السيد المرجع
والعلاقة الوثيقة بين العروبة والإسلام
معن بشور
15 سنة على رحيله، وكأنه ما زال بيننا بمواقفه الجريئة وفكره الغزير، ونهجه الوحدوي الأصيل، وإنجازاته المؤسساتية الزاهرة.. إنه العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله (رحمه الله) الذي ما زرته يوماً إلاّ وخرجت ممتلئاً علماً وفكراً ورؤى مستقبلية، بل ممتلئاً ثقة بانتصار أمّتنا ورسالتها الإنسانية الخالدة.
في لقاءاتنا المتكرّرة مع سماحته، والتي كان بعضها يحصل في أصعب الظروف وأحلك الأيام، كنا نخرج من الجلسة معه أكثر إيماناً بعدالة قضيتنا، وأكثر ثقة بقدرة أمّتنا على المقاومة، وأكثر اعتزازاً برسالة أمّتنا الروحية والحضارية، وأكثر إدراكاً لعمق العلاقة بين العروبة والإسلام.
وأن أنسى لا أنسى، تلك الجلسة التي عقدناها مع سماحته أنا وعدد من الأخوات والأخوة نسأله عن رأيه في شعارات ملأت جدران العاصمة تقول: “لا للعروبة.. لا للصهيونية.. نعم للإسلام”.
انتفض سماحة السيد منفعلاً، وقلّما يظهر منفعلاً، وقال بالحرف: هي إساءة للإسلام، لأن أعظم فضائل الإسلام تجلّت في العروبة، وطبعاً كان يميز دائماً بين العروبة كرسالة وهوية وإرث حضاري عريق، وبين بعض حكام العرب الذين تنكروا لعروبتهم، كما تنكّروا لإسلامهم، بل تآمروا عليها.
يومها سألت سماحة السيد فضل الله: “هل لديك مانع من أن تقول هذا الكلام في حديث لمجلة “المنابر” التي كانت قد صدرت حديثاً في ربيع عام 1987، أجاب السيّد (رحمه الله) “بالتأكيد، وبكل سرور”، وهكذا كان، وكان حديثه مدوياً وذا أثر بالغ في أوساط لبنانية وعربية وإسلامية واسعة وساهم من الناحية الثقافية والفكرية في إطفاء نار أراد أعداء الأمّة إشعالها بين العروبة والإسلام خدمة لأعداء الإسلام والعروبة.
مع تلك المقالة التي تصدّرت مجلة “المنابر” يومها تبلورت فكرة التلاقي بين العروبيين والإسلاميين في المؤتمر القومي – الإسلامي، فبدأت مرحلة جديدة من العلاقات، بعد أن ظنّ كثيرون أن لا تلاقي فيها بين العروبة كهوية والإسلام كعقيدة.
وفي العديد من جلسات افتتاح دورات المؤتمر القومي – الإسلامي الذي انطلق عام 1994، كان لكلمات السيد فضل الله فيها دفع مهم، بل يمكن القول أن السيّد فضل الله قد أسدى خدمة كبيرة للعروبة حين أكّد أنها “الإطار الأمثل الذي تجلّت فيه فضائل الإسلام”، كما قال في حديثه آنذاك لمجلة “المنابر”.
واليوم، وبعد 15 سنة على رحيله ندرك كم نفتقد أفكاره وفضائله وروحه الوحدوية الرائعة، وكم تثبت أمّتنا العربية والإسلامية أنها وفيّة لهذه العلاقة رغم كل ما تعرّضت له من محاولات للإيقاع بين هويتها وعقيدة الأكثرية الساحقة من أبنائها.
واليوم، ومع وقفة الأغلبية الساحقة من أبناء الأمّة العربية انتصاراً للجمهورية الإسلامية في إيران بوجه العدوان الصهيو – أمريكي، متجاوزين كل محاولات الإيقاع بين العرب والإيرانيين، وبين الترك والكرد والعرب، نستعيد كلمات السيّد فضل الله (رحمه الله)، لندرك أن أمّة فيها علماء وعقلاء وشرفاء كالسيد فضل الله لا يمكن أن تهزم، لاسيّما حين ندرك أن أبرز هذه الأفكار المنيرة عند السيد فضل الله وعند كل شرفاء الأمّة هو التمسك بالمقاومة بكل تجلياتها، وأن أعظم رجالات الأمّة ونسائها هم المقاومون من مشرق الوطن الكبير حتى مغربه، ومن أندونيسيا حتى موريتانيا.
3/7/2025