الخليجيون والمعادلة المستحيلة!
اضحوي جفال محمد*
توقفت صادرات بعض الدول الخليجية من النفط والغاز بشكل تام او شبه تام، وتوقفت تبعاََ لذلك عائداتها المالية، فأصبحت تواجه أزمة تمويل ادارتها وتجارتها. فلو أخذنا نموذجاً السعودية التي كانت قبل هذه الحرب تحصل على قرابة المليار دولار يومياََ، ولو استمر تصديرها على مستواه لارتفع دخلها وفقاً للأسعار الجديدة إلى مليارَي دولار يومياً. هذه السعودية توقفت صادراتها الان بشكل شبه كامل، فمن يا ترى يعوضها عن هذا التوقف الرهيب لتدفق الاموال؟.
الحوثيون يمنعون ناقلات نفطها من عبور باب المندب، والإيرانيون يمنعونها من عبور الممر العماني في مضيق هرمز، والأمريكيون يمنعونها من عبور الممر الإيراني في مضيق هرمز. وباستهداف ميناء ينبع لم يعد ممكناً تحميل ناقلات تتجه إلى قناة السويس. ولأن الحرب مفتوحة دون توقيتات زمنية لانتهائها بات لزاماً عليها البحث عن مصادر دخل اخرى.
سجّل العجز في الميزانية العامة السعودية قبل الحرب 65 مليار دولار. حصل ذلك والسعودية تصدر نفطها دون عوائق، وتم تعويضه بالاقتراض. فأي اقتراض يمكنه معالجة الأزمة الحالية؟ وهنا ندخل في المعادلة المستحيلة. لدى السعودية كما لدى الدول الخليجية الأخرى احتياطيات هائلة من المال، وتلك الاحتياطيات مودعة في الخارج، والجزء الأكبر منها مودع داخل الولايات المتحدة على شكل ذهب او ودائع نقدية او سندات خزينة او أصول اخرى. وأمريكا لا تسمح للمودعين، بما فيهم الغربيون انفسهم، أن يستعيدوا ذهبهم المؤمّن لديها. والأصول العينية كالعقارات يصعب تسييلها عند الحاجة الطارئة. فالجزء الأسهل للبيع هو سندات الخزينة الأمريكية التي يمكن بيعها داخل البورصة فوراً، ولما كان القسم الأكبر من الاموال الخليجية في الولايات المتحدة سندات خزينة يصبح هو الحل الانسب لدعم نفقات تلك الدول، إلا أن كل دولار يُسحب بهذه الطريقة يُحدث خللاََ في الميزانية الأمريكية!.
يترافق هذا كله مع أخطر أزمة تمويل تشهدها الخزانة الأمريكية في تاريخها، فهي ملزمة بعرض ما قيمته ترليون دولار من سندات الخزينة خلال الأشهر الثلاثة المتبقية من هذه السنة، على افتراض ان لا يقوم المالكون للسندات بعمليات بيع واسعة. قد يقول قائل: وما الضرر على الخزانة الأمريكية من تداول السندات السابقة التي ليست جزءاََ من التمويل الحالي؟ التساؤل في محله، وجوابه ان المشترين لهذه السندات القديمة هم المعوّل عليهم في شراء سندات جديدة تجنّب الادارة الأمريكية حالة الإغلاق الحكومي التي تلوح في الافق. فالخليجي مثلاً عندما يعرض السندات التي بحوزته للبيع العاجل فهو يعرضها بأقل من سعرها كي يجد من يشتريها في بورصة الأسهم. والمشتري يجدها فرصة مربحة تغنيه عن شراء أسهم جديدة من خلال مزادات بيع الخزانة. لقد ضغط ترامب يوم وصوله الرئاسة على دول الخليج وحصل من السعودية وقطر والإمارات على ما يقارب خمسة تريليونات من الدولارات استثمارات في أسهم الخزانة. وبالتأكيد لم تدفع جميع تلك الاموال عندما اندلعت الحرب ولم يعد ممكناً دفعها بسبب اضطراب سوق المال، وبسبب احتياج الدول المعنية للأموال في مواجهة تبعات الحرب. وجاءت الضربة القاصمة، البارحة، بقرار البنك الفيدرالي الأمريكي رفع سعر الفائدة خلافاً لهوى ترامب.
رفع سعر الفائدة يفتح أمام المستثمرين باباً منافساً لسندات الخزانة من خلال الإيداع الاعتيادي في البنوك. والمنافس الآخر، الأكبر والأخطر، هو شركات الذكاء الاصطناعي التي بلغت رساميلها أرقاماً فلكية وما زالت تتصعد بسرعة الصاروخ، ويتخوف كثيرون من انفجار فقاعتها وضياع الاموال المستثمرة فيها.
وكي لا نخرج عن موضوع المقال نقول ان دول الخليج لا تملك مالاً يعتد به خارج النظام المالي الغربي. يستطيعون بسهولة سحب اموالهم من بنوك اوربا والشرق، لكن ولسوء الحظ ان هذه الاموال لا تشكل إلا النزر اليسير مما لهم في الجعبة الامريكية، والتي لن تسمح بسحب واسع لأنه يضربها في مقتل.. فكيف سيتصرفون؟ لا ادري، ولا احد يدري.
( اضحوي _ 2442 )
2026-09-18