الحرب الشرسة من الغرب الإمبريالي على الحضارة العربية والإسلامية !
مهيب صدوق
في بداية الأمر أود أن أنوه أنني حينما أتحدث عن العالم العربي والإسلامي ، فإنني أشير إلى الامتداد الجغرافي ومكوناته البشرية بكل أطيافها وتوجهاتها الاثنية والعرقية والدينية والثقافية والايدلوجية ، سواء كانت أقلية أو أكثرية .
وعليه فإن هذا المقال يشرح في خضم التحولات الكبرى التي يعرفها العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط جدار برلين في أواخر القرن الماضي ،أي مرحلة انتهاء الحرب الباردة بين حلف وارسو بزعامة الاتحاد السوفييتي سابقا ، وبين حلف الشمال الأطلسي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية .
انتهاء هذه الحرب كان بمثابة الإعلان عن بداية مرحلة جديدة هي ما أطلق عليه “عصر الميغاامبريالية “.مرحلة سيقود فيها العالم الغربي حربا شرسة كونية شاملة على العالم العربي والاسلامي .حيث سيتغير مفهوم الحرب من السيطرة عاى الثروة والجغرافية ، كما حصل بعد اتفاقية “سايس بيكو” على حرب ثقافية بنيوية هدفها تغيير بنيات المجتمعات العربية والاسلامية في شموليتها .حرب ثقافية بمفهومها الانثروبلوجي الواسع ،هدفها إعادة رسم الخرائط كلها ؛ اي إعادة تشكيل الهويات المحلية من لغة ودين وأخلاق وقيم وعادات وتقاليد ومعتقدات وقانون وسلوك وأنماط عيش ….ألخ .
حرب كلفتها المادية والبشرية من داخل الجغرافية القائم فيها الصراع ،اي داخل الأراضي التي تدار فيها الحرب . تمولها أنظمة عربية عميلة ،تدفع المليارات لشركات صناعة الأسلحة الغربية ، تتحكم فيها “الميغاامبريالية ” تصنع قراراتها وتوجه مساراتها .
مبررات هذه الحرب : منع انتشار الأسلحة النووية ، القضاء على أسلحة الدمار الشامل ، محاربة الإرهاب ، نشر الحرية والديمقراطية والحداثة والعولمة ….الخ .
هذه القراءة لم تأتي من خلال تصورات سياسية أو ايدلوجية وانما من خلال :
– 1 – مجموعة من الدراسات لمفكرين عالميين ، وتصريحات لساسة وصحفيين .
– 2 – من خلال اثباتات ووقائع حصلت وما زالت تحصل على الأرض .
– 1 – توقعات مفكرين وساسة عالميين :
— لقد توقع كثير من المفكرين والساسة العالميين حدوث هذه الحرب ، هناك عالم مغربي ” المهدي المنجرة” تنبأ في كثير من كتاباته وحذر منها ، وتحدث عن المهانات والإذلال الذي سيتعرض له العالم العربي والاسلامي ، لما يشكله من خوف باعتباره قوة حضارية وديمغرافية .من هنا رأى أن الحرب سوف لن تكون اقتصادية وفقط وانما ستتجاوزها الى ما هو حضاري ف : ” الحروب القادمة هي حرب ثقافات وحضارات بين الشمال والجنوب وهي حرب بين فكرة التسلط والاستبداد الحضاري ، وبين فكرة الاختلاف والتعدد .” (المهدي المنجرة :الحرب الحضارية الاولى ،ص :14 ). وهو ما يؤكده في جانب آخر حيث أن ” الحرب ستأخذ ملمحا جديدا يتمثل في حرب حضارية داخل الحدود …والأقليات المسلمة في المجتمعات غير المسلمة ستكون أكثر عرضة لهذه الحرب ،ونلاحظه في الصين والهند ، فالأقليات المسلمة ستمر من فترات أشد من هاته التي يعيشها حاليا لاعتناقها ديانة يتخوف منها كل مجتمع مسيحي يهودى ،اذن فحروب الألفية الثالثة حروب حضارية داخل الحدود “(المهدي المنجرة . عولمة العولمة .ص:53 )
— “صامويل هانتنغتون ” المفكر الأمريكي في كتابه “صدام الحضارات ” الذي اصدره سنة 1996 . تحدث عن هذا التحول الكبير في تعامل دول الشمال مع دول الجنوب . فبعد انتهاء الحرب ألباردة اعتقد الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية ،أن نموذج الأنظمة الاشتراكية أثبت فشله ،وبالتالي” فالليبرالية الديمقراطية ” هي النموذج الكوني الذي يجب تعميمه على العالم والحضارة الغربية هي النموذج الأمثل الذي يجب ان تمتثل له دول الجنوب وهو ما سيكون سببا في خلق نزاعات بين بين هذه الحصا و وحضارات أخرى ف :” الثقافة والهويات الثقافية والتي هي على المستوى العام هويات حضارية هي التي تشكل أنماط التماسك والتفسخ والصراع في عالم ما بعد الحرب الباردة .” (هانتنغتون : صدام الحضارات .ص:37 -ترجمة :طلعت الشايب .) .
