الثورة، والحركة الثورية، والمنظمة الثورية!
جمال الطاهات
تثبت تجارب التاريخ بان الهبات الشعبية، دون حركات ثورية، تنتهي نهايات مأساوية، أو تسحق بالثورات المضادة. كما وتشير العديد من الادبيات إلى المتطلبات المركزية لتحقيق الانتصارات الثورية. مثل ضرورة توفر نظرية ثورية (لا ثورة دون نظرية ثورية)، وضرورة توفر منظمة ثورية (والحزب الثوري هو أحد أشكال المنظمات الثورية)، إضافة طبعاً إلى وعود ما بعد الثورة (وضوح الأهداف عبر رسم ملامح النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي البديل)، وضرورة توفير خطة إبداعية للثورة. فكل ثورة هي حدث فريد، شروط النصر مرتبطة بتوفر خطة إبداعية جديدة لتنفيذها. فكل محاولات استنساخ خطط ثورية ناجحة سابقة، قادت إلى فشل كارثي. والحركة الثورية، هي صيغة إبداعية تحقق شروط انتصار الثورة بلحظة تاريخية لا يمكن تكرارها.
ولكن من الضروري التمييز بين الحركة الثورية التي تحقق انتصار الثورة، وبين المنظمة الثورية التي مهمتها المركزية تامين جزءاً من المتطلبات والشروط الضرورية لتشكل الحركة الثورية التي تضمن النصر. ولغايات التوضيح فإن الحركة الثورية أشمل من المنظمة الثورية، وهي انبثاق نوعي للمجهود التراكمي للمنظمة الثورية. فالمنظمة الثورية، تحقق غاياتها بانبثاق الحركة الثورية، التي تبدأ فاعلياتها بشكل مستقل عن المنظمة الثورية، وتصبح هي قاطرة التغيير.
صحيح أنه لا يمكن أن توجد حركة ثورية دون وجود منظمة ثورية، ولكن الأخيرة ليست بديلاً للأولى. إذ أن المنظمة الثورية ليست بديلاً عن الشعب (الجماهير) لتحقق الثورة والنصر نيابة عنه، هي رافعة لتمكين الشعب من الانتصار بثورته، عبر تشكيل الحركة الثورية، التي تنشأ بفاعلية انتقال المنظمة الثورية من المستوى الحصري للثوار، إلى التعبئة الشعبية المباشرة.
ببساطة تتألف الحركة الثورية من عنصرين لا ثالث لهما: الأول هو الفكرة الثورية الواضحة، وهذه الفكرة تتألف من عدة عناصر، تتلخص بعدد محدود بسيط وواضح من الأسئلة: لماذا الثورة؟ (وعي الجماهير بما تعانيه من اضطهاد واستبداد وفساد). وضد من؟ تحديد المسؤول عن هذه المعاناة، فالثورة لا تقام ضد أشباح، ولا تكون ضد أهداف غير محددة وواضحة. وفي حالة الأردن المسؤول عن معاناة الشعب الأردني هو المستبد الفاسد وعائلته. والسؤال الثالث ما هو النظام البديل؟ وهذا يجب أن يعرف بمجموعة قواعد لممارسة السلطة، وليس حاكماً بديلاً. والسؤال الرابع والذي لا يقل أهمية عما سبقه، هو النتائج المتوقعة من الثورة؟ وهذه ليست مجرد أحلام وتوقعات، ولكن صور واضحة لما ستصبح عليه الأمور، بعد التخلص من الاستبداد والفساد. كيف سيكون شكل الدولة، وكيف سيصبح شكل الحياة في الوطن، كيف ستكون مدارسنا، ومستشفياتنا، وجامعاتنا، وشوارعنا، كيف سننظم الضرائب، وكيف سنضمن صرفها بالوجهة الصحيحة.
