من تراثنا العربي
السلطة المطلقة
علي رهيف الربيعي
تكاد عبارة اللورد أكتون Acton الشهيرة ” السلطة المطلقة مفسدة مطلقة” لا تنطبق على حاكم في التاريخ قدر انطباقها على ” عبد الملك بن مروان ( الذي حكم من ٧٣ – ٨٦ هج) المؤسس الثاني للدولة الأموية، فقد عرف عنه قبل أن يتولى الحكم الزهد والورع ، يقول عنه السيوطي : ” كان عابدا زاهدا ناسكا في المدينة قبل الخلافة (1) . ” وقال نافع : لقد رأيت المدينة وما بها شاب أشد تشميرا (2) ، ولا أفقه ولا انسك، ولا اقرأ لكتاب الله من عبد الملك بن مروان ” (3). ومن هنا فقد عرف عبد الملك بن مروان بحمامة المسجد لمداومته على تلاوة القرآن (4).
وعندما التقى عبد الملك بن مروان في مسجد الرسول بأحد جنود الجيش الذي ارسله يزيد بن معاوية لمقاتلة عبد الله بن الزبير راح يؤنبه تأنيبا شديدا :” اتدري إلى من تسير ؟، إلى اول مولود في الإسلام (5) ، وإلى ابن حواري رسول الله ، وإلى ابن ذات النطاقين، وإلى من حنكه رسول الله.. ثكلتك امك، أما والله لو ان أهل الأرض أطلقوا على قتله لأكبهم الله جميعا في النار” (6) منهتى التقوى والورع فلننظر إليه عندما أصبح صاحب سلطة مطلقة :
عندما علم انه بويع بالخلافة” أفضى الأمر إليه، والمصحف في حجره فاطبقه وقال : هذا آخر عهدنا بك ” .. وهكذا بدا خلافته.
ثم عرض عبد الملك سياسته بوضوح شديد في خطبة شهيرة عام ٧٥ فقال :
” اما بعد ، فلست بالخلفية المستضعف ( يعني عثمان) ولا الخليفة المداهن ( يعني معاوية) ولا الخليفة المأفون ( يعني يزيد)، ألا إني لا أدواوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم .. الا إن الجامعة (7)، التي جعلتها في عنق عمرو بن سعيد عندي، والله لا يفعل احد فعله إلا جعلتها في عنقه. والله لا يأمرني احد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه. ثم نزل “.
وقف عبد الملك بن مروان على منبر الرسول في المدينة ليعلن انه لا يكترث برضا الناس ولا يأبه بحبهم له :
يا معشر قريش، إنكم لا تحبوننا ابدا، وأنتم تذكرون يوم الحرة، ونحن لا نحبكم ابدا ونحن نذكر مقتل عثمان” (😎.
اي ان الكراهية متبادلة، لكن ذلك لا أهمية له مادامت الجامعة عندي والسيف في يدي” مما يذكرك بعبارة كروميل : ” تسعة مواطنين من أصل عشرة يكرهوني..؟ وما أهمية ذلك إن كان العاشر وحده مسلحا؟” (9).
لكن ماذا فعل مع عبد الله بن الزبير بعد الكلمات الرقيقة الجميلة التي قالها عنه قبل أن يتولى السلطة؟. وضع ترتيبات محكمة : فقد جهز له جيشا من أربعين ألف مقاتل على رأسه الحجاج بن يوسف الثقفي فحاصره بمكة شهرا ، ورماه بالمنجنيق، وخذل ابن الزبير أصحابه وتسللوا إلى الحجاج ، فظفر به وقتله وصلبه عام ٨٣ هج ، وهو التاريخ الذي تدعمت فيه خلافة عبد الملك بن مروان ” وصحت” على ما يروي السيوطي (10).
ما ارخص عنق المواطن، وما أشد جبروت الحاكم، اليوم وامس وغدا. إلغاء كامل لآدمية الإنسان ، فلا نقاش ولا سؤال ولا إستفسار ، بل طاعة عمياء خرساء اسوء من طاعة العبيد، لأنها طاعة الدواب، اي امتهان لكرامة المواطن، وما الذي يفعله حكام اليوم سوى ما فعله حكام الأمس؟
المصادر :
(1)العقد الفريد، المجلد الرابع ص ١٧٥، دار الكتب العلمية _ بيروت ١٩٨٧
(2) تاريخ الخلفاء ص ٢١٦.
(3) أشد تشميرا و: أكثر جدية.
(4) المرجع نفسه.
(5) د. عبد المنعم ماجد ” التاريخ السياسي للدولة العربية” ص ١٠٤، مكتبة الأنجلو المصرية عام ١٩٨٢.
(6 ) عبد الله بن الزبير، أمه اسماء بنت ابي بكر، وهو اول مولود ولد للمسلمين بعد الهجرة، وقد فرحوا لولادته فرحا شديدا، لأن اليهود كانوا يقولون : سحرناهم فلا يولد لهم ولد، فحنكه رسول الله بتمرة لاكها في فمه بعد ولادته. وسماه عبد الله، وكناه ابا بكر باسم جده الصديق، انظر تاريخ الخلفاء ص ٢١١.
(7 ) الجامعة : القيد الذي يجمع اليدين إلى العنق
(8 ) العقد الفريد، المجلد الرابع ص ١٧٨.
(9 ) تاريخ الخلفاء ص ٢١٥.
2026 /10 /25