الرقص غريزة…!
عبد الزهرة المنشداوي
(الفراشة تولد من ذاتها , وترقص في نار مأساتها)
تحضرني جملة , ويغيب عنيي قائلها: (الفن يجعل الحياة اقل قسوة )
لايستطيع طفل صغير, لم يتعلم بعد التلفظ جملة, مقاومة التجاوب مع لحن شجي , او صوت نقر متوافق على طبلة ايقاع متحررا من الحلال , والحرام ,والعيب الذي صارت مجتمعاتنا تلصقه بالفن والفنان, زحف على الفنون بما فيها الغناء , وكنستها بدواع مبتدعة خاصة الثقافة المعادية للجسد باختراع تابوات مستحدثة.مرت فترة على المجتمعات اعقبت تنامي الاديان الابراهيمية ان نصبت عداءها ، ووجهته نحو الجسد الانساني بدعوى كونه مصدر الخطيئة ، وتفننت في معاقبته من خلال التعمد بايذائه بشتى الوسائل فكان في المسيحية ما يطلق عليهم المسوطين الذين يلهبون ظهورهم بضربات السياط المؤلمة وغيرهم من اصحاب ديانات اسيوية جعلوا منه ضحية وكبش فداء يمزقونه بسكاكين حادة او يكونه بنيران لاهبة وقد نقرأ ان من المتدينين من سمل عينيه ليتجنب النظر الذي يحيل الى الشهوة الجنسية .في العالم المعاصر ما زال الجسد مركز الاثم ، والخطيئة ، والاجساد التي تزج في السجون ليس لها شأن بالرأي المخالف الذي يجهر به ملحد او سياسي معارض مختلف بارائه. يأثم الفكر والنفس والعقل ويدفع الثمن الجسد المسكين بزجه في زنزانة ومنعه من التجول والحركة بينما تبقى النفس حرة طليقة تخرج من الزنزانة ممتطية حصان الخيال فتجوب الاماكن والجسد يقيع في زنزانته.نلطم على صدورنا لموت عزيز او ندمي الظهر بسلاسل حديدية او نشج هام الراس ، وندميه بسيف حاد من خلال طقوس شعائرية يعتقد مؤديها بانه يثاب عليها في الحياة الاخرة. المجتمعات المتطورة تجاوزت هذه الاعتقادات واطلقت حرية الجسد ومنعت ايذائه.
الجسد لسان ثان للانسان واداة تعبير بليغة قد تتجاوز اللغة في حالات الرضى والغضب ، والحزن ، والفرح (يبدو لي انني افهم شيئا , ولكن لو حاولت ان اقوله لهدمت كل شيء عندما اكون مستعدا سارقصه لك)يقول زوربا اليوناني . هناك فنون لا تزدهر الا في اوساط العامة , وتحتاج الى ادوات ، وجمهور , ومنها الفنون الحركية للجسد التي منها الرقص الذي لا نعده كفن وهوية ، وحالة جمالية كبقية الفنون الاخرى بل صرنا نخفيه في الملاهي الليلية لاننا حولناه الى فن انثوي يعتمد على اثارة الغريزة الجنسية من خلال عرض الاجزاء الحساسة من جسد المراة وحتى رقص المرأة في مجتمعاتنا الشرقية الذي يعتمد تموجات الورك والخاصرة ونحسبه حركات شهوانية يمكن عده محاكات لحركة الافعى . رقصة الفلامنكو الاسبانية دائما ما تؤديها نساء جميلات , ورشيقات يعتمدن في الاداء على السيقان القوية التي تضرب الارض بقوة وغضب , وبايقاع متناسق يستجيب له الجمهور , ويتفاعل معه بتحمس , دون ان تلجأ الى اغراء جمهورها بعرض مفاتن جسدها .البعض فسر رقصة الفلامنكو بانها تعبيرا عن غضب الغجر للاوضاع الصعبة التي عاشوها مهمشين , وبجانب ذلك تجد رقصة (التانغو)التي تقوم على حركة القدمين بين الراقصين بتناسق عجيب وتحكي حكاية تصل الجمهور بسهولة ليفهم فحواها تصاحبها موسيقى , لا تقل جمالا ومتعة عن الرقصة نفسها .يمكن الاتيان بشواهد لا حصر لها عن فن الرقص في العالم , ذلك الفن المعبر عن الانفعال سلبا وايجابا من خلال الدوران على النفس باتزان والقفز في الهواء اداته الجسد .