الساكت شيطان أخرس!

رنا علوان
في مُفارقة جليّة بين الكتّاب العرب الذين يحاولون تسخيف المُبادرة التي اقدمت عليها جنوب افريقيا ، نجد ان احد الكُتاب من ابناء العدو الإسرائيلي يكتب ما يلي
يقول الكاتب بي مايكل في مقاله بصحيفة هآرتس
ربما تكون جنوب أفريقيا اختارت رفع قضية ضد إسرائيل بتهمة “الإبادة الجماعية في غزة” ، لأنها وجدت فيها الطريقة الوحيدة لإجبارها على المُثول ، على وجه السرعة أمام محكمة العدل الدولية ، على أمل أن تصدر بعض الأوامر المؤقتة ذات التأثير ضدها
ويوضح من جانب اخر ، أن إسرائيل رأت في تلك التُهمة فرصتها للتركيز على محاولة لدحضها أيضًا ، وبالتالي تحويل النقاش عن جميع الفظائع الأخرى التي ترتكبها في قطاع غزة
يُضيف بي مايكل انه بالظبط هذا ما حدث ، عندما حطم المحامون الإسرائيليون كل الأرقام القياسية المُمكنة فيما يتعلق بالدفع بالبراءة المزعومة ، كما ويكمل الكاتب الإسرائيلي “بتهكم”
[ لتوضيح الحجم الهائل لمستوى الكذب والتضليل لدى فريق الدفاع الإسرائيلي ، “إنه لو تم توصيل جهاز كشف الكذب بأحد المحامين الإسرائيليين أثناء خطاباته لانهارت شبكة الكهرباء في لاهاي ، ولبقيت المدينة في الظلام حتى يومنا هذا” ]
“لقد أطلقنا النار فقط على الإرهابيين … لقد حذرنا السكان بالمنشورات … لقد حددنا لهم بالضبط أين يجب أن يذهبوا … ودمرنا الأحياء حتى يمكن تطهيرها وإعادة بنائها ، وكأن الإرهابيين أقزام يختبئون خلف الأطفال أو مخنثون يختبئون خلف النساء أو مصابون بهشاشة العظام يختبئون وراء كبار السن والمرضى والأطباء والصحفيين وذوي الإعاقة” يقول هذا ساخرًا
ويضيف لحسن حظ إسرائيل أيضًا «يتهكم الكاتب» ، ان جنوب أفريقيا اختارت لسبب غير واضح التركيز بشكل شبه كامل على ما يحدث في غزة بدلًا من الحديث عما يجري على جميع الأراضي المُحتلة ، غزة والضفة الغربية والقدس ، فالأمر يتعلق بأمة واحدة يُداس أفرادها تحت أحذية نفس المحتل
ومن دلائل الخبث والشر ، أن إسرائيل أنكرت لسنوات وجود الشعب الفلسطيني ، وبذلت جهودًا حثيثة لإنكار وجوده في الوعي العام والخطاب ، وأصدرت قوانين لتشريع سرقة جميع ممتلكاته ، حتى جعلت سرقة أراضيه عملًا مقدسًا ، بل إن حياته صارت لعبة عادلة ، لدرجة أنه أصبح بإمكان أي طفل يحمل مسدسًا أن يطلق النار على الفلسطيني متى ما شاء ، ويكفي أن يقول “شعرت بالتهديد” ليتمتع بالحصانة
يُكمل مايكل بإضافة طرحه ، لو أن جنوب أفريقيا أضافت الأوضاع في الضفة والقدس الشرقية لمرافعتها ، لاكتسب خطابها وزنًا إضافيًا ، ولأوضحت حقيقة مهمة ، وهي أنه لن ينعم أحد هنا بالسلام إلا إذا حصل كل واحد منا على أرضه الخاصة
أما حرية الفلسطينيين وحرية تنقلهم وتعبيرهم ، مثل حقهم في تقرير المصير والدفاع عن النفس ، فكل هذا تم دهسه ، وما زال يداس كل يوم ، فنصف الشعب تقريبًا في قفص ، والنصف الآخر يتعفن في ظل دكتاتورية عسكرية وظروف معيشية تبدو وكأنها مصممة خصيصًا لتثقل حياته وتدفعه للتواري عن الأنظار
ولو أن جنوب أفريقيا قد جادلت ، على هذا المنوال ، لأوضحت حقيقة مهمة ، أنه لا سلام هنا ، لكن العرض لم ينتهِ بعد ، ففي 19 فبراير/شباط ستجتمع المحكمة مرة أخرى لتناقش إسرائيل ، حيث طلبت منها الجمعية العامة للأمم المتحدة استشارة تتعلق “بالتبعات القانونية الناشئة عن سياسات وممارسات إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة ، بما فيها القدس الشرقية”… “انتهى مقال بي مايكل”
نجد اعلاه كيف تهكم الكاتب على من هو منهم ، وقدم نصيحة اضافية لهذه الخطوة الجريئة والمُحقة ، بينما الاقلام العربية حتى تلك المعروفة بنزاهتها ، سخفت الخطوة بحجة عدم الثقة بالمحاكم الغربية وان لا فائدة منها على الاطلاق متناسيًة وقع الاعلام على الجمهور وتأثيره ، لا بل وخطورة اللعب على الخبر وتميعه
حتى اصبح البعض منا يخدم العدو دون ان يشعر ، لسبب بسيط ان فئة كبير من جمهور الوطن العربي ، تتأثر بشكل كبير بأشخاص مُعينة نتيجة عدم ممارستها للغوص في عالم السياسة بشكل يومي ، وذلك يعود لكثرة انشغالهم في الحياة وتأمين معيشتهم ، فنجدهم يصطفون اشخاص مُعينة في هذا المجال ، يجدون فيهم النزاهة والتحليل الصائب من قراءة الاحداث ، ليصبح بعدها كلام هؤلاء بمثابة ( كلام مُنزل وقاطع لشك باليقين )
ان من مسؤولية الاعلام اليوم ان يضع نصب اعينه في الدرجة الأولى هو مدى تأثيره على الجمهور ، وان اي كلمة لها صدى حقيقي في حال فُهمت بشكل خاطئ ، ولطالما كان هذا المجال سيف ذو حدين ، والا لما استمات الغرب للسيطرة عليه وخاصة اليهود
كما انه مجال حقيقي لفعل المقاومة ونصرتها ، وساحة حرب بشكلها المختلف ، ووقع الكلمة كوقع الرصاص ، فلا يجب ان نخدم العدو لأجل سبق صحفي ما ، يكون فيه غلبة لعدونا علينا ، وبالتأكيد هنا مع عدم نفي حسن النية المُطلقة ، فلسنا بصدد تخوين احد ، الامر فقط ( كمن جاء لكي يُكّحلها فعماها )
ختامًا ، ان ما اقدمت عليه جنوب افريقيا يجب الاضاءة عليه وبقوة ، كي نساعدها على انجاحها ، وان نتصدى لسياسة كم الافواه ، فمن حقنا ان نتكلم وندافع وان يعلو صوتنا حتى تُبح حناجرنا ، فنحن في معركة وعي اليوم اكثر من اي وقت مضى ، والساكت فيها شيطان اخرس
2024-01-18