محمد علي القاسمي الحسني
اتصل بي الأسبوع الفارط صديق طالبا مني حضور محاضرة يلقيها أحد دكاترة الشريعة بالجزائر (الكبار حسب وصفه ) عسى أن أستفيد من علمه الغزير و اطلاعه الواسع ، لبيت الدعوة آملا أن آخذ قطرة من بحر علم هذا الدكتور ، فابتدأ محاضرته في البداية بلعن الصوفية و الشافعية و أنهاها بلعن و تكفير الغرب و الهندوس و البوذيين وأتباع بقية الديانات بل وبتحريم ارتداء اللباس الغربي لكونه مؤامرة على المسلمين ، دون أن يمنح للحضور اللذين كانوا مبهورين بكلام المحاضر حق السؤال أو مناقشة أفكاره ، لم أتعحب لكلام الدكتور المحاضر لعلمي المسبق بما كان سيقوله نظرا لأنه يعيد نفس الكلام منذ عقود ، بقدر ما تعجبت لانبهار الحضور به و وجود الآلاف ممن يطبقون أفكاره حرفيا ، ثم لعدم تحرك السلطات الأمنية لمنع محاضراته التي تشكل خطرا على العقل الجمعي الجزائري الذي لازال يعيش صراع هوية و دين ، أدى لخلق شرخ واسع داخل المجتمع ، فبعض المدن الكبرى يسيطر عليها الشيوخ الاسلامويون و بعض المدن علمانية صرفة ، وبعض المدن لازالت تعيش بعادات القرن الأول للميلاد ، فالى غاية اليوم لا توجد مدينة يمكن أن تتعايش فيها جميع الثقافات ، فاما التدين الراديكالي أو الخروج المطلق من الدين .
هناك فرد جزائري عاجز فعليا عن مواجهة مصاعب الحياة ، كالثورة في وجه الطغيان أو التقدم الفكري و الصناعي بالدولة لمواكبة مسيرة التقدم التي تعرفها بقية الدول الكبرى ، ما يجعله يستكين إلى الدعاء و الصلاة و قراءة الأوراد أملا في تخليص نفسه من الشرور و طمعا في الحصول على الحسنات ، دون محاولة البحث في مسائل المعرفة و الفكر المتطورة باستمرار فيبقى طيلة حياته يعيش داخل دائرة مغلقة متسمة بالخوف من الآخر و القلق على ضياع الدين و الخشية من التفكير و التأمل و التجريب ، فبالنسبة له فان عادات الأجداد و أفكارهم هي المسلك الوحيد لدخول الجنة ، أما التفلسف و التحديث فهما فعلان يجابهان بمقاومة شديدة من المجتمع و رجال الدين الاسلامويين غالبا ، ما يؤدي بمعظم المفكرين الجزائريين للعيش في المهجر لتستفيد منهم الدول الغربية لتبقى الجزائر أسيرة التخلف الفكري الذي يعاني منه المجتمع ، رغم أن حلول الهواجس المؤرقة التي يعانيها الجزائري موجودة في كتابات محمد أركون و مالك بن نبي و كلا الرجلان احتضنتهما فرنسا المستعمر السابق و لم يحظيا بذكر في مناهج التعليم ولا في الأبحاث العلمية بشكل مستفيض ، رغم أن الوصول لحل لمسألة الهوية و التدين لا يكون إلا عبر البحث في كتب هؤلاء المفكرين البارزين ، ففي أوروبا مثلا لم يكن الأوروبي ليتقدم لولا كتابات كانط و روسو و غيرهما ، و لكن الجزائري لازال يتخوف من قراءة و تطبيق أفكار مخالفه في الرأي اعتقادا منه بأنه على صواب دائم .
و على النقيض يلاحظ أن الجزائري الذي يخاف على دينه من الغرب يعيش حالة من الذل في علاقته معه تؤدي به للتبعية القسرية له مما أصابه بحالة من النفاق الديني و صراع بين الاغتراب الفكري و العروبة فهو يفكر بطريقة عربية و يتحدث غالبا باللغة الأجنبية أملا في اللحاق بفرنسا أو بريطانيا بل ان هناك حملات في منصات التواصل الاجتماعي تدعو لاستبدال اللغة الفرنسية بالانجليزية رغم أن كلاهما كان مستعمرا للشعوب العربية ، فالبحث في تكوين فكر الفرد الجزائري يعد مسألة جد معقدة و صعبة الفهم فهو يقول بكفر الغرب و يدعو لتحريم جل عاداته بل و حتى تدريس ثقافته كما هو الحال لدى أتباع الوهابية ، و لكن الذي يتجول في شوارع المدن الجزائرية سيلاحظ مدى التناقض الصارخ بين الواقع و العالم الافتراضي ، فالجزائري الذي يكتب في منصات التواصل الاجتماعي يعد كائنا مثاليا جدا يدعو للمعروف و ينهى عن المنكر و يذكر بقراءة سورة الكهف يوم الجمعة و ينشر الأدعية يوميا ، و لكن الجزائري الذي يسير في الشوارع هو كائن آخر فلا هو يطالع الكتب ولا يحاول إصلاح المجتمع أو قول كلمة حق ضد الحكومة ، و بالتالي فهو عديم قيمة و منفعة بالنسبة للبشرية نظرا لكونه كائنا لا مباليا بالواقع بقدر عيشه داخل وهم دوغمائي يجعله مصابا بحالة انبهار بنفسه التي ستدخل الجنة مباشرة ، فبدلا من لغة الحوار و النقاش التي يأمر بها الإسلام كمنهج في الحياة ، يتخذ الجزائري لغة الشتم و اللعن لكل مخالف له في الرأي و العقيدة ، ليس لرغبته في الاختلاف بل جهلا منه بدينه أساسا ثم بثقافة الآخر .
