“الحرب على الناركو”: واشنطن تفتح جبهة مزدوجة ضد فنزويلا وكولومبيا!
عدوانية واشنطن تجاه كاراكاس وبوغوتا في وقت واحد، وبنفس الذريعة، يكشف عن تبلور “الحرب على الناركو” كأداة مرنة وفعالة للهيمنة الأمريكية في الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين، بعدما استنفذت “الحرب على الإرهاب” أهدافها في الربع الأول منه
سعيد محمد*
في تصعيد قد يكون الأكثر خطورة منذ عقود، لم تعد سياسة إدارة ترامب في أمريكا اللاتينية تقتصر على ملف “الأعمال غير المنجزة” في فنزويلا. إذ شهدت المنطقة خلال الأيام القليلة الماضية تحولاً استراتيجياً ينذر بخطر شديد: فبينما يبلغ الحشد العسكري الأمريكي قبالة سواحل فنزويلا ذروته بهدف بات معلنًا هو إسقاط النظام البوليفاري، أدارت واشنطن فوهة نيرانها السياسية والاقتصادية فجأة نحو كولومبيا، حليفها التاريخي الأوثق في القارة. هذا الاستهداف المزدوج والمتزامن، لكاراكاس وبوغوتا معاً تحت نفس الذريعة – “الحرب على المخدرات” – يكشف عن تبلور عقيدة أمريكية جديدة أكثر عدوانية تجاه الإقليم، نسخة محدثة من منطق الغطاء الإمبريالي الموسوم بـ”الحرب على الإرهاب”، وتهدد بجر منطقة الأنديز بأكملها إلى صراع واسع النطاق.
الرئيس دونالد ترامب أوقف بقرار مفاجئ المساعدات عن بوغوتا، واصفاً رئيسها المنتخب، غوستافو بيترو، بأنه “زعيم مخدرات غير شرعي” في تحول دراماتيكي أطاح بعقود من التحالف الاستراتيجي بين واشنطن وبوغوتا التي كانت لعقود حجر الزاوية في “خطة كولومبيا” وتلقت نحو 14 مليار دولار من المساعدات العسكرية الأمريكية منذ بداية القرن الحالي لمحاربة القوى الثورية اليسارية و(شكلياً) كارتيلات مهربي المخدرات.
كان بيترو، أول رئيس يساري في تاريخ كولومبيا، قد أثار استياءً أمريكياً في غير ما ملف، لا سيما فيما يتعلق بحرب الإبادة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين. على أن القشة التي قصمت ظهر البعير في العلاقة مع واشنطن كانت رد فعله على مقتل صياد كولومبي في إحدى الضربات البحرية الأمريكية الأخيرة (التي استهدفت قارباً تابعاً لمنظمة جيش التحرير الوطني اليسارية الكولومبية). بيترو، على عكس أسلافه، لم يلتزم الصمت، بل اتهم الولايات المتحدة علناً بارتكاب “جريمة قتل” وانتهاك سيادة بلاده.
رد ترامب – عبر منصته “تروث سوشال” – جاء متعجرفاً وصلفاً، فوصف الرئيس الكولومبي بأنه “زعيم مخدرات غير شرعي يشجع بقوة على الإنتاج الضخم للمخدرات”، وأعلن قطع جميع المساعدات والإعانات الأمريكية. لكن الأخطر من ذلك، كان التهديد المباشر الذي تبع الإعلان: “من الأفضل لبيترو أن يغلق حقول القتل هذه على الفور، أو ستغلقها الولايات المتحدة من أجله، ولن يتم ذلك بلطف”.
ردة الفعل هذه المفتقدة للياقة الدبلوماسية من الرئيس الأمريكي لم تكن تلقائيّة، بل مبيتة وفق المراقبين الذين لاحظوا أن واشنطن كانت ألغت في سبتمبر/ أيلول الماضي تصنيف كولومبيا كحليف في مكافحة المخدرات لأول مرة منذ عام 1997. ويبدو أن ترامب، بتهديده بالتدخل المباشر الذي “لن يتم بلطف”، يكشف عن اتساع دائرة الاستهداف في أمريكا اللاتينية لتتجاوز شخص نيكولاس مادورو والنظام البوليفاري في فنزويلا.