في هذا الفن يمكن ان يروي لك الراقص حكاية , احضر عروض احدهم في حفلات الاعراس ، يطالبه الجمهور باداء رقصة اشتهر بها : يمسك بعصا , ويلف وسطه بكوفية ثم يتحلقون حوله الجمهور تاركين له مسافة لا يزيد قطرها عن المترين, بادائها يوهم نفسه بانه يقطع طريق تعترضه بركة مياه فيها سلحفاة يخافها, لذلك تراه يتقدم نحوها ثم يتراجع خوفا بخطوات رشيقة ، و محسوبة بدقة , متزنة ومرنة ، فيها جمالية وتوافق تبهج المحيطين به , يتحلقون حوله مصفقين باكفهم بينما يقسم لهم بانه لن يغامر و يخوض فيها ( والله ما طب بالشكه… الشكه بيها ركة ) (والشكة :هي بركة المياه والركه: السلحفاة) بينما اخر يحكي قصة جندي سالكا طريقه باستقامة ، ورشاقة عسكري محترف مثل عمود طويل بلا انحناء, ينقل قدميه باتزان محسوب على وقع الايقاع المرافق له ، و فجأة ينتبه الى مرور ضابط موهوم امامه فيضرب بقدمه الارض بقوة يتبعها بالقدم الثانية مؤديا تحية عسكرية في غاية الروعة , فينقطع الايقاع المرافق له ليعود الى السكون واقفا متسمرا مثل تمثال ليحركه الايقاع ثانية ، فيلتف على نفسه عائدا ليجد ضابط اخر امامه وهكذا, يؤديها بحركة تسحر من حوله ، بقوامه الممشوق ،وحركاته المشذبة من الزوائد.في حين اخر اشتهر باداء رقصة موحية بالجنس دائما ما يطلب منه ادائها في حفلات الاعراس معها يردد وهو يهز مؤخرته ويتلوى بجسده راقصا يردد (عوجه فجرتج ..جيت اردردها العصر)فيجيبه الجمهور بصوت واحد (عوجه عوجه.. عوجه)يؤديها ببراءة واحترافية يجذب فيها النساء لمشاهدته دون ان يذهب بهن الى ابعد من المشهد الكوميدي الذي يقتصر على التعبير بالجسد, وهو يعني بكلماته المصاحبة مؤخرة المرأة.
في مطلع سبعينيات القرن الماضي في مدينة الثورة في منطقة الجوادر على وجه التحديد ظهرت جماعة (البزاخة) كان عمادها الدكتور خيرالله سعيد المقيم في الخارج في الوقت الحاضر , والمرحوم سعيد بن جونه العبودي , وفاخر بن عوفي الدراجي , والمرحوم كاظم بن مغامس المحمداوي , وابو سعد المياحي صاحب صالون حلاقة سبورت في الجوادر واخرون , يلتحق بهم احيانا المطرب الريفي المعروف يونس العبودي المقيم في البصرة حينها. كانت رقصة البزخ جماعية يعملون خلالها حلقة مقفلة اول الامر ثم يتداخلون فيما بينهم, يبدا فاخر باستهلالها منشدا (لعب لعب الخضيري بشط) عندها يقرعون الارض باقدامهم يدورون حول انفسهم يضربون اكفهم مصفقين بالتعاقب بجعل كف اليد اليمنى اسفل ثم يعكس الامر بجعلها بالاسفل .يحاكون برقصتهم طائر وهو
من الطيور المهاجرة للعراق في فصل الشتاء ، طائر جميل يشاهد وسط النهر يغازل انثاه لكي لايفوتا موسم التزاوج , ولكن بطريقة ملفتة , ومدهشة اذ يصفق بجناحيه مرة ثم يغمس راسه بمنقاره البرتقالي مع الراس الملون بالريش الناعم الاخضر،وهو يعكس الضوء، ثم يعود ليجعل ذيله بدلا من رأسه داخل الماء ناشرن جناحيه يرفرف بهما ، وكانه يؤدي رقصة ابتهاج ، وفرح مدروسة باتقان ولكن فيها ايحاء جنسي بطبيعة الحال , ويكون اجمل من انثاه بالوانه الزاهية اذ تقتصر الانثى على اللون البني وتكون اصغر بالحجم منه.بعد هذه الرقصة يتم التزاوج.