إضافة إلى رفض الآخر فان فكر الجزائري يتسم بالنقل الحرفي للأفكار عبر الأجيال دون محاولة نقدها أو البحث في صحتها من عدمها ، فقط لأن تلك الفكرة صادرة عن فلان الذي كان شيخ القبيلة أو سيد العرش في قرون مضت ، و الأكثر غرابة بقاء النظام الاجتماعي الذي كان سائدا في قرون مضت ، فلازالت يد الشيخ تقبل و كلامه يطاع دون نقاش لأنه مرتد العمامة و حامل لواء الأسلاف اللذين كانت أفكارهم مناسبة لعصرهم المعاش فقط وليست نظرية علمية قابلة للتعميم في كل وقت و هذا ما يبدو أنه صعب إقناع الجزائري به ، نظرا لكونه لازال قابعا تحت سيطرة الأعراف و التقاليد المجتمعية التي يجرم الخروج عنها ، ما ولد حالة نفاق يعيشها الجزائري يمكن التمثيل لها في حالتين أولهما نزع المهاجرات للحجاب مباشرة بعد أن تطأ أقدامهن الطائرة إضافة لقصد الرجال للخمارات في المدن الكبرى بعد مغادرة القرية ، و هذا النظام الاجتماعي الرث خلق شخصية متسلطة في علاقتها مع الآخر و تنافقه في المعاملة كما أنها تخاف ظهور قوة مغيرة للواقع المعاش المتسم أساسا بالتخلف إذا ما قورنت بدول عربية أخرى كتونس أو لبنان اللتان تتسمان باحترام الحرية الفردية بخلاف المجتمع الجزائري الذي لازال كل فرد فيه يضع نفسه وصيا على بقية الأفراد فهو العارف المدرك بأمور الدين و العلم ، فقط لكونه مسلما أما البقية فهم جهال لأنهم يخالفونه أو مكانهم جهنم لأنهم يخالفونه في المذهب أو لا يدينون بالاسلام كما كان الحال مع ستيفان هوكينغ الذي تنبأ له الجزائري بجهنم لأنه ملحد ، و لكن الواقع يقول بأن العلم هو الذي يوصل الى الايمان بوجود الله فالمتدين عن بحث يقيني خير من متدين بالوراثة .
و في الأخير ، فان المرء يتأسف لبقاء المجتمع الجزائري أسير إشكالية أزمة الهوية القومية و الدينية بعد مرور قرون على تأسيس الكيان الجزائري ، فالجزائري لازال يعاني من تقديم الولاء للقبيلة قبل الوطن ، و تقديس شيخ الدين على عالم الأركيولوجيا أو الابستيمولوجيا فقط لأنه يستدل بحديث ضعيف و آية في غير موضعها ، و لعل هذا يعود أساسا إلى التكوين الديني التقليدي غير العلمي للعقل الجمعي الجزائري ، و الذي اذا لم يخرج من القوقعة و ينفتح على ثقافات العالم مع اعتزازه بهويته الأصلية كما فعل اليابانيون فليس مستبعدا دخوله في حرب أهلية طاحنة قد تقسم الدولة الجزائرية لدويلات حسب الانتماء القبلي ، فرغم أن الجزائري يسافر إلى اسطنبول و واشنطن لكن تعصبه الى القبيلة و الدين لايزالان المحرك الأساسي لكل أفعاله و أقواله داخل الوطن ، و هذا ما يتجلى بوضوح في كون معظم نواب البرلمان منتمين لقبائل يدافعون عنها و يجنون لها المكاسب المادية دون الاهتمام بأمر بقية القبائل ، إضافة لتوظيف المدراء لأبناء قبيلتهم حين يتولون مناصب عليا .
مح ( الطالب الجزائري )
2018-04-05