الخوف المزمن عند العرب!
ابو زيزوم الغري.
الحكام في دول العالم المختلفة ليسوا على درجة واحدة من الجودة والسوء . يتراوحون بين القمة كرئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد ، والحضيض كرئيس وزراء ماليزيا السابق نجيب عبد الرزاق . فأين يقع حكامنا العرب من ذلك السفح شديد الانحدار ؟ . أرى من الإجحاف تصنيفهم مع العظيم مهاتير ، ومن الإجحاف أيضا تصنيفهم مع الفاسد نجيب . ومن الإجحاف مجرد إدخالهم في القائمة . فهم وبلا تجنّي يقعون خارج هذا العالم برمته . انهم ينتمون لعوالم اخرى انقرضت ولم يعد لها وجود خارج المتاحف .
الى وقت قريب كنت اعتقد ان حكامنا يحتلون المرتبة الاولى بالسوء لا ينازعهم عليها منازع . الا اني غيّرت رأيي مؤخراً بعدما اكتشفت من هو أسوأ منهم . الأسوأ من حكام العرب هم العرب أنفسهم المتمسكون بأولئك الحكام . لا أقصد منظومة الفساد المنتفعة من الأنظمة ، ولا شبكة الذباب الالكتروني المأجورة ، ولا الأجهزة الإدارية الخائفة على مراكزها . وإنما أقصد أناساً عاديين لا مستفيدون ولا خائفون بل ينبحون شيمة . ما ان تكشف عورة أحد الحكام حتى يهرعون لمواراتها وشتمك .
هذه الظاهرة الغريبة تحتاج تفسيراً علمياً . فمن غير المعقول ان هؤلاء العرب الممسوخين لا يرون العالم من حولهم كيف يدار ويتقدم . ومن غير المعقول ان يكونوا جاهلين بمقدار التخلف والضعة والانحطاط الذي يسوس به حكامنا البلاد والعباد . ومع ذلك تراهم يدافعون عنهم كما لو انهم آباؤهم او أبناؤهم . وتفسيري للظاهرة ان العرب كأمة يفتقرون الى الثقة بالنفس ، ويساورهم باستمرار خوف من التغيير ، فلا يستطيعون النظر الى المستقبل بإطمئنان ، ويملؤهم دائماً الفزع من المجهول .
في عشرينيات القرن الماضي إنقلب الأتراك على إرث الدولة العثمانية بالكامل ، الديني والتاريخي والثقافي ، حتى حروف الكتابة أبدلوها من العربية الى اللاتينية . كان القرار على درجة من الخطورة يندر مثيلها في التاريخ . فالأمة التركية يكاد تاريخها العظيم ينحصر بالأمجاد العثمانية ، وعندما تتخلى هكذا عن المرحلة العثمانية تصبح او تكاد بلا ماضٍ يستحق الذكر . صحيح ان قرارهم ذاك كان رد فعل على انتقاض العرب ضدهم اثناء الحرب الاولى مما أفقد إمبراطوريتهم أصقاعاً شاسعة من الديار وحجّمها الى عُشر ما كانت عليه من امتداد . لكن رد الفعل ليس كل ما ينطوي عليه الموضوع . فهو ينطوي أيضا على الثقة بقدرتهم على بناء مجد جديد يتجاوز ماضيهم الشامخ . ومن ينظر الى تركيا اليوم يدرك بجلاء ان تلك الثقة بالنفس لم تأت من فراغ .
وكان شاه ايران رجلاً قوميا يعمل بدأب على بناء دولة عصرية مرهوبة الجانب . لكن تطلعات قومه كانت أبعد شأناً مما كان يفعل فثاروا عليه وأنشأوا وضعاً جديدا ومختلفا بالكامل حقق لهم من النفوذ أضعاف ما كان الشاه يستطيع .
أما حكامنا فلا يختلف إثنان على انهم خونة وجهلة وفاسدون وسخفاء وحمقى وهبطوا بالأمة الى الدرك الأسفل ومرتبة الخزي ، ورغم ذلك تجد بيننا من يتمنى لهم طول العمر وينتابه القلق كلما دخلوا في مأزق سياسي . فهو لا يثق بأن الآتي سيكون أفضل من الحالي . لقد تردت الطموحات في النفس حتى انعدمت . وبات مفروغاً منه ان الانحدار هو الطريق الوحيد أمامنا ، وان التوقف أنجى من التقدم .
ويحكم الوعي وغيابه جانباً رئيسيا من المسألة . فالانگليز وبدل ان يؤلهوا زعيمهم الكبير تشرشل بعدما حقق لهم الانتصار التاريخي في الحرب العالمية الثانية فعلوا العكس وأسقطوه في اول انتخابات بعد الحرب لإعتقادهم بأن مرحلة البناء تتطلب قادة يختلفون عن قادة الحرب . وكذلك فعل الفرنسيون بقائدهم العظيم ديغول . فعلاوةً على الثقة بالقدرة على إنجاز ما هو أعظم لا تشعر تلك الامم ان دور حكامها في الملمات فضلٌ يستحق المن ، لأن أبناء الأمة هم الذين قدموا التضحيات الجسام وحققوا بدمائهم الانتصارات الكبرى ولهم وحدهم ان يرسموا المستقبل .
الأمة التركية الان تنزع للمزيد وتبدي ارهاصات تغيير . وكذلك الأمة الفارسية . وحتى الكردية . وما زال بيننا من يعد الراتب الذي يستلمه لقاء عمله مكرمة من الحاكم تستوجب الثناء . فإذا انتقدنا حاكماً خليجياً متصهيناً ذكّرنا المعترضون بمعدلات الرواتب في تلك البلاد وكأن ذلك الحاكم المتصهين هو الذي خلق النفط في بلاده وليس الله .
لقد ثار المصريون على حكومتهم المتهرئة عام 2011 ، فتعرضت ثورتهم للإختطاف من قبل الإسلاميين الذين كانوا جزءا من نظام مبارك لا يألون جهداً في اسباغ الشرعية عليه . وكان عملا عملاقا ونزوعاً حضارياً مدهشا ما قاموا به في العام التالي لإستعادة الثورة من خاطفيها . غير ان الثورة المضادة كانت قد أعدت عدتها فأوقعتهم في الفخ . وسيحتاجون زمناً رهيبا للخروج مرة اخرى .
لم تكن مصر قبل ثمانين عاماً أقل من تركيا او كوريا في اي مجال من مجالات الحضارة . اما اليوم فلا مجال للمقارنة لأن المصريين ككل العرب استكانوا واستسلموا بينما واصلت الامم الاخرى حراكها . وعلى من يعتبرون أنفسهم واعين من العرب تقع مسؤولية هذه الجريمة الكبرى . جريمتهم ليست مجرد الغياب ، بل ان الغياب فضيلة لو إلتزموا به ، فلهم دور تخريبي سنبحثه بعد ان نفرغ من شؤون الساعة الملحة .
( ابو زيزوم _ 716 )
2019-10-08