الرق وطبعته التكفيرية الجديدة!د.موفق محادين.
لا يقتصر الحديث عن الرق على حقبة أو حقل أو على جنس أو لون أو عرق أو عمر معين، فقد شمل الرجال والنساء، من الملونين والسود والبيض، الصغار والكبار وعبر كل الحقب بما فيها الحقبة الرأسمالية (البغاء أو عبودية العمالة المهاجرة الرخيصة) كما انتقل من رق الأسرى في الحروب إلى رق الأرض، إلى رق النساء والرق السياسي المعاصر، بحسب تعبير قديم لـ روسو.
وإذا كنا سنتحدث ابتداء عن رق الذكور، فإن استرقاق النساء على شكل سبايا واماء وجاريات لا يقل إجراما عن الرق الأول، من أثينا إلى روما إلى اليهودية والرأسمالية وما بينهما، وخاصة ما تناوله السيوطي في كتابه تاريخ الخلفاء ة، وما تناوله آخرون عن الجواري والسبايا في قصور سلاطين آل عثمان.
فقد تراوحت الجواري في قصور الأمويين والعباسيين والعثمانيين بين 500 و1000 جارية، بل أن المتوكل المصنف ضمن الحنابلة، كان يملك الاف الجواري واقعهن جميعا، بحسب كتاب تاريخ الخلفاء للسيوطي، مؤرخ أهل السنة والجماعة (ص271).
بالإضافة إلى هذا العالم، لنا أن نضيف المرتزقة الحاليين إلى عالم العبيد (العموميين) المأجورين، وآخرهم مرتزقة أردوغان من التركمان والتكفيريين العرب والسوريين.
الرق بحسب الياس مرقص:
يذكر المفكر السوري الراحل، الياس مرقص في دراساته وترجماته عن الأرقّاء، أنهم كانوا يعاملون مثل الماشية بعد أن انتقلت الطبقات السائدة المتنفذة من أكل الإنسان إلى استعباده، ومن استهلاك لحمه إلى استهلاك قوة عمله في ظروف غير إنسانية وصلت حد التخلص منهم في حال المرض، بدفنهم أحياء أو برميهم في البحر إذا كانوا ضمن جدّافي السفن.
وقد ازدهرت تجارة العبيد عبر طرق عديدة، من خلال الحرب (الرق عند اليهودية وتأويلات المتأسلمين التكفيريين) إلى اصطيادهم وتربيتهم وبيعهم مثل الفراء والعاج والبضائع في حقبة الاستعمار الأوروبي والأمريكي الرأسمالي.
وقد اختلفت غرامات قتل العبد من ملّاك آخرين، بحسب كل ثقافة وجماعة وكانت قريبة من الغرامات الخاصة بالحيوانات..
أبرز جماعات الاسترقاق أو التي اعترفت بالرق:
ابتداء من الإغريق، أرباب الفلسفة والملاحم الشعرية، كانت أثينا تضم مئتي ألف رقيق مقابل عشرين ألف حر فقد كان الأرقّاء من الرجال والنساء الغرباء لا يعاملون كالبشر، سواء في المناجم أو المنازل (3مليون عبد)، ومن النادر أن تجد فيلسوفا واحدا من سقراط إلى ارسطو قد تعاطف مع الأرقّاء، بل أن افلاطون لم يميز بين البشر والأشياء.
ومثلهم روما (ملايين العبيد)، أما اليهودية فهي الأسوأ على الإطلاق من حيث تشريع ذلك وفق نظرية (الشعب المختار) مقابل الأغيار (الغير) (كل من هو غير يهودي) الذين يساوون البهائم الذين خلقهم الله لخدمة اليهودي.
ومن الأزمنة التالية، الرأسمالية، فقد ازدهرت الرأسمالية الأولى (أسبانيا، والبرتغال) من تجارتين: الذهب والعبيد، ثم هولندا ثم بريطانيا التي كان لديها في القرن ال17 (2700 سفينة) لشحن ثمانية ملايين عبد، تم اصطيادهم كوحوش من غابات افريقيا والهند الغربية) بل أن لندن نفسها ظهرت في البداية كميناء للعبيد وكان نصف أعضاء البرلمان البريطاني من تجار العبيد.
أما أمريكا فقد تأسست ابتداء على استرقاق العمالة البيضاء ثم السوداء لتجفيف المستنقعات، وكان الذين برزوا كقادة لهذا البلد من تجار العبيد، من كولومبوس إلى جورج واشنطن.
ويشار هنا إلى أن عملية استرقاق الأفارقة والآسيويين، جرت تحت شعار تمدين المتوحشين الكفار، وعبر عنها الشاعر البريطاني، كيبلنغ، صاحب القول الشهير: الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا.
إلى ذلك وبالرغم من الخطاب الرأسمالي العنصري، فقد عرفت أوروبا أصواتا مناهضة للرق، ولا سيما الأصوات التي سبقت الثورة الفرنسية أو عاصرتها، مثل: فولتير، ميرابو، وروسو وكذلك الأصوات التي ارتفعت مبكرا احتجاجا على التمييز ضد النساء.