وعليه فإن ” البعد الرئيسي والأكثر خطورة في السياسة الكونية الناشئة سوف يكون الصدام بين جماعات في حضارات مختلفة .”(صدام الحضارات ص : 29 ) .فالصراع اذن بين الحضارات والثقافات هو جوهر حروب الألفية الثالثة والذي سيعمل الغرب ومن ورائه إسرائيل الى خلق صراعات دينية وعرقية داخل العالم العربي والاسلامي هدفها تقسيم هذه الدول بعدما أعتقد أن الحضارة العربية والاسلامية تشكل خطرا عليه ،فالحرب التي يقودها على العالم العربي والاسلامي تحت مسمى محاربة الإرهاب ،هي في الحقيقة حرب على الاسلام هذا ما ذكره “هانتنغتون” في كتابه – صدام الحضارات :” المشكلة المهمة بالنسبة للغرب ليست هي الأصولية الاسلامية ، بل الاسلام : فهو حضارة مختلفة شعبها مقتنع بتفوق ثقافته ،وهاجسه ضآلة قوته . “(ص:352 )
— “جيمس وولسي”رئيس الاستخبارات الأمريكية السابق ، كان قد صرح بأن :”المنطقة العربية لن تعود كما كانت في السابق ويف تزول دول وتتغير حدود دول أخرى . “وهو ما أكده ” مارك جويف” المتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية بأن “المنطقة على صفيح ساخن ونحن لن نسكت وننسق مع أجهزة الاستخبارات في الدول الكبرى للقضاء الارهاب لنضمن حماية دولنا .”
— لكي يحقق الغرب طموحاته كان لا بد عليه أن يشن حربا إعلامية كبرى ،من خلال تقارير استخباراتية ومقالات صحافية كاذبة ، وتقديم رشاوى لصحفيين عالميين كبار هو ما كشفت عنه الصحفية الأمريكية المشهورة “توماس هلين “في كتابها “كتاب حراسة الديمقراطية ” . هذه الصحفية كشفت عن كثير من خبايا الحرب الإعلامية التي يقودها الغرب (وإسرائيل ) على العالم العربي والاسلامي ؛ استأجرت امريكا ولأول مرة في سابقة تاريخية وكالات إعلام وصحفيين من أجل تحريف وتزوير الأخبار وتلفيق التهم .وهو ما حدث في الحرب على العراق ، حيث قامت وزارة الدفاع الأمريكية في عهد بوش الابن بدفع ملايين الدولارات لوكالات أنباء وصحفيين من أجل نشر مقالات كاذبة باتهام نظام صدام حسين أنه يملك أسلحة دمار شامل . كما هددت صحفيين من نشر مقالات تكشف حقيقة هذه الحرب .ومنهم الصحفية “هيلين توماس– ” عضو البيت الأبيض السابقة ومراسلة وكالة “يونايتد بريس انترناشيونال “– عندما وصفت ” بوش الابن ” أنه أسوأ الرؤساء الأمريكيين على الإطلاق لأنه أدخل العالم في مرحلة الحروب المستديمة ” . واتهمت ( الاسرائليين ) بالتجسس على أمريكا و وصفتهم بأنهم محتلين لفلسطين وعليهم أن يخرجوا منها .واعتبرتهم هم من يصنع التنظيمات الإرهابية في المنطقة العربية ويمولها . وهو ما جعل ” روبرت غيتس” يتهمها بالعدائية وتستحق التوبيخ .
