الركض بأجنحة!
ابو زيزوم.
في سجن صحراوي معزول تحيط به حقول الألغام من جميع الجهات قررت السلطات ذات مساء ان تفتح لنزلائه الأبواب دون سابق إنذار ، فتدافعوا خارجين حتى اختنق بهم الباب . سجناء سياسيون أقلّهم موتاً الذي مكث ثماني سنوات بين هذه الجدران الرتقاء ، وبعضهم نيّف على العشرين . كانت هذه الفرصة تداعب ارواحهم الحبيسة بلا انقطاع منذ يومهم الاول الى ان حلّت . فلما لفظهم السجن جميعاً خبا ذلك الاندفاع الجنوني الذي تملكهم لحظة انقشاع الأبواب الحديدية وتنحي الحراس جانباً يتابعون بذهول مشهداً نادر الحدوث .
خمسون رجلاً تباطأوا على حافة الظلمة الحالكة يتناوشهم ضياء خافت يتسرب من خصاص النوافذ ليتمكن واحدهم من تمييز صديقه مستجدياً المشورة . فالشتاء في أوج صولته يوشك ان يجمد الأثير ويحيله معدناً شفافاً ، والألغام فاغرة أفواهها لإلتهام مَن تسول له نفسه الاقتراب . وهناك جنود مسلحون لم يغادروا ابراج السجن ربما أوكلت اليهم مهمة قتل هؤلاء السياسيين بحجة انهم كسروا الأبواب وحاولوا الهرب فتطوى صفحة ممضّة تصيب الحاكم بنوبات صداع .
الوحيد الذي لم يشاور أحداً رجل هزيل البدن غائر العينين انفرد جانباً لأنه بلا صديق ، فالسنوات الثلاث عشرة التي ماتها هنا لم تستطع ان تخرجه من قوقعته فبقي حبيس ذاته منطوياً عليها كأنه من غير طينة البشر . ثلاثة عشر عاماً وخياله يتفنن برسم صور للخلاص ليس بينها عتق كهذا يفاجىء ليلة متجهمة ترفل بالزمهرير . وربما استدر موقفه البائس شفقة احد الحراس فاقترب منه وهمس في أذنه بأن حقول الألغام ليست الا كذبة أُريدَ منها كبح فكرة الفرار من عقول السجناء . طرقت العبارة سمعه كما تطرق كلمة السر اسماع الجنود المتأهبين للهجوم فأطلق ساقيه للريح كأن اجنحة بزغت من جنبيه . وبعد ساعات من الجري المتواصل شعر انه على اعتاب الدنيا فتوقف يلتقط انفاسه ويتأمل بلب شارد عمراً مضى كأحلام الكرى .
وأوقف سيارة كانت تمر على الطريق ، ونسي ان يلقي التحية على راكبها الوحيد لأن مذياعها كان ينقل خبراً عاجلاً عن عملية فرار جماعي لخمسين سجيناً انتهت بمقتل نصفهم في حقول الألغام والنصف الاخر برصاص الحراس ، ويجري البحث عن سجين لم يتم التأكد من مصيره .
( ابو زيزوم _ 1027 )
2021-03-22