الحرب وفلسطين…!
سعادة مصطفى أرشيد*
في حين ينشغل العالم بأخبار الحرب وما تلاها من مفاوضات بين الولايات المتحدة من جانب، وإيران وحلفائها (كما ورد في النص) من جانب آخر، ويعود الانشغال بتصريحات دونالد ترامب التي يحاول أن يظهر فيها بمظهر القويّ بالعودة إلى الحرب وعرقلة عمليّة التفاوض؛ يرى الإيراني أن الكلام – حسب ما يقول المثل الشعبي- “ما في عليه جمرك”.
من الواضح أن ميزان المعركة التفاوضية ينزاح بشدة لصالح إيران، ويبدو ذلك من قدرتها على فرض قواعد التفاوض، إنْ من حيث الشكل أو من حيث المضمون، ويُلاحظ أكثر عند قراءة البند الأول من مذكرة التفاهم التي وُقّعت في إسلام آباد، والتي تتحدّث عن وقف إطلاق النار على جميع الجبهات، بما فيها الجبهة اللبنانيّة والانسحاب “الإسرائيلي” من أرض لبنان، الأمر الذي مثّل صفعة مدوية للكيان العبري، لا لحكومة بنيامين نتنياهو فحسب.
قد لا تمانع واشنطن بأن يستمر العدوان “الإسرائيلي” على جنوب لبنان لبعض الوقت، وذلك لفحص مقدار جدية إيران في دفاعها عن حليفها اللبناني، ورغبة منها في إعطاء “إسرائيل” فرصة لفرض حقائق على الأرض وللخروج بشكل معقول غير مذلّ من لبنان، ولكن إيران التي أثبتت التزامها الكامل بلبنان ومصالحه ترى أنّ “الإسرائيلي” يتعثر على تلال “علي الطاهر” وغير قادر على فرض معادلات أو حقائق على الأرض، ولذلك فإنّ خروجه في النهاية لن يكون مشرّفاً.
بنيامين نتنياهو وأركان حكومة الاحتلال الذين استطاعت الحرب على غزة، ثم هذه الحرب أن تؤجّل من مشاكلهم التي أصبحت اليوم تتفاقم أكثر بسبب هذا التعثر في جنوب لبنان، ومع الخلل المهمّ الذي شاب علاقتهم بواشنطن، فقد أصبحت هناك مشكلة تفوق في خطورتها على بنيامين نتنياهو المشاكل السابقة والقضايا المنظورة بتهم الفساد أمام المحاكم؛ فيما يبدو واضحاً أنّ الضغط الذي مارسه ترامب على الدولة العبريّة في السابق لم يفلح في الحصول على عفو مسبق لنتنياهو قبل صدور الحكم عليه، فكيف اليوم وهو أقلّ استعداداً للدفاع عن رئيس وزراء أصبح محكوماً عليه بالسقوط المدوّي؟!
لن يجد نتنياهو ما يفعله إلا استغلال حالة الانشغال الدولي والإقليمي من جهة، واستغلال حالة التطرّف داخل المجتمع الإسرائيلي من جهة ثانية، لإكمال مخططه في غزة ودفع الكارثة الإنسانية إلى التفاقم، وهو اليوم يحتلّ نصف أراضي القطاع فيما يحاصر النصف الآخر، ولا يتوقف عن القتل والهدم والتجويع. أما في الضفة الغربية والقدس فتتسارع مشاريع مصادرة الأرض والاستيطان، ولا تكاد تخلو منطقة من عمل الجرافات (البلدوزرات) التي تعمل على بناء مستوطنات جديدة أو معسكرات ونقاط عسكرية للجيش الإسرائيلي، فيما أصبح المستوطنون الجدد المسلحون من وزارة الأمن الداخلي ـ والذين يرعاهم وزيرها بن غفير باعتبارهم ميليشيا رسمية ـ يقتحمون بيوت المواطنين ويعتدون عليهم وسط صمت مطبق فلسطيني وقومي وعربي وعالمي، وهذا ليس إلا مقدمة لتنفيذ مشروع الضم والتهجير المعلن.
قبل ثلاث سنوات، أثبتت حرب السابع من تشرين الأول بين المقاومة الفلسطينيّة ودولة الاحتلال أن الانتصار ممكن حتى ولو كان مكلفاً، وأن القوة ليست القوة الماديّة فقط، وإنما قوة الإرادة مع ما يتوفر من وسائل وإن كانت لا تقارن بالوسائل المضادة، وحسن إدارة للمعركة، فيما أعادت الحرب الحاليّة التأكيد على أن الانتصار ممكن حتى على الولايات المتحدة، وذلك بفعل الصمود وحسن إدارة المعركة إن في طهران وإن في جنوب لبنان.
الحرب لا زالت متواصلة في لبنان، وقد تعود لجولات أخرى في إيران، وتراجع الأعداء لن يكون نهائياً وإنما إلى أن تحين لهم الفرصة من جديد، ولكن ما يحمي لبنان وإيران هو الوحدة والتلازم بين الساحتين، ولكن خروج فلسطين وساحتها من ساحات القتال أمر ترك الفلسطينيّ وحيداً، فإلى متى سيبقى الحال كذلك؟
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير ـ جنين ـ فلسطين المحتلة
2026-06-24