— 2– الوقائع والإثباتات التي حصلت وما زالت تحصل :
— يشهد العالم أن أبشع المجازر والابادة الجماعية التي وقعت في حق البشرية بعد الحرب العالمية الثانية والتي ازهقت أكثر من عشرة مليون شخص . هي المجازر التي ارتكبت في حق المسلمين في فلسطين وافغانستان وبورما والعراق وسوريا والهند وكاشمير واليمن ….الخ . وأن أبشع تدمير للحضارات هو التدمير الذي حصل للحضارات العربية والاسلامية . وأن المؤامرة الدولية في بداية الألفية الثالثة جعلت الشعوب العربية والاسلامية الأكثر تعرضا للقتل والابادة الجماعية وأكثرها تعرضا للتهجير . كما ان أراضيها أصبحت مسرحا لتجريب أكثر الأسلحة فتكا ودمارا .
— بعد أحداث 11 شتنبر سنت أمريكا حربا شرسة على افغانستان استخدمت فيها أبشع الأسلحة .وقد ذكر ” جدعون ويليا “- وهو أستاذ سابق في جامعة “ملبورن ” الأسترالية – أن عدد الضحايا في أفغانستان منذ 2001 وصل الى ثلاثة ملايين ؛ تسعون ألفا منهم اطفال . وقد كانت أفغانستان مسرحا لتجريب أكبر قنبلة في العالم استعملت لأول مرة في تاريخ البشرية ، هي قنبلة ( جي بي يو 4 / بي 3) قنبلة العصف الهوائي الجسيم التي تزن 11 طنا .
— حرب البوسنة والهرسك التي وقعت بعد تفكيك “يوغزلافيا ” والتي انتهت باتفاقية ” دايتون ” 1995 ،راح ضحيتها عشرات الالاف من المسلمين قدرت بأكثر من 38200 مدني و 57700 عسكري حيث أقترف صرف البوسنة مجازر قذرة وإبادة جماعية أبرزها مجزرة” سيربرنيتسا”كما تم إيثار مسلمين أحياء في مقابر جماعية .كما هدم أكثر من 650 مسجد وأحرقت أكثر من مليون ونصف كتاب ومخطوطة .وهي الحرب التي دفعت ” هانتنغتون ” الى القول ” حرب البوسنة كانت حرب حضارارات مختلفة ويتبعون ديانات مختلفة “(صدام الحضارات ص: 469 )
—- الحرب الأمريكية على العراق ؛ –هاته الحرب التي قال عنها بوش الابن ” أنه يحارب من أجل الله والصليب “– خلفت أكثر مليوني شخص .منها علماء ومهندسون وأطباء …الخ أتى فيها ما يسمى التحالف الدولي لأكثر من 26 دولة على معظم حضارة العراق التاريخيةواستعملت فيها أسلحة فتاكة خلفت وراءها عاهات مستديمة سببها اليورنيوم المنصب ،وقد ذكر الدكتور ” كاظم المقدادي ” في كتابه ” التلوث الاشعاعي والمضاعفات الصحية لحروب الخليج ” أن كمية الذخائر التي أطلقت على العراق من سنة 1991 الى 2003 خلفت أكثر من 2200 طنا متريا من اليورانيوم المنصب وهو ما يساوي 250 قنبلة ذرية ،تسببت في أمراض غريبة ومختلفة سرطانية تجاوز عددها مليون شخص ،منها سرطان الدم ” اللوكيميا ” كما تسببت في تشوهات جنينية والاجهاض وانتشار العقم في أوساط الذكور والإيناث.
وقد انتهكت حرمات العراقيات والعراقيين بالاغتصاب والتعذيب خاصة فيما وقع في سجن أبو غريب .
— بعد نجاح بعض ثورات الربيع العربي والاطاحة ببعض دكتاتوريات الأنظمة العربية تدخل العالم الميغاامبريالي بكل عنجهيته وبمساعدة عملائه من الحكام العرب لإجهاض هذه الثورات ، وهو ما حصل في كل من مصر واليمن والسودان والجزائر …الخ .
فالانقلاب العسكري الذي قاده” السيسي ” في مصر ،بتخطيط من أمريكا و (اسرائيل) ،وبتمويل من السعودية والإمارات والبحرين أسقط مئات الضحايا واعتقل آلاف الأشخاص دون أن تحرك ما تسمى “الديمقراطية الغربية ” ساكنا ، وتبقى أحداث النهضة ومحرقة مسجد ” رابعة العدوية ” وصمة عار على جبين كل من سكت عن هذه المجزرة .
—الحرب الصهيونية الممتدة على الشعب الفلسطيني والمجازر التي ارتكبت في حق هذا الشعب منذ احتلال فلسطين سنة 1948 الى اليوم والمجازر التي تحصل في غزة من تقطيع وذبح أشلاء واغتصاب نساء ومحو حضارات .
—مجازر الهند التي ترتكبها في حق مسلمي الهند وكاشمير .
