الحركة الثورية ضمانة وحيدة للإصلاح السلمي!
جمال الطاهات
من المفارقات التاريخية، أن وجود الحركات الثورية ضرورة لتحقيق الإصلاحات الكبرى دون تكلفة المسارات الثورية، والشعوب التي تخلت عن تطوير الحركات الثورية وجدت نفسها في دوامة التغيير الثوري العنيف. فأهم ميزة للحركات الثورية أنها تفتح طريق الإصلاح السلمي من خلال تحرير الشعب من أوهام تحقيق الإصلاحات بشكل تلقائي، وتحرير الملوك من الوهم بأن الشعب سينتظر نواياهم الطيبة إلى ما لا نهاية.
وأبرز الأوهام التي تتردد مؤخراً، متعلقة بإمكانية قيام الملك بتوريث العرش لابنه في حياته. فكل التحليلات والتوقعات لهذا الاحتمال في الأردن، تشترك في فكرة بسيطة مفادها أن الأردن خسر الكثير، بسبب شخص الملك، ويتمنون تطوعه بتخليصهم من استبداده وفساده، بحيث يتجنب الشعب كلفة التغيير. فالاحتمال ان يكون الابن أقل استبداداً وفساداً وتفاهةً من أبيه، فيتحقق إصلاح -ولو كان جزئياً- دون أن يدفع الشعب كلفة التغيير.
وهذه ليست ميزة خاصة للشعب الأردني، فكل المجتمعات تتمنى الإصلاح والتطوير دون تحمل كلفة الصراعات التي تفتح بوابات التغيير. ولكن دروس التاريخ تثبت بأن ترتيبات إدامة العروش تلحق بالشعوب أضراراً أكبر من كلفة التخلص منها. فالشعوب وقود هذه الترتيبات، فلا تستطيع تجنب المشاركة فيها، ولا تحقيق أي مكاسب من نتائجها. فالشعوب مجرد غنيمة لمن يصل العرش، ويسحب الشعوب إلى مسارات بعيدة عن فرصتها في تحرير إرادتها، واسترداد دولتها سلطة وموارد.
من جهة أخرى، فإن ترتيبات إدامة العروش عبر التاريخ، وكما رصد ذلك ابن خلدون، مؤشر على تداعي “العصبة الحاكمة” وتحللها، وفرصة لنشوء عصبة جديدة تحل محلها. ويؤكد جان جاك روسو في إحدى رسائله على أن الأسر الحاكمة لا تتطور نحو الأفضل، وإنما تتحلل نحو الأسوأ. وهو وإن لم يشر إلى ابن خلدون، إلا أنه يصل لذات النتيجة، بقوله: “أن السلالات الحاكمة تبدأ بملوك عظماء، وتنتهي بشواذ ومنحرفين”، وذلك للتأكيد على أن فرنسا ستكون بحال أحسن، وتسترد مصيرها، إذا تخلصت من كلفة إدامة العرش.
فالأسر الحاكمة تتحلل ولا تتطور، لأنها -رغم كل ما تحيط به نفسها من هيلمان ومظاهر أبهة- لا تمتلك خصائص الكيانات العضوية، وإنما مجرد كيان معزول عن البناء العضوي للمجتمع، ومقطوع عنه، ومحروم من فرصة التعافي الذاتي التي تتميز بها الكيانات الحية. فالأسر الحاكمة تشبه اليد المجروحة، فلو كانت جزءً من جسم حي، فإنها تتعافي، ولكن إذا كانت مقطوعة عنه، فسوف تتعفن. وجان جاك روسو، في رسالته المشار إليها أعلاه، دعا إلى تحرير فرنسا من البقاء في سياق “ترتيبات إدامة العرش”، وأكد على أن الدولة تستمر عبر تفعيل “الإرادة العامة”، كمصدر وحيد للتعبير عن استقلال الشرعية الوطنية عن الحاكم، وتحرير الشعب من الحاجة لملك يعتقد، بأن إرادته أسمى من إرادة شعبه وبديلاً لها.