والعنصر الثاني الذي تتألف منه الحركة الثورية، هو الكتلة الشعبية، أو الجماهير التي تلتف حول الفكرة الثورية، وتمنحها قيمة مادية وواقعية. فالالتفاف الشعبي حول الفكرة الثورية، هو انبثاق وتشكل الحركة الثورية، من خلال نقل الفكرة الثورية من مستوى التجريد إلى المستوى العملي المادي الواقعي. فكما أنه لا حركة ثورية دون فكرة ثورية، كذلك لا حركة ثورية دون كتلة شعبية تحمل هده الفكرة، وتنقلها من التجريد إلى الفعل المباشر.
ولكن لنتذكر بأن الحركة الثورية هي انبثاق وميلاد، وليس تجميع هندسي جامد للفكرة والكتلة الشعبية. الحركة الثورية تنبثق من تراكم جهود المنظمة الثورية على مستويين متزامنين متوازيين، هما إنضاج الفكرة وجمع الجماهير حولها.
السيد المسيح عليه السلام، أنشأ منظمة ثورية برسالة واضحة وهي تحرير الإنسان روحاً وجسداً، وبعده سار الحواريون في طول الأرض وعرضها، فتحولوا إلى حركة ثورية انتصرت على جلاديها، بعد ثلاثة قرون. والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، أنشأ حركة ثورية، تكاملت رسالتها، والكتلة الاجتماعية التي تحملها عبر ثلاث وعشرين عاماً، حيث أنزل الله تعالى وحيه العزيز بالقول: “اليوم أتممت عليكم دينكم”. وحركات التاريخ الكبرى تعلمت من النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتشكلت بحركات ثورية يتكامل عنصريها (الفكرة والكتلة الاجتماعية). بداية كانت ثورة العباسيين، ثم تلتها ثورات وحركات كثيرة بما فيها ثورة الاستقلال الأمريكي التي كان أول من اعترف بها دولتان مسلمتان تركيا والمغرب، وصولاً للقرن العشرين، الذي نضجت ثوراته الثلاث الكبرى، الروسية، والصينية والهندية، بتكامل الفكرة والكتلة الاجتماعية.
المنظمات الثورية التي سعت للاستيلاء على الحركة الثورية سقطت، والحركات الثورية التي سعت للاستيلاء على الشعب، سقطت أيضاً. الذي صمد لفترة طويلة، هي الثورات التي مكنت الشعب من أن يمارس سيادته، ويتولى إدارة مصيره بتقديم حل فعال للمعادلة المعقدة (المشاركة والتنظيم). فضمان فعالية المشاركة الشعبية مهمة معقدة تتطلب تصورات تنظيمية إبداعية، تمكن الشعوب من أن تمارس سيادتها ضمن الشروط الموضوعية التي تعيشها.
أخيراً، رغم أنه لا ثورة دون حركة ثورية، ولا حركة ثورية دون منظمة ثورية، ولكن كل منهما تذوب في مُنتَجها. فالمنظمة الثورية تذوب بالحركة الثورية التي تُنشؤها. وأي محاولة للسيطرة على الحركة الثورية هو اجهاض لها. والحركة الثورية تذوب في منظومة الدولة التي تُنشؤها. وأي محاولة للاستيلاء على الدولة بعد التخلص من المستبد الفاسد، هو اجهاض لكل مشروع الثورة. فالثورات بوابات المستقبل الذي لا يمكن السيطرة عليه بأنماط تفكير وأشكال عمل وتصورات عملية سابقة عليها. كلاً من المنظمة الثورية، والحركة الثورية، هي جسور ليعبر عليها الشعب الأردني من واقعه الأليم نحو المستقبل الذي يليق به، وليست قيوداً جديدة تفرض على مستقبله. والدور المستقبلي للحركة الثورية لحماية ثورة الشعب، ومنع الثورات المضادة، لا يبرر تحكمها بالدولة بعد تحريرها من المستبد الفاسد وعائلته.
2024-07-22
