الرأسمالية نقيض الدّيمقراطية!
الطاهر المعز
عند انهيار جدار برلين والإتحاد السوفييتي “بَشَّرَنا” صانعو الإعلام والبروبغندا وحكام أمريكا وأوروبا الغربية (أي حلف شمال الأطلسي) ب”نهاية التاريخ” وانتصار الدّيمقراطية والرأسمالية، ولا وجود لخيار آخر غير النموذج الرأسمالي الليبرالي الذي بدأ بتدمير العراق ويوغسلافيا والصومال في إشارة إلى تخلُّصِهِ من جميع “العراقيل” والكوابح التي كانت تحكم العلاقات الدّولية…
في داخل الدّول الرأسمالية الإمبريالية، أثبتت احتجاجات الكادحين والأُجراء والمتقاعدين والفقراء في فرنسا ضد قانون “إصلاح” المعاشات التقاعدية أن الرأسمالية تتعارض مع الدّيمقراطية فقد تمكّنت الحكومة من تجاوز المؤسسات والهيئات المنتخبة، وتجاوز قانونها البرجوازي، لإقرار القانون الجديد دون نقاش برلماني، وترافق هذا الإجراء “الدّيمقراطي جدًّا” مع تراجع الحريات في أوروبا، ومع حملة اعتقالات واسعة ومع حَظْر نشاط العديد من الجمعيات وإلغاء التمويل العمومي لبعضها الآخر (منها رابطة حقوق الإنسان التي تأسست في بداية القرن العشرين) وإلغاء دخول مثقفين وفنانين من بلدان أخرى، وحظر اجتماعات وتظاهرات سياسية أو ثقافية، في أوروبا، ومع ذلك يرفض العديد من أصدقائنا الحديث عن دكتاتورية أو فاشية أو استبداد في أوروبا وأمريكا الشمالية…
يمثل عدم احترام المعايير الديمقراطية الليبرالية – مثل الحق في الاحتجاج والتعبير والإضراب واستقلال القضاء – واحدا من مظاهر التراجع عن المطهر “الديمقراطي الليبرالي”.
وعدونا، عند انهيار الإتحاد السوفييتي، إن تعميم النظام الرأسمالي ( العولمة النيوليبرالية) سوف يجلب الديمقراطية والرخاء للجميع، وبعد أربعة عُقُود، قدّرت المؤسسات “غير الحكومية” الأمريكية مثل “فريدوم هاوس” (وهي في واقع الأمر تدافع عن السياسات الرسمية الأمريكية وعن الإيديولوجية السائدة) أن حوالي 72% من سكان العالم يعيشون في ظل شكل من أشكال الحكم الاستبدادي وأن حوالي 38% من سكان العالم يعيشون في بلدان لا تحترم الحريات الأساسية، فكلما انتشرت الرأسمالية في العالم، تراجع مستوى الحريات والدّيمقراطية وزاد الترويج للميز والعنصرية والفاشية في أوساط السياسة والإعلام والثقافة والفن الخ
لم تنتشر الدّيمقراطية كما وعدت بذلك أبواق الدعاية الإمبريالية، ولم ينتشر الرخاء الإقتصادي، بل زحف اليمين المتطرف في الدّول الرأسمالية المتقدمة، وما رافق ذلك من تراجع أو إلغاء المكتسبات الإجتماعية، وزاد الفقر والبطالة في البلدان الفقيرة، وزادت وتيرة الحُرُوب العدوانية الأمريكية والأطلسية، منذ بداية القرن الواحد والعشرين، مع إغلاق الحدود أمام فقراء العالم الذين خربت الإمبريالية بلدانهم ونهبت ثرواتهم…
نشر الصحافي والكاتب والمُعلّق بصحيفة فايننشال تايمز، “مارتن وولف”، خلال شهر نيسان/ابريل 2023، كتابًا بعنوان “أزمة الرأسمالية الديمقراطية”، ضَمَّنَهُ نقدًا خفيفًا “للحروب التجارية والحواجز الجمركية…(لأنها) قرارات يتخذها الحاكمون الذين يعيقون التنافس الحر، وفق قانون السُّوق الذي يتيح شراء مجموعة أوسع من السلع والخدمات الأرخص والأعلى جودة”، وكان مارتن وولف ولا يزال يُمجّد الرأسمالية والنيوليبرالية، لكنه بدأ يُشير مؤخرًا إلى التفاوتات الكبيرة وانتشار الفساد داخل البلدان الرأسمالية المتقدمة، وإلى التفاوتات بين البلدان معتبرًا إنها “تخلق بعض المشكلات المهددة للعالم، بما في ذلك خطر الحرب”، وفجأةً أصبح مارتن وولف مهتمًا بمستقبل الديمقراطية، ويقترح تخفيف حدّة التوترات الإقتصادية والإجتماعية، لكنه يرفض نقد أو إعادة النظر في الأسباب التي أدّت إلى هذا “الوضع المتفجر”، بل يدعو إلى “الرأسمالية المُنظّمة التي تحقق إجماعًا ديمقراطيا” ( على الطريقة الكينزية)، ويتناسى مارتن وولف أو حتى المُنَظِّر السياسي التقدمي كارل بولاني، إن الرأسمالية لا تتحمل الإصلاح، فهي قائمة على استغلال العاملين لتحقيق النمو الاقتصادي ولزيادة الأرباح، كما يتجاهلون أن الرأسمالية تستخرج الجزء الأكبر من الأرباح الفائضة من البلدان الفقيرة، لتتمكن من إعادة توزيع بعض الفُتات على الطبقة العاملة بالدّول الرأسمالية المتطورة، في شكل سلع رخيصة، تُجنب الرأسمالية زيادة الأجور، وبذلك تتفادى الثورة في معاقل الرأسمالية الإحتكارية (أو الإمبريالية) وتمكنت هذه الأساليب من تأجيل الحرب الشاملة على العمال في الدّاخل وعلى الشّعوب والبلدان في الخارج، ويشترك الطَّرَفان في مقاومة زحف “مجتمع السوق” وما يتضمنه من استغلال واضطهاد وانعدام المساواة…
2023-06-22