—مجازر ميانمار في حق الروهنغيا .
** هذا وقد قامت مؤسسة الابداع السياسي الفرنسية بدراسة حول العمليات الارهابية التي نفذت في العالم من سنة 1979 الى نهاية سنة 2019 حيث وجدت ان 91،2 % من ضحايا الإرهاب مسلمون وأن 89،1% من العمليات الارهابية نفذت في بلاد إسلامية .
وقد ذكر “هنتنغتون “أن ” السنوات الخمسة عشر بين 1980 و 1995 وطبقا لبيانات وزارة الدفاع الأمريكية شاركت الولايات المتحدة في 17 عملية في الشرق الأوسط وكانت كلها موجهة ضد مسلمين ولم تحدث أية عمليات أمريكية من هذا النمط ضد أي شعب وحضارة أخرى .” (صدام الحضارات ص:351 ) .
— ان تخوف الغرب المسيحي واليهودي من التحول الديمقراطي ،والنمو الديمغرافي الكبير للمسلمين في العالم مقارنة مع احتفاظ المسيحيين واليهود ،جعله يتخوف من فقدان سيطرته فمنذ 1986– 1985 بدأت الحملة ضد الإسلام بعد كشف معهد بالفاتكان متخصص في دراسة الإسلام أن عدد الكاثوليك انخفض لأول مرة في التاريخ عن عدد المسلمين (850 مليون مسيحي مقابل 860 مليون مسلم ) مع احتمال نسبة اتساع الهوة بانخفاض نسبة المسيحيين وارتفاع نسبة المسلمين . “(المهدي المنجرة .الحرب الحضارية ص:15 ) .
—اذن ما يعيشه العالم العربي والاسلامي على جغرافيته من صراعات وحروب وويلات مخطط له مسبقا من النظام النيولبرالي العالمي . فصول حدثت وفصول لم تحدث بعد بين أشقاء في الحضارة والدين والتاريخ : عرب ،أكراد ،تركمان ،أمازيغ ،سنو .شيعة …..الخ.الهدف منها إعادة رسم الخرائط الحضارية والثقافية والجغرافية والديمغرافية للمنطقة في حدود كانتونات صغيرة ضعيفة ومتخلفة ، في مقابل الغرب ومن ورائه (اسرائيل) كدول قوية اقتصاديا وعسكريا وتكنلوجيا — ان الحرب الحضاريةالتي يقودها الغرب المسيحي واليهودي على العالم العربي والاسلامي ،سوف لن تنتهي قريبا خاصة وأن شعوب هذه المنطقة غير مبالية وغير مدركة وغير مؤمنة تماما لما يحاك ضدها من مؤامرات .وأن عدوى الاسلامفوبيا التي كان يوجهها الغرب لشعوبه، تم تصديرها لشعوب منطقتنا ،فأصبحت فئات عريضة منها مستلبة دون وعي أو إدراك ،فأصبح عدوها هو هويتها : تاريخها ،لغتها ،دينها ،تراثها ،ثقافتها …الخ كأنها هي سبب تخلفها وسبب مأسيها ، في نسيان تام للأنظمة الديكتاتورية العميلة للأنظمة الامبريالية العالمية وللصهيونية .
وعليه فإن سكوت هذه الشعوب وعدم إدراكها لحقيقة ما يجري وتأخرها في المطالبة بأنظمة ديمقراطية حقيقية سيجعلها تؤدي فاتورة دموية كبير لا سامح الله .وسيكون الصراع الديني والعرقي والاثني فيها سيد الموقف . وفي اعتقادي سوف لن تكون إيران كدولة اسلامية بمعزل عن هذا الصراع .كما ان إيران تمتلك هي كذالك ترسانة عسكرية قوية تخيفهما.وعليه فتوريطهما في حرب استنزاف داخلية أو مع جيرانهما هو مطلب استراتيجي مرغوب فيه .
يبقى السؤال المطروح: هل سيستمر هذا الوضع الى ما لا نهاية ؟
لعلي أجد الجواب فيما كتبه عالم المستقبليات ة : “يقول شارل شومو ” كي نجعل من القانون وسيلة بيد الضعفاء لانصاف انفسهم من الأقوياء . لا بد من الثورة لنجعل العدالة محل أنظمة البطش ” . وإلى أن تتحقق هذه الثورة على البشرية أن تتمسك بالإرادة لإعادة بناء ما أجهضه النظام الدولي ” (الحرب الحضارية ص: 61).
2024-03-26
