمن لكنها تتهيأ لسيناريو ردود فعل عسكرية وأمنية ضد أطراف تعمل بالوكالة. وثانيا، سيكون لها تنسيق وثيق مع أمريكا في اتخاذ قرارات أمنية وسياسية واقتصادية، وستعمل على استمالة جزئية لروسيا والصين نظرا لحجم التبادل التجاري الضخم الذي يربطها بهما. وثالثا ستكون هناك عدة مطالب للسعودية وحلفاؤها من أهمها منْع التمدد الإيراني عبر الحوثيين في اليمن.
بالنسبة للعراق سيكون في وضع لا يُحسد عليه. فإذا نجح في دور الوساطة بين أمريكا وإيران فإنه سيغنم من وراء ذلك استقرارا أمنيا واقتصاديا. أما إذا أجبر على الدخول في سياسة المحاور، خاصة وأن التأثير الإيراني في العراق هو الأقوى فإنه من المحتمل أن يعود إلى مرحلة اللااستقرار الأمني والاقتصادي وربما ينتج عن ذلك احتجاجات اجتماعية كبرى تؤدي إلى زعزعة النظام. وأعتقد أن من مصلحة العراق إبراز استقلاليته فعليا والنزول بكل ثقله لإنجاح وساطته.
كل الأمل أن يتغلب صوت العقل والحكمة لدى الجميع. وعلى إيران أن تقتنع بأن الحصول على سلاح نووي لا يؤدي بالضرورة إلى بناء قوة اقتصادية كبيرة تنفع الشعوب، فألمانيا واليابان وأكثر بلدان أوروبا لا يملكون قوة نووية لكنهم يسيطرون على العالم اقتصاديا، وحبذا أن يصبح يوما ما القطبُ السعودي وحلفاؤه والقطب الإيراني وحلفاؤه أقطابا اقتصادية تتنافس من أجل رفاه سكان المنطقة وتمتنع عن التبشير الطائفي وعن التدخل في الشؤون الداخلية لأي بلد ذي سيادة. وأن يتخلى الجميع وخاصة إيران عن اعتبار أن صراعها في المنطقة له جذور عقائدية وأن تصبح لغة المصالح والتعايش لها الأولوية في التعامل.
2019-05-30