البزاخة الراقصين يشذبون (لعب الخضيري) فيحذفون الايحاء الجنسي من رقصتهم , فيقتصرون على محاكاة الجناحين بذرعانهم ومحاكاة حركة الرأس .تنفض دائرة رقصتهم ليتداخلوا مع بعضهم البعض مثيرين الغبار والاتربة وكأن اقدامهم تحفر الارض من شدة الحماس ووصولهم الى الذروة من الرقصة.الدكتور خيرالله بجسمه الرياضي , وطوله الفارع دائما ما يكون مميزا في الاداء لكن فاخر عوفي بحركة جسمه المرن يمكن تشبيهه براقص الباليه لذلك تخلى له حلبة الرقص ليؤدي رقصة البزخ باتقان مدهش وكانه يدور بالهواء دون ان يلمس الارض , يردد ويصفق (ولك يغريش زت امك بطياره… تراها شيخ من شيوخ العمارة ) فيروح في سورة من الرقص الانفعالي يحكي بجسده المرن حزن غريش بوفاة امه . في اتصال. هاتفي مع الدكتور خيرالله سعيد اكد لي ان (رقصة البزخ ) ولدت في (الجوادر) وتربت في صالون حلاقة سبورت وتاصلت في منطقة (الكياره )لتلحقها اضافات زادت من جماليتها وشعبيتها على يد السمران الذي يذكرهم الجاحظ بالقول (هم اطبع الخلق على الرقص الموقع الموزون ، والضرب بالطبل على الايقاع الموزون ، من غير تأديب (تمرين) ولا تعليم) , وهم الاغلبية في المنطقة.انتهت طقوسها بالتحاق راقصيها للاشتراك بالحرب العراقية الايرانية , ودفنت مع جنودها الضحايا الراقصين.
الكثير من الرحالة البريطانيين اشاروا الى فن الرقص في جنوب العراق وقد ابدو اعجابهم به (كافن ماكسويل) يصف حضوره لجلسة رقص فيذكر بالقول :صاح احدهم بصبي:ارقص.
فقام دون ممانعة ، وتراجع الحضور عن موقد النار الملتفين حوله ليفسحوا له المجال وبدأت الضربات على الطبلة بايقاع بطيء في البداية حيث كان الصبي يتقدم خطوتين الى الامام ويتراجع خطوتين الى الوراء دون ان يلتفت الى الوراء وتصاعد ايقاع الطبلة تتم تتم،تتم تتم ولاح الصبي هادئا ساحرا مسيطرا على نفسه ، وكانت اعضاءه تتحرك بدقة , وهدوء، وتجلت سيطرته على كل عضو من اعضاءه واضحة ، وتدريجيا ازداد قرع الطبلات ، وازدادت ضربات اقدامه على الارض ، مع مرور الدقائق ،حدة ، وسرعة ايقاع يتساوق مع اللحن …تتم تتم..تتم تتم..تتم.. تتم ،
ومال بجسده الى الامام ، وكأنه يريد ان ينقض على المتفرجين ، وقفز الى الوراء فجأة , وازداد الايقاع عنفا ، وسرعة وفي لحظة بدأ كتفاه يضبطان الايقاع مع قدميه وكل منهما يتحركان على انفراد ، وكانهما جزء ماكنة يحركها مصدر واحد ،قدماه تتحركان الى امام ، والى وراء ، وكتفاه تتحركان الى الاعلى، والى الاسفل والرجال المحيطين يرددون نغما واحدا في وقت واحد واصابعهم تفرقع مع ايقاع الطبلات وشاركت عضلات اخرى في الرقص حتى كان جسده كله يهتز مع الايقاع بقدمين تلعبان بخفة في الهواء ، وكتفين راعشتين واصبح كل عضو فيه يؤدي دوره التام بمهارة وفن عجيبين(….)كلما ازداد الايقاع سرعة كلما توقف الصبي فجأ’ بين الحين والاخر وراح يرجف احد كتفيه ثم يتبعه بترجيف الكتف الاخر.يقول
ماكسويل:لولا تلك الحركات الرائعة الموقوتة ذات الايقاع المتساوق مع الطبل لخلته مصابا بالصرع .في الجنوب العراقي تندر وسائل الترفيه ويضيق الفلاح ذرعا بحياته المملة المتعبة ، فيعمد بالتسلية لدعوة طفلته او طفله ليرقصوا له، ينقر لهم باصابعه على قفا صينية الشاي فيبتهج وينسى قسوة ومرارة حياته وهو يرى طفله وطفلته تتلوى مستجيبة لايقاع صينية الشاي .
