اذا اراد الله محق الطغاة وسع لهم في الحياة والملك والقوة، فتمادوا في الظلم، فحق عليهم قول الله، فاستحقوا عقابه، فسقطوا. ما اكثر مصاديق هذه الحقيقة، ذكر القرآن الكريم بعضها ووثقت كتب التاريخ الكثير منها. وما يمارسه طغاة السعودية والبحرين يكشف عمق الغواية التي اسقطهم غرورهم فيها، فاصبحوا يمارسون الظلم بابشع اشكاله. فمن يقتل ابناء اليمن يوميا بطائراته وصواريخه معتقدا ان ذلك سيحميه من السقوط، انما يغوص في غيه “وظنوا انهم مانعتهم حصونهم من الله، فأتاهم من حيث لم يحتسبوا”. والذين يبالغون في الاستبداد والقمع والتنكيل بابناء البحرين، انما يتصرفون بوحي الشيطان الذي يزيهم غيا الى غيهم. والذين يتصدون للدين ويستهدفون مبادئه واهله وشعائره انما يؤسسون لسقوطهم المحتوم. والذين يعتقدون ان المال والسلطان والسلاح والزيف والدجل اساليب ناجعة في التصدي للبشر وسلب حقوقهم المشروعة، فما ابعدهم عن الصواب، وما اقربهم من الضلال. في الشهر الماضي حدثت تطورات عديدة في البحرين ومحيطها، ستساهم في توجيه المسارات السياسية في المنطقة، منها ما يلي:
اولا: ان الخليفيين امعنوا في الظلم ووالاضطهاد والقمع والاستبداد بوتائر غير مسبوقة. من ذلك تكثيف حملتتهم المباديء والقيم الدينية، واعلانهم مؤخرا انهم سيفرضون نمط فكرهم المؤسس على التطرف الوهابي وسيفرضون على السكان الاصليين ما يسمونه “قانون الاحوال الشخصية” ليتحدوا به مراجع الدين وعلماء الاسلام، برغم تكرر رفضهم ذلك. هذه الخطوة التي يفرضها نظام حكم منحرف يمارس الفساد على اوسع نطاق، محاولة اخرى ضمن الحرب النفسية لكسر شوكة الشعب. غير انها ستبوء بالفشل وسيدفع الخليفيون ثمن ذلك بتعجيل سقوطهم. وكان الخليفيون قد امعنوا في التصدي للشعائر الحسينية خلال موسم عاشوراء، فاستهدفوا مظاهرها وهددوا مآتمها ومنعوا الشعارات السياسية التي هي احدى السمات المحورية لثورة الامام الحسين عليه السلام. كما رفعوا عقيرة الدفاع عن الطاغية السفاح يزيد بن معاوية الذي قتل آل بيت رسول الله، واعتقلوا من انتقد المشروع اليزيدي مثل الاعلامي فيصل هيات، انتقاما منه لتوثيقه ما تعرض له من تعذيب اثناء اعتقاله في 2011. يضاف الى ذلك تصعيد عدوانهم على سماحة الشيخ عيسى قاسم����������� ، واصدار احكام سجن قاسية بحق العلماء الذين شاركوا في التحشيد للحضور عند منزله لحمايته من ايدي الخليفيين المجرمين. وكثف الطغاة حصارهم على منطقة الدراز اعتقادا منهم ان ذلك سيؤدي لحالة تململ شعبي تجعل قرار اعتقاله وابعاده عن البلاد امرا مقبولا لدى سكان الدراز، خصوصا اذا توازى مع ذلك رفع الحصار عنها. ويعاني اهالي المنطقة من تشديد الخناق الخليفي عليهم، فلا يستطيع احد دخول المنطقة او الخروج منها الا بعد اجراءات مزعجة، كما يعاني اطفال المدارس ازمات يومية بسبب هذا الحصار الذي يشبه الحصار الصهيوني على منطقة غزة. وبرغم تصاعد المطالبة باطلاق سراح نبيل رجب الا انهم يصرون على التنكيل به ونقله الى زنزانة انفرادية والتضييق عليه بحرمانه من العلاج المناسب بعد تدهور حالته الصحية. الخليفيون دخلوا في حرب حاسمة مع شعب البحرين، وهذه التطورات تؤكد حتمية التغيير في البحرين، فاما ان يتلاشى السكان الاصليون (شيعة وسنة) او يسقط الحكم الخليفي الى الابد.
