الدكتور خير الدين حسيب: الصفحة اليمنية في سِفره العروبي!
علي محسن حميد.
من نافلة القول التأكيد على الالتزام القومي النزيه والحياتي للراحل الكبير د.خيرالدين حسيب حتى وفاته قبل أيام. ولِيقرِن الاعتقاد بالعمل أسس مركز دراسات الوحدة العربية والمؤتمر القومي العربي ومجلة المستقبل العربي وجعل بيروت عاصمة لنشاط قومي أهلي ومقرا لنشاطه المؤسسي.كان للفقيد فضل السبق في إدراك حقيقتين هما أن التغيير بالانقلابات ولّى زمنها وأن تيارا سياسيا عربيا بمفرده لايمكن أن يصنع التحول الديمقراطي والتنموي في بلده ولذلك جمع النخب العربية بشتى انتماءاتها الفكرية من شمال الوطن العربي حتى جنوبه ومن شرقه حتى غربه ومعها المغتربين العرب في كثيرمن بلدان العالم على كلمة سواء وأسس المؤتمر القومي العربي وأنشأ مجلة المستقبل العربي كمنبرين للتعبيرعن الهم العربي وعن التحديات التي تواجهها الأمة العربية وعلى رأسها التحدي الوجودي الصهيوني ونشر الثقافة الديمقراطية .
وكانت الاجتماعات السنوية للمؤتمر القومي العربي في أكثر من عاصمة عربية تجسيدا لهذا الابتكار”الحَسِيبي”غير المسبوق.لم يكن الفقيد يملك مالاولم يكن يسعى إليه وكان رأسماله الإيمان بالفكرة والمثابرة وطمأنينة خَلَقها في نخب عربية كانت بحاجة إلى من يحتويها ويوفرمنبرا لرأيها وفكرها ومكانا لاجتماعاتها بعد أن ضاقت بها السبل في بلدانها وقدأعطت بقدر ماتريد أو ما تستطيع حتى أصبح مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت مؤسسة أهلية – عروبية للدراسات والنشر لايضاهيه أي مركزعربي آخر من حيث الإصدارات الرصينة التي تشغل عناوينها بال المثقف العربي المهموم بقضايا أمته وبانتظام صدور مجلة المستقبل العربي الشهرية التي لم تكن الكتابة فيها حكرا على تيار سياسي أو فكري بعينه وتباع بسعر التكلفة أو أقل وتخصص ملفات للقضايا القطرية والعربية والدولية .وربما لايعرف البعض أن الفقيد أصدر في مطلع التسعينيات مجلة “القلم الصريح” التي توقفت لعُسرفي التمويل لأنها كانت مطبوعة غير ربحية وغير جاذبة للإعلان التجاري الذي يبحث عن الجماهير المستهلكة وليس عن نخب بعض أفرادها مُعوز.كان د.حسيب مهتما باليمن لإدراكه بأن نخبه تحتاج إلى من يقف معها في معركتها التاريخية للتغيير المستعصي ولأن التغيير فيها يشبه حركة الأواني المستطرقة الذي سيسمع صداه خارج مكانه.
وكان هذا رهان الاتحاد الاوربي على الديمقراطية في اليمن التي سميت ب”البازغة” ووأدها عن سبق عمد وإصرار علي عبد الله صالح.كان المؤتمران القومي العربي والقومي الإسلامي يجمعان النخب السياسية اليمنية الحزبية منها وغير الحزبية المؤتلفة والمتخاصمة مما خلق تفاؤلا لدى الكاتب فيصل جلول بأن الود الذي شاهده أكثر من مرة بين ممثلي هذه القوى لو انتقل من بيروت إلى صنعاء لتغير وجه اليمن.كان د. حسيب يدرك أن طريقه في اليمن ليس معبدا ولاحتى بالإسفلت وكانت أول تجاربه المرة ماحدث في المؤتمر القومي العربي بصنعاء عام 1988 عندما لم يتورع جهاز الأمن عن القيام بعمل صغير بحق المؤتمر وبحق أحد مؤسسيه باعتقاله لرفيق الدكتور حسيب وصديقه الراحل د.عبدالقدوس المضواحي في قاعة المؤتمرومصادرة أوراقه وحينها لم يراع الجهاز مقام الحاضرين وتمثيلهم لنخب عربية قاماتها باسقة ولم يأبه لرد فعلهم عندما يعرفون ماحدث ويتناقلون خبره فيما بينهم وفي بلدانهم. ولكن من الحقائق التي يجب ذكرها أنه في ذلك الوقت كان اعتقال المثقفين والسياسيين أمرا معتادا ومع هذا لم أنس ماقاله وزير الخارجية الأسبق وعضو المؤتمر أ.علي لطف الثور ب”أن حبر الميثاق الوطني لم يجف بعد” ، واليوم لاأستبعد توافق رغبتان داخلية وخارجية لإحداث قلق بين المؤتمِرين لخفض سقف توقعاتهم أولتنعيم لهجة انتقاداتهم للنظام الرسمي العربي.