تأويلات المتأسلمين والرق:
إذا ناقشنا موضوع الرق من زاوية فائض الإنتاج وقوة العمل الضروري له، ففائض الإنتاج في الحالة العربية قبل الإسلام لم يكن ناتجا عن قوة العمل والأرض والمناجم كما هو الحال في أثينا وروما ثم أوروبا الإقطاعية، بل كان مزيجا من فائض الغزو والقطعان (الرعاة) مما جعل من العبيد أقرب إلى خدم الشيوخ (المنازل في الأزمنة الحديثة) وأحيانا يندمجون في القبيلة على شكل المولى (بين الحر والعبد المعتق) أو على شكل مقاتلين.
بالمقابل تربط تأويلات المتأسلمين الرق بأسرى الحرب مع (الكفار) ويركزون على المعاملة الحسنة للرقيق التي تصل إلى حد (فك الرقبة) ولا يدخلون في سجالات حول فكرة الرق نفسها، التي سمحت لمواقف شبه عنصرية من الرقيق كما في كتابات ابن خلدون والمقدسي والإصطخري (مسالك الممالك)، وعند شيخ معاصر هو الشيخ صالح الفواز الذي اعتبر الرق جزءا من الإسلام وعلى الدولة الإسلامية أن تحافظ على حقوق تجار الرق مثل أي تجارة وذلك ناهيك بمواقف وسلوك الجماعات التكفيرية ومنها داعش.
ولعل هذه (السيولة) في مقاربة الرق، قد وفرت الغطاء قديما وحديثا لاتساع تجارة الرق في بعض الأوساط الإسلامية سواء في افريقيا الداخلية أو الشرقية (زنجبار وموزامبيق واثيوبيا أو عبر خط الصحراء “مالي والنيجر..الخ) وتكمن أهمية هذه الملاحظة في دحضها لفكرة اقتصار الرق في الحالة الإسلامية على الحروب، إذ تظهر حالة الرق في افريقيا المذكورة، شكلا من التجارة يتعدى الأسرى ورق المنازل، بل أن أحد أسباب حركة المهدي في السودان، هو التنافس بينه وبين الاستعمار البريطاني على هذه التجارة.
ومن المؤسف أولا أن الشرق العربي تأخر كثيرا في إنهاء الرق الذي استمر في موريتانيا ومناطق الجزيرة العربية، واليمن حتى سبعينات القرن الماضي، بل أن (إلغاء الرق) كان ضمن الحملة الانتخابية لمرشحين في موريتانيا عام 2009.
ومن المخزي ثانيا، أن تقوم الجماعات التكفيرية، بعد تكفير خصومهم من المسلمين وغيرهم، بتحويل النساء، بما في ذلك المسلمات، إلى سبايا على خطى جيش يزيد عندما توجه بعد مذبحة كربلاء، إلى المدينة المنورة وقتل غالبية الذكور فيها وسبى معظم نسائها.
ثورات العبيد:
عرف العالم عشرات الثورات التي قام بها الأرقاء أو من في حكمهم، وكان من أشهرها ثورة المجالدين (المسترقون البيض والملونون) بقيادة سبارتاكوس ضد روما، (تم توثيقها في فيلم من بطولة كلارك دوغلاس) وثورة الزنج في البصرة بقيادة علي بن محمد وزيد رفاعه والتي قمعها ولي العهد العباسي (الموفق بالله).
وقد فشلت كل هذه الثورات إلا ثورة هايتي 1804، بل أن اثنين من زعماء العالم حاولا تحرير العبيد في سياق تحويلهم من قوة عمل مستعبدة في إقطاع الأرض إلى قوة عمل مستعبدة في رأسمالية المصانع، اغتيلا في وقت متقارب من ستينات القرن التاسع عشر، وهما الأمريكي لنكولن والروسي ألكسندر الثاني.
وقد شهدت هذه الفترة نجاحات مهمة في إلغاء الرق في الدول الاسكندنافية وفرنسا قبل أن تمتد بعد عقود إلى بقية العالم وصولا إلى اتفاقية جينيف 1926.
ومن البلدان التي تأخر فيها إلغاء الرق بشكل رسمي، السعودية 1962.
الرق في الآداب والفنون العالمية:
باستثناء لوحات المستشرقين العنصرية مثل لوحة جيروم (سوق العبيد)، وأعمال روائية مثل روبنسون كروزو، فقد احتل الرق مكانة هامة في الأدب العالمي الذي كان سباقا في إثارة هذا الموضوع المخزي الذي يتنافى مع صورة الإنسان في القرآن والإنجيل كخليفة لله على الأرض.
وبالإضافة لأعمال (بيضاء) هنا وهناك مثل كونراد (قلب الظلام) الذي يفضح عوالم الكولونيالية، مثل روايات الأمريكي فوكنر، فقد واظب الأدباء الأفارقة أو من أصول افريقية على إدانة الرق والتمييز العنصري، مثل الزنوج لـ سيزار والرئيس السنغالي (سنغور)، والسوداني أمير تاج السر والروائية توني موريسون وتشارلز رايت، وكار بنيته (مملكة هذا العالم) والفرنسي الافريقي، فرانز فانون، كما لا يزال العالم كله يتذكر مسلسل الجذور وبطله كونتاكونتي عن رواية اليكس هيلي.
2021-08-25