الخادم الذي يعشق الشيخ عبد القادر الگيلاني!
د. صلاح حزام.
في نهاية الثمانينيات سافرتُ الى مدينة لاهور الباكستانية للمشاركة في برنامج علمي تنظمه الاكاديمية الباكستانية للكوادر الادارية.
كان سكننا في نفس بناية الاكاديمية والذي كان سابقاً مقر الحاكم البريطاني للهند عندما كانت الهند تشمل الهند الحالية والباكستان وبنغلاديش.
البناء كان مَهيباً تنتصب فوق مدخله اعمدة ضخمة على الطراز الاغريقي والروماني مطليٌ كله باللون الابيض .
وفوقه كُتِبَت عبارة : إقرأ ..
لقد كان من ذلك النوع من المعمار الذي يراد منه إظهار الهيبة والسطوة والتفوق كما هو يحصل الآن في العديد من مباني المحاكم الكبرى في العالم لبيان سطوة القانون وجعل الانسان يشعر بالضآلة امام ذلك الكيان المعماري المهيمن..
كان مقر الحاكم يترك ذلك الشعور بالهيمنة في نفوس الهنود البسطاء.
كان السكن في احد ملاحق ذلك البناء حيث خصصوا لكل مشارك جناح متكامل مطل على حديقة مليئة بالاشجار الضخمة الاستوائية التي تنتشر فيها السناجب وطيور الببغاء الملونة وخصصوا مجموعة من الخدم المطيعين لتقديم الخدمة للضيوف.
تناول الطعام كان يتم في قاعة ضخمة كان يجلس فيها الحاكم البريطاني لتناول الطعام وكانوا لازالوا يستخدمون الملاعق والسكاكين الفضية التي كان يستخدمها الحاكم وطاقمه.
كان يقف على خدمتنا اثناء تناول الطعام عدد من الخدم ، لكن كبيرهم الذي كانت له لحية بيضاء ناصعة طويلة تصل الى منتصف بطنه ويُدعى أمير الدين ، كان يقف على رأسي متوثباً لتقديم الخدمة لي.
كان ذلك يتكرر في كل وجبة ، لكني كنت اشعر بالحرج من ان اطلب منه شيئاً وهو شيخ كبير!!
طلبتُ من احد الاصدقاء الباكستانيين المشاركين ، ان يخبره بحرَجي ورغبتي في ان يخدمني شخص شاب استطيع تكليفه.
لكن ذلك الصديق، اخبرني ان الطباخ العجوز يتمنى خدمتك لانه عَلِم انك من بغداد التي يقع فيها مرقد الشيخ عبد القادر الگيلاني ، ولعلك زرتَ مرقد الشيخ وعَلِقَ بكَ بعضُ ترابه !!
شعرتُ بالتعاطف معه وذهبت اليه للسلام عليه ومجاملته، لكنه انخرط في بكاء مرير وهو يمسح يده على جسدي ويريد تقبيل يدي !!ودموعه تنساب على لحيته في منظر يفطر القلب.
سألني: هل تزور الشيخ عبد القادر؟
قلت له نعم ، فبكى مجدداً !!
وعدته بأني سوف ادعوه لزيارة العراق واتكفّل بمصاريف زيارته كاملة لكي يزور الشيخ ..
لم يكن لديه جواز ، اعطيته بعض المال لكي يستخرج الجواز وتدخّل شخص باكستاني وهو مدير شركة كبرى ووعد بانه سيكون الواسطة بيني وبين ذلك الطباخ العجوز لتسهيل اجراءات السفر والدعوة وارسال التذاكر له .
بعد عودتي وبانتظار استلام نسخة الجواز التي تأخر ارسالها ، دخل العراق الكويت واغلقت الحدود وانتهى كل شيء.
كنت آمل ان اكون سبباً في إسعاد ذلك الشيخ الطيب ..لكنه لم يكن محظوظاً.
كان يتفرّس في وجهي وهو غير مصدّق أني زرت مقام الشيخ عبد القادر.
2021-08-08