أمجد إسماعيل الاغا
من الواضح أن تداعيات القرار الأمريكي بالانسحاب من سوريا، لا تزال تلقى الكثير من التنديد لجهة محور واشنطن، حيث أن هذه الخطوة الامريكية باتت عبئا ثقيلا لا يمكن الإحاطة بنتائجه على المدى المنظور، و لا شك بأن الحرب على سوريا أفرزت مسارات سياسية و عسكرية جديدة، ستكون مشهدا للشرق الأوسط خلال العقود القادمة، و للالتفاف على تداعيات الانتصار السوري، و تقويض مفاعيله على المستويين الإقليمي و الدولي، لا بد من استراتيجية امريكية تشكل في اهدافها البعيدة و القريبة سبيلا لضعضعة محور المقاومة، و إبطال الزخم السياسي و العسكري لهذا المحور، و بالتالي و بعد الهزيمة الأمريكية الغير معلنة في سوريا، سيتم توجيه الزخم الامريكي نحو ايران، صاحبة النفوذ الاقليمي القوي، و التأثير الدولي الفاعل، و لا شك بأن تغير النظام في ايران هو جزء من الاستراتيجية الأمريكية الكبرى القادمة للشرق لأوسط، و هو حقيقة الأمر ما يُفسر زيارة بومبيو لبيادق واشنطن في المنطقة، و هو ما يؤكد أيضا عبر جُملة التصريحات و التغريدات الترامبية، عزم الرئيس الأمريكي على البدء بترسيخ نظريات الحرب العسكرية و السياسية و الاقتصادية ضد ايران، و قد كانت البداية في انسحاب ترامب من الصفقة النووية الإيرانية و فرض العقوبات الأمريكية على الجمهورية الإسلامية، كما هدد بفرض عقوبات على أي دولة أخرى تشتري النفط الإيراني.
إن انسحاب واشنطن عسكريا من سوريا، لا يعني إطلاقا غياب الدور السياسي و الدبلوماسي التخريبي في المنطقة، فـ الاستراتيجية الأمريكية الجديدة للشرق الأوسط، تعتمد على وجود قواعد عسكرية أمريكية في الدول الإقليمية القريبة من ايران، فالدور الأمريكي لا يعتمد على الضغط العسكري عبر تواجد القواعد العسكرية فقط، بل تسعى واشنطن و عبر أدوتها لاستدامة سياستها و العمل على تحقيق أهدافها، بدء بالبيدق الكردي، مرورا بالحليف الأطلسي تركيا، وصولا للدول الخليجية ذات الأهواء الإسرائيلية، و بالتالي فإن الانسحاب الأمريكي المزمع من سوريا، لا يشكل في ماهيته بعدا استراتيجيا يمكن التعويل عليه لجهة انكفاء الدور التخريبي لواشنطن في المنطقة، حيث أن توزيع الأدوار و بلورة الرؤى، تستكمل ما بدأت به واشنطن، و لا ضير من سياسات تكاملية عبر عنها بومبيو بقوله” عندما يكون لدينا تحد مشترك لا تكون النزاعات بين البلدان ذات الأهداف المشتركة مفيدة و نأمل أن تزيد وحدة مجلس التعاون الخليجي في الأيام والأسابيع والأشهر المقبلة لأن هذه الوحدة ضرورية من أجل تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي”، كلام بومبيو هو ترجمة حقيقية للتوجهات الأمريكية المقبلة في المنطقة، و على اعتبار أن إيران تشكل في تموضعها الاستراتيجي القوي بعدا اقليميا و دوليا ضاغطا على ممالك الخليج و اسرائيل، نتيجة الدور الايراني في محاربة النفوذ الامريكي الارهابي في المنطق، عليه ستكون ايران هدفا امريكيا خليجيا اسرائيليا، في انتظار استكمال الاجراءات التي تُفضي في خواتيمها إلى حرب عسكرية ضدها، و في هذا عين الحماقة الامريكية، نظرا للعديد من الاسباب الجوهرية، على رأسها النفوذ الاقليمي القوي و المؤثر لـ ايران و الضاغط دوليا.
زيارة بومبيو و ما حملته من رسائل تصعيدية ضد ايران، لم تُفلح على ما يبدو في تبديد هواجس أدوات واشنطن في المنطقة، عقب القرار الامريكي بالانسحاب من سوريا، حيث أن هذه الزيارة و ضمن عنوانها العريض، حملت هدفا يراد منه طمأنة الحلفاء، و رص الصفوف لمواجهة النفوذ الايراني، فضلا عن بلورة التحشيد الامريكي لعقد قمة وارسو يومي 13 و 14 شباط المقبل، هذه القمة ستبحث العديد من القضايا و سلم أولوياتها تحشيد اقليمي و دولي ضد ايران، و من المتوقع أن تتمخض هذه القمة لولادة ناتو عربي بقيادة الكيان الصهيوني.
ما يُحاك ضد ايران اقليميا و دوليا، تلقته الجمهورية الاسلامية بالتقليل من أهميته، حيث أن واثق الخطوة يمشي ملكا، و هذا حال إيران، فالدولة ذات النفوذين الإقليمي و الدولي، و المشرف بل و المتحكم بمعابر الطاقة العالمية، لديها الكثير من الأوراق الرابحة سياسيا و عسكريا، فضلا عن حلف قوي يجمعها مع سوريا و العراق و حركات المقاومة في لبنان و فلسطين، يُضاف إليه حلف استراتيجي مع روسيا، كل هذه العوامل ستجعل من أي حلف أمريكي جديد ضد ايران، كـمن يلعب مع الشيطان، و القادم من الأيام سيكشف حقيقة التوجهات الأمريكية الخليجية الاسرائيلية، و ستكشف أيضا حجم القوة الإيرانية و رسائلها التحذيرية
2019-01-18