يمكن القول ان فن الرقص توسيع للحياة الفردية وادماجها في حياة اكثر سعة وهي حياة المجتمع وتتطور بتطوره.مما يؤسف به ان الجسد الذي تكلم من خلاله زوربا اليوناني صرنا نعاقبه ونضربه بما توفر وكاننا في عصر المسوطين في اوروبا القرون الوسطى.عاقبنا العقل وعطلناه واتهمنا الجسد فسجناه.
فن الرقص في تاريخ الحضارة الاسلامية تم اخفاءه عن عمد فالجواري والمغنيات فقد ذكر ابو حيان التوحيدي كما اورده الباحث في الترا ث الدكتور خيرالله سعيد في كتابه المعنون (مغنيات بغداد) بانه وجماعة من اهل الكرخ قد احصوا 460 جارية في الجانبين 120حرة و95من الصبيان و من الصبيات 90يجمعون بين الحذق والحسن والظرف والعشرة ، هذا سوى من كنا لا نظفر به ولا نصل اليه . يسهب كتاب تلك الفترة في تعداد ووصف المغنيات بجمالهن وغنجهن ودلالهن لكنهم لم يذكروا في كتبهم ان من بين تلك الجواري من كانت ترص لسلطان او في مجلس وزير وهذا شيء ملفت فالطرب والغناء قرين الرقص لا محال.والرأي انهم أي الكتاب والمؤرخين منعوا من ذكره بدعوى تحريمه مع انهم اقاموا له حفلات ومتعوا انظارهم بالراقصة الغراء ، والفرعاء وهي تتلوى بدها اللدن المياس . لذلك لم يمانعوا في ان يذكروا في مجالس الغناء لوجود فتوى من مفتي في عدم تحريم الاستماع للغناء، واعتقد ان المالكية اباحوه لكنهم لم يجدوا من يفتي الى جانب الرقص .
الرقص غريزة انسانية كما اسلفنا ، ولايمكن الغاءها بفتوى دينية ، او قانون ، وان اشد المجتمعات تدينا ،ستجد النساء فيها يرقصن ويستعرضن مفاتنهن فاللواتي لا يرقصن في المناسبات وامام الناس، يسمحن لاجسادهن بالتلوي والرقص الايقاع الموزون بعد ان يمسدن شعرهن الطويل ويضمخنه بالمسك والعنبر يطلقهن مثل الافاعي حبيسة الكيس بعد ان يزيلن غطاء الراس ويرحن يلبنه من جانب الى جانب ويكشفن عن ذرعان لدنة بيضاء كاشفات عن صدور مرمرية يضربن عليها باكفهن فتحمر وتغدو كفاكهة الرمان واقدامهن على الارض تتحرك وتضرب باياع موسيقي واضح،مستغلات حزن مأتم مقام لاطلاق غريزة اوجدها الله في جسد المخلوق استنكرتها المذاهب.
2021-10-24