الحوار في ليبيا والسيناريو المرعب
د. أعلية علاني – جامعة منوبة – تونس
المصالحة في ليبيا مثل صخرة سيزيف ما أن تبلغ قمة الجبل تعود لتتدحرج من جديد. لكن جولات التفاوض الأخيرة بدأت في تحديد سقف زمني لا يتجاوز نهاية سبتمبر/ أيلول 2015.
فهل هذه المدة كافية لتوقيع الاتفاق من طرف فجر ليبيا؟ وهل يتمكن الفرقاء الليبيون من إتمام تشكيل الحكومة؟
وما هي أبرز السيناريوات المطروحة لتشكيلها؟ وهل تقدر الحكومة القادمة على تجاوز نفوذ الكتائب المسلحة؟ وأخيرا هل تتجه ليبيا نحم حكم لامركزي أو دولة فيدرالية؟
حكومة الوحدة الوطنية والمخاض العسير
لا شك أن الضغط الدولي بدأ يجد أثره لدى اللاعبين الكبار في ليبيا خاصة مع أخبار تقدم داعش وتهديدها بابتلاع المنطقة. وقد صادف أن التقيت مؤخرا خارج تونس بالعديد من الخبراء الليبيين وبعض عناصر المجتمع المدني فلمست لديهم توجها بدا ملحا حول تشكيل الحكومة ربما يُغضب بعض الأطراف حيث أن المطروح حاليا أن يكون رئيس الحكومة من مجموعة الحكومة الشرعية في طبرق وله نائبان أحدهما من فجر ليبيا.
لكن هل ستتمكن الحكومة الجديدة من تعويض الكتائب المسلحة وتسيطر على الميدان أم أنها ستبقى رهينة التجاذبات بين أجندات الكتائب وأجندات القبائل.
وأكثر من اتصلت بهم أكدوا لي أن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية سيواجه عقبتين رئيسيتين:
الأولى تتمثل في عدم قدرة هذه الحكومة على تجريد الميليشيات من السلاح، أما العقبة الثانية فتتمثل في تشكيل جيش جديد، وهل سيكون جله من الميليشيات أم من الجيش الحالي أو خليط بينهما وما هي المقاييس المعتمدة في ذلك؟.
وما هو موقع حفتر في المؤسسة العسكرية وهل سيصر هذا الأخير على فصل موضوع الجيش عن موضوع الحكومة؟ إن السؤال المطروح هل أن الحكومة الجديدة قادرة – بعد أن تتشكل – على فرض سلطتها دون التحكم في المؤسسة العسكرية وهو أمر صعب؟
هذه الأسئلة وغيرها تجعل الغموض سيد الموقف فالكل في ليبيا يريد الحل والسلم لكن بشروطه وأجنداته، لأنه طالما تشكلت حكومة بلا جيش متفق عليه فلا يمكن الحديث عن نهاية الأزمة الأمنية ولا عن إعمار البلد وعودة المغتربين.
ويدور حديث في كواليس التيارات الفاعلة في ليبيا عن طبيعة النظام السياسي المرتقب والذي يراه البعض إما نظاما لامركزيا أوفدراليا.
بين الفيدرالية واللامركزية
هناك شبه إجماع على عدم العودة لطبيعة نظام الحكم السائد في عهد القذافي.
ويدور حاليا حوار بين بعض الفصائل عن خيار الفيدرالية والذي يجد رفضا من فصائل أخرى، في حين يلح البعض الآخر على نظام اللامركزية.
وتطرح بعض القوى الليبية إمكانية تقسيم ليبيا إلى محافظات وأقاليم جديدة، وحسب هؤلاء فإن الشرق يمكن أن يمثل إقليما واحدا يضم 4 محافظات.
أما الغرب فيمثل إقليما بأكثر من 5 محافظات في حين يتم إحداث إقليمين بالجنوب نظرا لطبيعته العرقية المتنوعة (طوارق وتبو وعرب) ويضم الإقليمان 3 محافظات.
وتعتبر هذه الفصائل أن النظام اللامركزي سيسمح لكل التيارات بالتواجد حتى وإن كانت أقلية.
فالإخوان المسلمون المتواجدون في الغرب يمكن أن تكون لهم تمثيلية في المجالس المنتخبة في حين يصعب تواجدهم في الشرق نظرا لطبيعة المنطقة القريبة من مصر والمعادية عادة لهذا التيار، لذا ستكون تمثيليتهم شبه منعدمة في المجالس التابعة لإقليم الشرق.
ويمكن القول أن المصالحات التي وقعت مؤخرا بليبيا (مثل مصالحة ورشفانة مع مصراتة ومصالحة ورشفانة مع زوارة إلخ) سمحت بتطويق عداوات ما بعد سقوط القذافي، لكنها غير كافية وغير قادرة على فرض الأمن.
فهناك الكثير من القوى السياسية والدينية، التي ليس من مصلحتها نجاح المصالحة، ما تزال تعمل على إجهاضها.
ونستطيع القول أن ليبيا ستشهد تواصل حالة الفلتان الأمني لعدة أشهر أخرى، وهو ما سيسمح لميليشيات القاعدة وخاصة داعش بالتوسع ترابيا.
فهل يدرك الليبيون أن تأجيل المصالحة مهما كانت الدوافع هو تأجيل لعودة الشرعية في ليبيا؟
وهل يدرك أجوار ليبيا أن كلفة اللااستقرار الأمني في هذا البلد ستكون ثقيلة وستلقي بظلالها على دول الجوار التي ستضطر إلى الترفيع في الاحتياطات الأمنية والدخول في مغامرة التسلح التي لا تنتهي. ويبقى الأمل معقودا على الليبيين لكي لا يلعبوا طويلا في الوقت بدل الضائع، لأن السيناريو المرعب الذي تحدث عنه بعض الليبيين هو أنه في صورة استمرار الفلتان الأمني وفشل الحوار فإن دول الجوار ربما تضطر إلى غلق حدودها بالكامل مع ليبيا مما يعني ارتفاع منسوب العنف وتواتر التصفيات الداخلية بين مختلف الفصائل، والتي ستنتهي حتما، إما ببروز مجموعة قوية ومتسلطة في الحكم، أو بصوملة البلاد.
لذا يجب تظافر كل الجهود لتفادي مثل هذا السيناريو الرعب لليبيا ولدول الجوار.
29/08/2015
