الردع يتصدّع…!
خالد عطية
ما نشهده في هذه اللحظة المفصلية لا يمكن اختزاله في عنوان “تصعيد إيراني–إسرائيلي”، بل نحن أمام انفجار تراكمي لصراع ظلت تُدار حدوده لسنوات بمنطق الردع المتبادل، والتواطؤ المنضبط، والاحتواء الغربي المحسوب. غير أن الرد الإيراني الأخير، في ضوء الضربة الإسرائيلية الواسعة لمراكز القيادة النووية والعسكرية، يكشف تحولًا عميقًا في هندسة الاشتباك: لم تعد إيران تقبل أن تكون طرفًا يُضرب ويصمت، ولم تعد إسرائيل قادرة على توجيه الضربات دون تكلفة، والأهم: لم يعد الغرب قادرًا على إدارة الحرب من خلف الستار.
تجاوزت إسرائيل منذ سنوات موقع “الوكيل المحلي” ضمن المشروع الكولونيالي الغربي. لقد تحولت إلى فاعل بنيوي في صياغة منظومة السيطرة الإقليمية، تُعيد إنتاج المصالح الغربية بأدواتها، وتفرض على العالم معايير أمنها ومخاوفها. وفي السياق الراهن، لم تكن الضربة على إيران مجرد استباق عسكري، بل بيان سيادي بلغة القوة: لا مكان في المنطقة لقوة إقليمية مستقلة ذات بنية نووية أو قدرة ردع استراتيجي. إلا أن هذه السيادة الهجومية لم تُقابل بخضوع، بل بردّ إيراني منسّق، حددت فيه طهران حدودًا جديدة للمواجهة دون أن تنزلق إلى حرب شاملة، لكنها كسرت الطوق الرمزي الذي منح إسرائيل احتكار الفعل العسكري دون تكلفة مباشرة.
الرد الإيراني أتى تحت سمع وبصر شبكة الدفاع الغربية. وليس الأمر هنا محلّ اجتهاد أو تسريبات غير موثقة، فقد أكدت تقارير متعددة في 13 و14 يونيو 2025، أبرزها ما نشرته وول ستريت جورنال ووكالة رويترز ووكالة أسوشيتد برس، أن القوات الأميركية والبريطانية شاركت بشكل مباشر في صدّ صواريخ وطائرات إيرانية استهدفت إسرائيل، من خلال منظومات الدفاع الصاروخي THAAD وPatriot، إلى جانب دعم بحري شرق المتوسط. وهذا ما يضع أمامنا تحولاً بنيويًا في طبيعة العلاقة بين إسرائيل والغرب: لم تعد إسرائيل تملك قرار الحسم وحدها، ولم يعد الدعم الغربي مجرّد غطاء سياسي أو لوجستي، بل بات دفاعًا ميدانيًا مكشوفًا.
في خلفية هذا الاشتباك، جاءت حادثة اعتراض القوات المسلحة الإيرانية لبارجة حربية بريطانية حاولت دخول الخليج الفارسي. ورغم أن الحدث لم يُضخّم إعلاميًا، إلا أن رمزيته واضحة: لم تعد المياه الدولية فضاءً محايدًا، بل تحوّلت إلى جبهة جديدة تُعيد إيران من خلالها ترسيم قواعد الاشتباك البحري، على نحو يوازي ما تحاول إسرائيل فرضه في المتوسط.
في هذا السياق، يصبح الغياب العربي أكثر من مجرّد صمت. إنه تموضع وظيفي ضمن بنية الردع الغربية، حيث تحوّلت أنظمة عربية محورية إلى أدوات مكمّلة للمنظومة الأمنية الإسرائيلية، عبر التنسيق الأمني، والتطبيع العلني، وتهميش الجبهات التاريخية للصراع. وعليه، فإن ما يُضعف إيران ليس الردع الإسرائيلي فحسب، بل تفكك الحقل الإقليمي المحيط بها، وتواطؤ صريح في تفريغ الجغرافيا من عناصر الممانعة والمبادرة.