ثانيا: ان السعودية تمر بمرحلة صعبة بعد ان اخفقت كافة سياساتها الخارجية. فحربها على اليمن تزداد وحشية، الامر الذي ارغم الامريكيين والبريطانيين على اصدار امر لآل سعود بوقف اطلاق النار، وذلك في اجتماع عقد الشهر الماضي في لندن، ضم وزراء خارجية البلدان المعنية. ولكن سرعان ما انتهك السعوديون وقف اطلاق النار وعادوا للقصف الوحشي وكثفوا من ارتكابهم جرائم حرب واسعة. وهكذا اصبح العالم امام اختبار صعب: فاما الخضوع للموقف السعودي الذي يصر على حرب استنزاف يعتقد ان اليمن سيخسرها، او اتخاذ موقف جديد يردع المعتدين السعوديين ويعتبرهم مجرمي حرب بشكل علني، بدون مواربة او مجاملة. وكان السعوديون قد انزعجوا كثيرا من صدور قانون “جاستا” من قبل الكونجرس الامريكي، الذي يسمح لعائلات ضحايا حوادث 11 سبتمبر التقدم بشكاوى ضد الحكومة السعودية بعد ان ثبت ضلوع بعض افرادها في تمويل العناصر المتطرفة من القاعدة الذين قاموا بعمليات انتحاربة بالطائرات وقتلوا اكثر من 3000 شخص في حوادث 11 سبتمبر. وتواجه العلاقات الامريكيةالسعودية مرحلة امتحان صعب بعد ان اصبح الجانب الامريكي يتعرض لضغوط كثيرة لتغيير سياساته تجاه النظام السعودي.
ثالثا: ان التطورات الاقليمية الاخرى تساهم بشكل كبير في اضعاف الاستراتيجية السعودية الهادفة لبسط النفوذ الاقليمي على اوسع نطاق. ومن ذلك خروج مصر من التحالف السعودي اذي تقوده السعودية في الحرب على اليمن. وهناك شرخ كبير في العلاقات المصرية السعودية الى الحد الذي دفع مصر للمشاركة في مؤتمر “جروزني” الذي سحب البساط من المذهب الوهابي الذي تعتبره السعودية دينها الرسمي وتحارب من اجل نشره. وتركيا هي الاخرى لا تتمتع بعلاقات حسنة مع السعودية بعد ان ثبت ضلوع بعض المسؤولين السعوديين في المحاولة الانقلابية الفاشلة على اردوجان. كما ان تقارب تركيا مع روسيا وايران ازعج السعوديين كثيرا. يضاف الى ذلك
رابعا: السعوديون قلقون من مستقبل مجلس التعاون الخليجي الذي استخدموه وسيلة لتوسيع نفوذهم الاقليمي وعلاقاتهم الدولية. والقمة المزمع عقدها في شهر ديسمبر بالرياض، مهددة بالتفرج من الداخل. فهناك شعور يتعمق لدى انظمة الخليج بخطر التمدد السعودي الذي سيعمق النزعة التوسعية لحكام الرياض. وتتصدر عمان الموقف الاستقلالي الذي لا ينقاد للسعوديين. فقد رفضت مسقط مشروع “الاتحاد الخليجي” الذي حاول السعوديون فرضه على المجلس قبل خمسة اعوام، ولم توافق عليه الا العصابة الخليفية. يومها هددت سلطنة عمان بالانسحاب من مجلس التعاون اذا اعلن قيام الاتحاد المذكور. هذه المرة وقفت عمان ضد الحرب على اليمن، واستضافت بعض زعماء انصار الله وحزب المؤتمر، واصبحت عمان معبر الرسميين اليمنيين الى الخارج. وفي الشهر الماضي اتهمت السعودية سلطنة عمان بتسهيل مرور بعض الاسلحة والاغذية للشعب اليمني المحاصر، مدعية بان عملاءها اوقفوا شحنات اسلحة من ايران لليمن، ولكن لم يثت ذلك حتى الآن. الامر المؤكد ان السعودية منزعجة من سلطنة عمان، وانها قد ترتكب حماقة كبرى باستفزازها، الامر الذي سيؤدي حتما لتفجر قمة الرياض من الداخل. واذا لم تفعل ذلك فيتوقع المزيد من المواقف والتحركات العمانية لدعم الشعب اليمني خصوصا بعد صدور دعوات وقف اطلاق النار. ايا كان الامر فالسعودية لم تعد قادرة على ابقاء المشروع الخليجي قائما ما لم تحدث تغيرات في المنظومة السياسية الخليجية. الامر الذي لا يمكن الجدال فيه ان السعودية تعاني من تصدعات داخل مجلس التعاون كما من داخل البيت السعودي نفسه. ولا يستبعد المراقبون حدوث تصدع واسع في منظومة مجلس التعاون خلال القمة المقبلة او بعد انتهائها.
لقد بلغ السيل الزبى، وتجاوز السعودية فترة عمر نظامهم الافتراضي، وان مرحلة السقوط تقترب تدريجيا، خصوصا مع تصاعد حالة السخط داخل البيت السعودي نفسه. وستكشف الشهور المقبلة مدى قدرة الحكم السعودي على البقاء في مهب رياح عاتية اقليمية ودولية. واذا اضيف لذلك اقتراب مرحلة حسم الصراع مع المجموعات المتطرفة والارهابية، بهزيمتهم في العراق وسوريا ولبنان وليبيا، فان مرحلة الهيمنة السعودية على شؤون المنطقة تبدو في حالة انحسار كبير. الخليفيون ما يزالون يعيشون ثمالة بعد ان غرفوا من نخب التوسع السعودي، ولذلك فعليهم الاستعداد لخسارة الموقف، والاعتراف بان نضال شعب البحرين لن يوفرهم بعد اليوم.
اللهم ارحم شهداءنا الابرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفك قيد أسرانا يا رب العالمين