وعودة للسياق الأردني، فإن الأماني العذبة بتحقيق الإصلاح بشكل هادئ وطوعي، دونها الكثير من العقبات. فأن يتطوع المستبد الفاسد بالتخلي عن العرش لابنه، خيار غير منسجم مع بنيته النفسية كمقامر، أدمن الرهان على تحقيق المكاسب لنفسه، ولنفسه فقط. وهناك شكوك بأن يقوم الابن بمبادرة شبيهة بما قام به الملك خوان كارلوس قبل تسلمه عرش اسبانيا، من حيث استعداده لتنفيذ الإصلاحات وإعادة الدولة للشعب سلطة وموارد، ويتخلى عن السيطرة على مؤسسات الدولة بالتحول إلى ملك دستوري، يوقف نهب الموارد المالية من قبل عائلته وحواشيهم، (فهذا سيعرضه لمؤامرات أقاربه وكل الشركاء الحاليين في نهب موارد الدولة). إذ أن المستبد الفاسد فرض خلال حكمه معادلة اجتماعية لتوزيع السلطة والموارد، لن يستطيع ابنه -حتى لو أراد الإصلاح- أن يقوم بتغييرها منفرداً دون قوى شعبية فاعلة، تمكنه من تفكيك مراكز السلطة التي تشكلت خلال حكم أبيه، وتتمسك بالوضع الراهن ضد أي إصلاح.
من جهة أخرى، فإن المستبد الفاسد لن يتنازل عن العرش لابنه من أجل الإصلاح، فهذه الخطوة -إن تمت- لن تكون إلا مناورة للتخلص من التبعات والآثار السياسية للأخطاء المتراكمة. كما أن ولي العهد والملك المنتظر، أعلن قبل فترة “بأن الربيع العربي انتهى”، وهذا القول يكشف قناعته بأن الإصلاح لم يعد ضرورة. فالتاريخ يؤكد على أن الإصلاحات تأتي تحت ضغط الخيارات المرة، (إما الإصلاح أو فقدان المُلك). فالذي حول ملوك أوروبا إلى ملوك دستوريين، هي مشاهد وقصص مروعة لمصير ملوك بريطانيا وفرنسا الذين رفضوا التكيف، بالتخلي عن سلطاتهم لصالح مؤسسات الدولة.
وحتى تحرر الحركة الثورية الشعب الأردني من الاوهام، لا بد من المضي قدماً في مشروع تمكين الشعب الأردني من استرداد دولته سلطة وموارد، وتحويل الشعار إلى هدف عملي بتطوير أدوات فعالة للتعبئة والحشد الشعبي. فما تم إنجازه على مدى سنوات الربيع العربي في الأردن، هو تشكل وعي الشعب بمصالحه بشكل مستقل عن النظام، وأن الأردن كيان مستقل عن المستبد الفاسد وعائلته. ولا بد من المضي قدماً لتعزيز هذا الإنجاز ومتابعته، بتأسيس شرعية وطنية مستقلة عن النظام، فهذه الخطوة من شأنها تمكين شعبنا من امتلاك زمام المبادرة، وعدم الرهان على نوايا المستبد الفساد وعائلته، وتحريرهم من الوهم بأن الشعب سينتظر نواياهم الطيبة إلى ما لا نهاية، كشرط ضروري لحصول الإصلاح السلمي.
أخيراً، أن العمل على تجنب المسارات الثورية لاسترداد الدولة سلطة وموارد، يتطلب وجود الخيار الثوري. فالخبرة المتواترة تثبت أن تعليق السيف بصدر البيت بشكل واضح، ضرورة حتى لا يكون صاحب البيت بحاجة لاستخدامه. ولما كان الشعب الأردني هو صاحب الدولة وسيدها، فإن أهم شرط لتجنيبه دفع كلفة التغيير الثوري، هو جاهزية الخيار الثوري كوسيلة لاسترداد الدولة سلطة وموارد. فالرهان على نوايا الفاسدين سذاجة تغريهم بالاستمرار بنهجهم. والحركة الثورية ضرورة لتحرير الجميع من الأوهام ولتقليل كلفة التغيير الآتي قريباً جداً.
2023-06-07