إن ما بدأ قبل أشهر كأكبر انتشار بحري أمريكي في الكاريبي منذ غزو بنما عام 1989، بذريعة “مكافحة تهريب المخدرات”، تحول الآن، وبشكل لا لبس فيه، إلى عملية نفسية وعسكرية واستخباراتية تهدف مباشرة إلى “تغيير النظام” في كاراكاس. لقد تخلت واشنطن عن كل غطاء دبلوماسي وتمويه قانوني في حملتها لإقناع الرئيس نيكولاس مادورو ودائرته المقربة بأن كلفة البقاء في السلطة ستكون باهظة، وأن خيار الرحيل هو الوحيد المتاح للنجاة. فالحشد البحري، الذي يضم مدمرات وغواصات وطائرات مقاتلة، يرافقه استعراض قوة متعمد، إذ تم رصد قاذفات “B-52” استراتيجية تحلق قبالة الساحل الفنزويلي وأجهزة إرسالها واستقبالها قيد التشغيل للإعلان عن وجودها. كما انتشرت صور لسفن “شبح” تابعة للقوات الخاصة، ومقاطع فيديو لتدريبات على طائرات “بلاك هوك” و”ليتل بيرد” قبالة السواحل الفنزويلية.
ويبدو أن ترامب يريد الاستفادة من “العصا الغليظة” المرفوعة على فنزويلا لتأديب كل من تسول له نفسه التشويش على الهيمنة الأمريكية المطلقة على “حديقة واشنطن الخلفيّة”، لا سيّما في ظل حاجة موسكو الماسة إلى تسوية تنهي نزيفها المفتوح في أوكرانيا، وانكفاء بكين، وعزلة طهران، وهم الحلفاء التقليديون للأنظمة ذات الميول اليسارية في أمريكا اللاتينية.
لكن خبراء يقولون إن إقدام الأمريكيين على فتح جبهة مزدوجة ضد فنزويلا وكولومبيا معاً هو مقامرة بالغة الخطورة على أمن الإقليم برمته. فالدولتان تشتركان في حدود يبلغ طولها أكثر من 2200 كيلومتر، وهي واحدة من أكثر الحدود اضطراباً في العالم، وتنشط على جانبيها جماعات ثورية يساريّة. وأي ضربة أمريكية داخل فنزويلا قد تثير فوضى يمكن أن تمتد بسهولة إلى الأراضي الكولومبية. كما أن أي عمل عسكري أمريكي في كولومبيا سيقابل برفض شعبي وسياسي عارم يدفع بيترو إلى تحالف أوثق مع البوليفاريين في كاركاس. ومن غير المستبعد أن تنتهي الأمور إلى سيناريوهات كارثية شبيهة بما حدث في ليبيا والعراق وسوريا، لا سيما أن الجيوش النظامية في فنزويلا وكولومبيا ليست في حال تسمح لها بمقارعة عدوان أمريكي واسع النطاق، مما سيفتح الباب أمام دخول ملايين المسلحين في المنظمات الشعبيّة في حروب عصابات وربما صراعات أهلية قد لا تنتهي في عقود طويلة.
إن “الحرب على الناركو” ليست إلا استنساخاً مباشراً لاستراتيجية “الحرب على الإرهاب” التي طبقتها واشنطن طيلة الربع الأول من هذا القرن لتبرير غزو وتدمير دول ذات سيادة مثل أفغانستان والعراق، ولاحقاً التدخل لتفكيك ليبيا وسوريا. وكما الأمر في الشرق الأوسط بالأمس عندما وظفت شعارات “نشر الديمقراطية” ونزع “أسلحة الدمار الشامل” لتحقيق أهداف الهيمنة الأمريكية بإعادة رسم الخرائط الجيوسياسية، وتأمين السيطرة على موارد الطاقة، تستخدم “الحرب على المخدرات” اليوم كذريعة لإسقاط الأنظمة المستقلة في أمريكا اللاتينية والاستيلاء على الموارد.
———-
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
– لندن
2025-10-23