يبدو ان الحرب الاوكرانية ستطول ، هذا ما كشفته صحيفة “نيويوك تايمز ” الاميركية من خلال دوائر القرار في كل من حلف شمال الاطلسي والدوائر السياسية الاميركية في البيت الأبيض .
الولايات المتحدة تريد آستنزاف روسيا ، سياسيا ، واقتصاديا ، وعسكريا ، ومنعها من تحقيق نصر يغير المعادلات الدولية ، ويقلب الموازين ، حتى ولو ادى ذلك الى تدمير اوكرانيا، انه ثمن كبير في سبيل تحقيق الهدف الاميركي هذا، تدمير اوكرانيا ، وابادة الشعب الاوكراني لا تعيره الولايات المتحدة اية أهمية .
بالمقابل ما تزال روسيا تسير وفق خطتها العسكرية الموضوعة لإخضاع اوكرانيا ، رغم الصعوبات التي يواجهها الجيش الروسي على الارض وارتفاع معدلات الخسائر التي يصاب بها، بسبب التدفق النوعي للسلاح ونفخ روح المقاومة بالاوكرانيين والجيش الاوكراني لإحقاق الهدف الأميركي ، منعت الولايات المتحدة زيلنسكي من الدخول في اية تسوية سياسية مع موسكو يمكن ان تنقذ ما تبقى من اوكرانيا .
الإصرار الروسي على تلك الإستراتيجية الإنتقائية في الأهداف والأسلوب من جهة ، والإصرار على ممارسة عملية عسكرية جراحية نظيفة تحد من الخسائر البشرية من جهة اخرى ، ادت الى ارتفاع مستوى الخسائر الروسية ، كذلك رفض تدمير المنشآت المدنية، وهذا سيطيل عمر الحرب ومعها الإستنزاف لروسيا. .
الإصرار الغربي – الاميركي على التصعيد ، وعلى اطالة عمر المعركة رغم الكلفة الكبيرة التي يدفعها الشعب الاوكراني تشي بتدمير اوكرانيا منهجيا ، لا سيما في ظل استمرار تدفق الأسلحة المتطورة ، ومن خلال عمليات التدريب على انواعها التي يخضع لها الجيش الاوكراني وبعض المرتزقة ، ومن خلال السلاح الحديث على انواعه الذي يستمر تدفقه على اوكرانيا .
يضع ذلك بوتن امام استحقاق جوهري ، هو ضرورة احداث تغيير في الإستراتيجية ، فبعد ان كشف نوايا الغرب ومؤامرته والاعيبه من خلال استدراجه الى الحرب بهدف ابتزازه واستنزاف روسيا اقتصاديا وعسكريا وسياسيا، وبعد ان كشف المختبرات الكيميائية والجرثومية التي تهدد العالم كله وليس روسيا فحسب يصبح امام خيار لا بد منه هو احداث تغيير في استراتيجية حربه .
لا اظن انه بقي امام بوتن الشيء الكثير ليكشفه، بعد ان كشف كل شيء ، وعرى الغرب ومخططاته ، وكشف كذبه ونفاقه وعنصريته ، كما كشف بأن الغرب يحتاج لروسيا ولمواردها الطبيعية الضخمة والمتنوعة اكثر مما تحتاج روسيا للغرب .
لم يتبقى امام بوتن الكثير من الخيارات لحسم المعركة ، وقد يكون الخيار الوحيد امامه توجيه ضربات نوعية، شديدة وقاسية، بمعزل عن ارتفاع معدل الخسائر التي سيحدثها .
الامر اصبح على السكين ، اما ربح واما خسارة ، وهو لا يستطيع ان يخسر الحرب لانها تقرر مصيره من جهة ، ومصير العالم وتربع الولايات المتحدة على قمة الهرم العالمي من غير منافس ، لان الصين نفسها وهي المناس الرئيسي للولايات المتحدة ستكون عاجزة عن تغيير المعادلات .
ان إطالة عمر الحرب دون حسم سيضع روسيا امام حالة ابتزاز واستنزاف صعبة ، سياسيا وعسكريا واقتصاديا ، وسيضع روسيا امام استمرار الحملة الاعلامية الهائلة من البروباغندا الغربية .
ناهيك عن ان حسم المعركة سيؤدي الى قلب موازين القوى الدولية ، وسيؤدي في الداخل الاميركي الى خسارة الحزب الديمقراطي للإنتخابات النصفية، وسيشكل ذلك مقدمة لخسارة الإنتخابات الرئاسية عام ٢٠٢٤ . وسيذهب العالم الى عالم متوازن بعيدا عن الهيمنة الأميركية والتسلط الاميركي .
نحن في حالة سباق مع الوقت ، كما في حالة سباق مع تقليص حجم الخسائر ، وايضا مع المتغيرات الدولية ، كل هذه السياقات تستدعي من الرئيس الروسي حسم المعركة بأسرع ما يمكن ، فالإتهامات التي ستساق ضده نتيجة ارتفاع معدلات الخسائر البشرية في اوكرانيا على انه قاتل ومجرم وغيرها من التهم ، فتلك توصيفات سبق ان استخدمت ضده ، وكررها الرئيس الاميركي والإعلام الغربي مرات عديدة ، فلن يستطيعوا الإضافة عليها صفات اخرى . وتراجع الإقتصاد العالمي جراء هذه الحرب قد وقع، كذلك الآثار السلبية على السلة الغذائية العالمية .
ان استقرار العالم وتوازنه بات يتوقف على حسم هذه المعركة، ليعود الى توازنه الجديد والمتوقع ما بعد حسم الحرب ، فهل يفعلها بوتن ويقطع رأس الأفعى ، وهل يذهب الى يحسم المعركة سريعا، بصرف النظر عن التداعيات الإنسانية التي قد تكون مؤلمة ، لكنها لن تبلغ حتما حد المجازر التي ارتكبتها الولايات المتحدة بحق الشعوب والبلدان منذ حوالي نصف قرن او ما يزيد ؟؟. .