الفقيد وجار الله عمر: خير الدين حسيب من الذين حزنوا حزنا حقيقيا على غياب جار الله عمر والفراغ الذي تركه في أنشطة المؤتمرين القومي والقومي – الإسلامي. وللتذكير فإن الذي اغتاله “إسلامي” تربى بحسب سيرته الدينية، حزبيا ودينيا على ثقافة العنف والكراهية وتبرير التصفية الدموية للمخالفين لقناعاته.كان الدكتور خير الدين من أوئل من أحيوا الذكرى الأولى لاغتيال رفيقه الشهيد جار الله عمر في فندق كوينز بارك بلندن في نفس يوم اغتياله في صنعاء قبل عام.وقد تحدث عن مناقب الشهيد جار الله وعن علاقته باليمن وهو طالب في جامعة بغداد من خلال الطلبة اليمنيين الذين كانوا يدرسون فيها وعن دور جار الله في تأسيس المؤتمر القومي العربي ومساهمته في إنجاح الحوار القومي – الإسلامي إلى أن تكون المؤتمر القومي – الإسلامي.وتحدث عن أمله بإنشاء كرسي للتاريخ في جامعة عربية بإسم جار الله عمر وقد ظل هذا الموضوع قيد اهتمامه لسنوات طويلة ولكن التمويل حال دون تحقيق الحلم.وفي نفس المناسبة تحدث عن أهمية تكوين كتلة تاريخية عربية لصد الهجمة الامريكية الصهيونية مؤكدا أن مستقبل الأمة العربية يتوقف على نتيجة مايحدث في العراق.
وفي الذكرى الأولى للاغتيال لجأ إليه ناشطون وأكاديميون وصحفيون وسياسيون امريكيين واوروبيين لكي تُعرف حقيقة دوافع القاتل ومن شجعه وموله وحرضه لكي يرتكب جريمته ولكي لايفلت من العقاب العادل من قبل قضاء نزيه. ومما جاء باختصار في الرسالة الموجهة إليه في 26 ديسمبر 2003 من هؤلاء الناشطين ماطالبت به منظمة مراقبة الحقوق الإنسانية “هيومان رايتس ووتش” 1 – أن تقوم الحكومة اليمنية بتحقيق مستقل ونزيه في قضية الاغتيال. 2 – التساؤل عن السبب في عدم قيام الحكومة بذلك رغم مرور عام كامل على الاغتيال. 3- الانتقاد لعدم تمكين محامو جار الله وأسرته من الاطلاع على نتائج التحقيقات وهو ما عنى تشكيكا دوليا قويا بنزاهة وبعدالة النظام القضائي في عهد صالح مما زاد من الشكوك باحتمال تورط نظامه مع قوة سياسية أخرى في الاغتيال. وختاما لقد قام الدكتور حسيب على المستوى القومي بما لم يقم به أي حزب أو شخصية عربية مهما علت مكانتها ،ونستثني هنا جمال عبد الناصر، وعندما تكتب سيرته وإنجازاته ودوره النضالي والتنويري الوحدوي آمل أن يفيه الكل حقه من التقدير والإجلال ليكون قدوة لغيره ولأجيال بعده .
2021-03-19