حين نقول إن الردع يتصدّع، فإننا لا نتحدث عن انهيار مباشر، بل عن تحوّل في شكل الردع ووظيفته. لم يعد الردع يُنتج هيمنة مطلقة، بل صار يُدار بالخوف المتبادل، والردع المتقابل، والاستنزاف الطويل. الحرب لم تعد فعلًا لحظيًا، بل صيرورة متواصلة من الرسائل والمعادلات والهزات المعنوية. الردع لم يمت، لكنه لم يعد يُخيف وحده، ولم يعد يمنح إسرائيل تفوقًا بلا حساب.
على الصعيد الداخلي، بدأت مؤشرات التصدّع في الظهور. تقارير موثوقة من أسوشيتد برس وفاينانشال تايمز بتاريخ 14 يونيو 2025 أشارت إلى أجواء توتر وقلق غير مسبوقين داخل تل أبيب وعسقلان، حيث اضطر السكان إلى قضاء ساعات طويلة في الملاجئ، ونُقلت حالات حرجة من المستشفيات إلى مرافق تحت الأرض، ما أعاد فتح النقاش حول مدى فاعلية منظومة القبة الحديدية في مواجهة تهديدات صاروخية بالستية ذات طابع استراتيجي. وفي تقرير نشرته The Economic Times، طُرحت أسئلة صريحة في أوساط الإعلام والرأي العام الإسرائيلي حول قدرة الدفاعات الجوية على الاستمرار، فيما شهدت مناطق متفرقة احتجاجات محدودة تعكس اضطرابًا في ثقة الجمهور بالحماية الرسمية، وارتباكًا في المؤسسة السياسية والعسكرية بشأن الجاهزية لحرب متعددة الجبهات.
لكنّ ما يثير الانتباه في هذا الاشتباك ليس فقط مدى تورط الغرب أو هشاشة التفوق الإسرائيلي، بل قدرة إيران نفسها، كقوة محاصرة ومنهكة اقتصاديًا، على إعادة صياغة مشهد الردع في المنطقة. منذ أكثر من عقدين، تخضع الجمهورية الإسلامية لحصار اقتصادي متعدد المستويات، ومنعٍ تكنولوجي صارم، ومحاولات خنق سياسي وأمني. ومع ذلك، فهي لم تنهَر، بل طورت ترسانة متقدمة من الصواريخ والمسيّرات، وبنت شبكات نفوذ إقليمية تخترق حدود الجغرافيا الرسمية، وأظهرت استعدادًا لتفعيل هذه الأوراق عندما تجاوزت الضربة الإسرائيلية الخط الأحمر.
إن قدرة قوة محاصرة على إنتاج كلفة ردعية بهذا الحجم تُعيد تعريف معنى السيادة في عصر الاختناق. لا تملك إيران كامل حرية المبادرة، ولا تمتلك تفوقًا جوّيًا أو اقتصادًا صاعدًا، لكنها تملك القدرة على إيلام الخصم، وكسر احتكاره للردع، وهذا وحده كفيل بخلخلة المعادلة القائمة.
ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تستطيع إيران الاستمرار في هذه المعادلة الردعية دون أن تُستنزف داخليًا؟ وهل تملك هوامش المناورة الكافية لتحويل ردّها إلى استثمار استراتيجي طويل الأمد، أم تُجر إلى حرب استنزاف واسعة لا تتحكم بإيقاعها؟ وهل يقود هذا الصدع في الردع إلى إعادة توازن، أم إلى انهيار شامل في قواعد الاشتباك تُفتح فيه أبواب الفوضى على مصراعيها؟
إن الحرب لم تُحسم بعد. لكن اللحظة، بكل هشاشتها وغموضها، تُعيد ترتيب موازين كانت تبدو راسخة، وتضع مشروع الهيمنة الغربية على رمال متحركة. في مشهد كهذا، قد لا يكون السؤال: من يربح؟ بل: من يصمد أطول أمام التاريخ وهو يتغيّر؟
الهوامش:
1. Wall Street Journal, June 14, 2025; Reuters, June 13, 2025; Associated Press, June 13, 2025.
2. Associated Press, “Israelis are uneasy as they prepare for more Iranian missiles,” June 14, 2025; Financial Times, “Iran strikes leave Israelis shaken but resolute,” June 14, 2025; The Economic Times, “Cracks in the Dome,” June 14, 2025.
– يونيو 2025