الخيارات الصعبة…!
سعادة مصطفى أرشيد*
بعد خمس ساعات قضاها المبعوث الأميركي ويتكوف يرافقه السفير الأميركي في تل أبيب في غزة، حيث زار مركز المساعدات الإنسانية، التابع لمؤسسة التمويل الدولية جي اتش اف (g.h.f) عاد ليقول وليكذّب جميع وسائل الإعلام في العالم أن لا مجاعة في غزة وإنّ المركز الإغاثي المذكور يوزّع يومياً مليون وجبة طعام، وبما أنّ ذلك كذلك فقد أدار بعد عودته من غزة إلى تل أبيب حواراً مع حكومة الاحتلال حول خطة أميركيّة جديدة تذهب إلى ما هو أبعد من مطالب نتنياهو ووزرائه المتطرّفين وترى أنّ الإفراج عن الذين أسَرتهم المقاومة صبيحة السابع من تشرين الأول 2023 أو من بقيَ منهم على قيد الحياة ورفات من أزهقت أرواحهم آلة القتل (الإسرائيلية) لم يعد ينتظر حواراً في الدوحة أو في غيرها لا بل يجب الإفراج عنهم فوراً ودفعة واحدة بالقوة إنْ لم يكن بالاستسلام، وإنّ على المقاومة أن تقبل بتسليم كلّ شيء بدءاً بتسليم سلاحها وتستعدّ لمغادرة غزة التي ستديرها جهات عربية لم تُذكر بالاسم وأخرى دولية تحت إشراف وإدارة الولايات المتحدة الأميركية.
هذا ما أبلغت به واشنطن الوسيطين، القطريين والأتراك اللذين سيكون دورهما نقل هذه التهديدات لضيوفهما من أعضاء المكتب السياسي الذين بدورهم عليهم نقل ذلك لمن يحمل السلاح في غزة ويملك القرار النهائيّ.
وكما ذكرنا سابقاً في مقال الأسبوع الماضي أن بنيامين نتنياهو قد أخذ بالتنحّي جانباً وإخلاء مكانه سواء في قيادة الحرب أو في التفاوض لإنهائها لصاحب العلاقة الأولى أيّ الإدارة الأميركية والرئيس دونالد ترامب، الذي سيتولى التفاوض عبر مبعوثيه الذين أخذوا يظهرون مؤخراً وكأنهم امتداد أميركي لسموتريتش وبن غفير، ثم لاحقاً التخطيط والتنفيذ لإعادة بناء غزة وإعمارها بشركات مقاولاتها، فيما تتولى أطراف عربية تملك فوائض مالية كبيرة عمليات التمويل. وهذا بدوره يتطلّب أن يغادر قسم كبير من أهل قطاع غزة بلاده ريثما تتمّ إزالة الإنقاض وإعادة البناء التي ستأخذ سنوات طويلة قد تجعل من الصعب إعادة من غادر من أهل غزة إليها.
مَن يقرّر الموافقة والرفض على الطرح الأميركي ليس موجوداً خارج غزة وإنما في غزة وبين حطامها وأنفاقها. فالمقاومة ترى أنها برغم خسائرها ونفاد ذخائرها وقسوة المصير وحجم الضغط الذي يمارس عليها إلا أنها لا تزال قادرة بالقليل المتبقي لديها على الصمود والاستمرار بالمقاومة وإيقاع الخسائر بالاحتلال الذي اضطر لإنهاء عملية «عربات جدعون» بعدما جرى التهويل والمبالغة بشأن قوتها. وتقول المقاومة إنها متمسكة بسلاحها لا بل تدرك أن حفاظها على سلاحها يحمل إمكانيات البقاء أكثر بكثير من إلقائه والبقاء عزلاء حيث ستُذبح ولا ريب.
قائد الحرب الجديد دونالد ترامب وفريقه الموزع بين واشنطن وتل أبيب يرى أنّ الحرب على غزة هي حرب عادلة وفق مقاييسهم، وأنّ عليهم ربحها مهما كلف الأمر من خروج عن أيّ منطق في السياسة أو في الحرب، فكلما طالت أيامها عرّضتهم للمزيد من الخسائر. وهكذا فلا بدّ من الحسم ولو باستعمال فائض القوة، وحسب بعضهم فلا مانع من خيار برلين وطوكيو كما في عام 1945 أي في نهايات الحرب العالمية الثانية.
غزة ومقاومتها لا تزالان تقاتلان لا جيش الاحتلال فحسب وإنما العالم الغربي والعربي – الإبراهيمي أيضاً إضافة الى عصابات من اللصوص وأرذال القوم الذين يدعمهم الاحتلال وبعض النظام العربي، وغزة لا تستطيع أن تعوّل على أحد إلا على صبرها وذاتها، وها هي المعركة تدور كما أريد لها أن تدور وعلى طريقة طارق بن زياد عند فتح الأندلس: العدو أمامكم والبحر وراءكم وليس لكم إلا الصدق والصبر.
هكذا تعود الأمور إلى مربعها الأول، الحرب والإبادة قتلاً أو حرقاً أو جوعاً أو هجرة في كفة الميزان الأولى، فيما في كفته الثانية الصمود والبقاء على الموقف الذي يحمل في طياته احتمالات أفضل.
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير ـ جنين – فلسطين المحتلة
2025-08-07
