الشاعر محمد عبد الحدو , وصندوقه الخشبي.
د. عدنان عويّد
التقيت صديقي الشاعر محمد عبد الحدو في منزلي بعد غياب دام لأكثر من خمس سنوات, كان قد غادر فيها وعائلته ديرالزور بسبب الحصار.
تبادلنا أحاديث كثيرة عن الغربة عنده وآلامها, وعن الحصار عندنا ومآسيه…لقد فقد شاعرنا الرائع أبو تمام منزليه بعد أن تدمرا أثناء الحرب على عصابات داعش في الأحياء التي كان يسكن فيها, وعُفش أثاثهما.. كانت الكلمات تخرج مخنوقة وهو يتكلم عن فقدان شقاء العمر في منزليه والأثاث والذكريات الجميلة.
حزنت كثيراً لوضعه ووضع الكثير من أبناء بلدي أولاً وسورية ثانياً الذين شردوا وفقدوا شقاء عمرهم والذكريات وأحلام الطفولة.
فقلت له : أنا لا أملك غير العزاء لك لما أصابك يا صديقي, ونحمد الله على كل حال, لعل الأيام الجميلة تعود.
فقال لي بحسرة: لا أظن أنها تعود كما كانت فالجراح عميقة وهي تنزف.
وهنا تذكرت مقولة للفيلسوف سبينوز يقول فيها : (من السهولة بمكان على المرء أن ينسى فقدان أبيه أو أمه أو أخيه أو أي قريب له أو صديق. ولكن ليس من السهولة عليه أن ينسى فقدان ملكيته).
قلت هذه المقولة لشاعرنا. فابتسم ابتسامة مشبعة بالقهر والألم وهو يقول: لقد صدق صاحبك سبينوزا هذا يا صديقي. واسمع قصة صندوقي الخشبي هذه.
عدل من جلسته قليلاً, وهو يحرك يديه بطريقة تعبيرية ليعبر فيهما عن خوالج, نفسه كونه يعرف أن ملامح وجهه (الميكا) غير قادرة على مشاركته أحاسيسه الداخلية:
قال: عندما نزلنا من القرية إلى ديرالزور المدينة, كفقراء نبحث عن الاستقرار ولقمة العيش, وضعني والدي في دار المكفوفيين كي أتعلم القرآة والكتابة على طريقة (برايل). ولكون منزلنا لا يوجد فيه منضدة, اشترى لي والدي صندوقاً خشبياً من الصناديق التي تعبأ فيها الفواكه سابقاً, ورحت أمارس الكتابة عليه بطريقة الوخز لسنين طويلة, حتى أصبح جزءاً من شخصيتي. وبالرغم من أن أحوالنا المادية تحسنت, وأصبح لدينا منضدة أنيقة, إلا أنني لم استخدمها, وبقيت على صندوقي الذي الفته وألفني وأصبح بالنسبة لي عالمي الذي لا أعرف الكتابة بدونه. ثم تابع حديثه قائلاً بعد أن أدخل محرمة ورقية تحت نظارته ومسح بها دموعاً لم يستطع حبسها:
لقد بقي هذا الصندوق يرافقني منذ عام 1964 حتى عام 1979. ففي نهاية عامه الأخير لم يعد يتحمل ثقل وخز وضغط يدي عليه أثناء الكتابة… لقد تهاوى وفقد عزيمته وخر متكسرا كجريح معركة كانت جروحه بليغة.. حاولت اصلاحه ولم ينفع فيه الإصلاح. لقد تكسر. وعندها كتبت فيه قصيدة رثاء قلت في مطلعها:
أدغدغ ظهرك بالقلم المعدني…. فهلا تثاقلت من شدة الوخز
كيف لا يتعب الوخز جدرانك الصامته
ثم عقب قائلاً: نعم هي ألْمِلْكِيَةُ يا صديقي حتى وإن لم تكن شقاء العمر, فهي شريكة العمر والروح, يحزننا جداً فراقها ولا يمكن أن ننساها.
نظرت إلى وجهه الذي غابت عنه ملامح الفرح والحزن معاً منذ ان فقد النظر في طفولته لتضل هذه الملامح حبيسة روحه وقلبه وأنا أقول: كان الله بعنوك أبا تمام وعون كل من فقد شقاء عمره وذكرياته الجميلة في حلوها ومرها. فمن يكون وفياً لصندوق خشبي رافقه حيزاً من عمره, لا بد أن يكون قمة في الوفاء لوطنه وأصدقائه, وأنت من هؤلاء الأوفياء. لك كل المحبة يا صديقي الوفي.
