الثوار والثورة !
جمال الطاهات
العلاقة بين الثوار والثورة، علاقة ملتبسة. صحيح أنه لا ثورة دون ثوار، ولكن هذه العلاقة يشوبها الكثير من الالتباس الذي يقتضي التنويه، ولا بد من توضيحه مع التأكيد على ضرورة تجنب النماذج التي تجاوزها الزمن. فما دامت كل ثورة هي حدث تاريخي فريد، فأمام كل ثائر تساؤل مركزي يعيد تكراره عبر الأزمنة والأمكنة، ولكنه يتوصل إلى إجابات مختلفة… العلاقة بين الثورة والثوار، سؤال واحد وإجابات تختلف من ثورة لأخرى…
الثورة حدث فريد لا يمكن إعادة انتاجه
ما هي علاقتي بالثورة التي أحلم بها، وكيف أخدمها؟ مع التأكيد على أن المطلوب ثوار يخدمون الثورة وليس ثورة على مقاس الثوار. كما يجب أن يتنبه الثوار في كل مكان إلى حقيقة مركزية وهي: لما كانت الثورة، أي ثورة، هي حدث فريد تاريخياً، فلا يوجد دليل عمل للثوار، يصلح في كل الثورات. هناك معالم أساسية واضحة يمكن للثوار أن يتعلموها من تجارب أخرى، ولكن أهمها أن الثورات حدث فريد لا يمكن تكراره وإعادة انتاجه بذات الطريقة. فمثلاً نجحت الطريقة اللينينية في روسيا عام 1917، ولكنها فشلت بعد ثلاث سنوات في ألمانيا. والثورة الصينية والهندية نجحتا في ذات العام. ولكن واحدة كانت سلمية، والأخرى اعتمدت على التنظيم المسلح. نجحت الثورة الكوبية، ولكن فشلت كل محاولات تطبيق النموذج الكوبي في أفريقيا كما في أمريكا اللاتينية، وقُتل غيفارا الذي أخلص لطريقة ثورية محددة، أكثر مما أخلص لفكرة الثورة من حيث هي حدث فريد.
مهمة الثوار التجهيز للثورة التي ستاتي، ضمن شروط الواقع الموضوعي، والتحضير لها، وتقديم ما يحتاجه الشعب لتنفيذ ثورته وانجاحها. وهذه مهمتهم المركزية، عليهم أن يشتقوا تفاصيلها من بيئة الثورة. وليست مهمتهم توليد الثورة قيصرياً، حسب مزاجهم. فيفقد الثوار قيمتهم إن فقدوا الصلة بالتجهيز للثورة بشكل موضوعي.
الثورة للشعب وينجزها الشعب
الثورة تتحقق وتنتصر بالتحضير لها، وليس بفرضها. وعليه فإن مهمة الثوار ليست تحقيق الثورة، ولكن التحضير لها. الثورة للشعب وينجزها الشعب، والثوار يقدمون ما يساعد شعبنا على انجاز ثورته.
قبل تبني أي مقاربة أو نموذج توضيحي للعلاقة بين الثوار والثورة، وبالذات نموذج المشاعل والطريق، لا بد من التأكيد على عدة نقاط رئيسية:
اولاً: الثورات كائن عضوي متكامل يتألف من ركنين: التخلص من الاستبداد والفساد، وبناء الواقع البديل. قد ينهار الاستبداد وتعاني الشعوب من الفوضى والخراب. ببساطة انهيار الاستبداد لا يعني الثورة. هناك أسباب ومسارات كثيرة تؤدي لانهيار الاستبداد، ولكن هذا لا يعني ثورة. وسوف نوضح تالياً مضمون ومعنى الثورة من حيث هي كيان عضوي متكامل، يتشكل ويولد مرة واحدة وليس بالتتابع.
ثانياً: الثورات ليست منجز الثوار. رغم أهمية الثوار، هم لا يصنعون الثورة، وإنما هم يرشدون إلى طريقها. ومهمتهم الأساسية هي حماية الشعب من الفوضى والتمزق، ليس عبر التعبئة ضد الاستبداد والفساد فقط، فهذا جزء من المهمة، ولكن عبر رسم واضح للمستقبل البديل، والمسارات الأمنة التي تفضي إليه.
ثالثاً: كل أسلحة الاستبداد وقمعه وإذلاله للناس هي من اجل أن يفقد الشعب ثقته بنفسه. فأي شعب لا يثق بنفسه لن ينجز ثورة. بكل بساطة أي خطاب لأي شخص يدعي أنه ثائر ويهاجم الشعب ويتعالى عليه، هو ببساطة، بوعي او من دون وعي، يساهم بتكريس مهمة الاستبداد المركزية وهي زعزعة ثقة الشعب بنفسه. أهم شرط للحركات الشعبية أن يرتبط تحركها بشكل من أشكال الزهو والاعتداد بالذات. كل جهود القمع التي تطال النشطاء والثوار هدفها كسر جذوة الاعتداد بالنفس، ومن يفقد اعتزازه بنفسه ينزلق نحو الخضوع. وتحرير الشعوب يتم بتذكيرها بكبريائها وليس بسبها والتعالي عليها. وحدهم المستبدون ورثة الاستعمار من استمر بالتعالي على شعبه وازدراء الشعب وعدم تقديره، وهم من يوظفون الأدوات التي تهين الشعب بكل الوسائل الممكنة.
دور الثوار في تبديد الغموض وعدم اليقين
الثورة نقطة تحول واضحة، تبدأ بإسقاط المستبدين الفاسدين، ولكنها لا تنتهي هناك. فبعد هذا الحدث هناك مسيرة معقدة وطويلة لضمان الانتقال الآمن نحو مسارات منتجة للمستقبل. فالثورة بداية مسير نحو مستقبل جديد. هي تحرير لإرادة الشعب، من أجل ضمان حقوقه السياسية والاقتصادية.
وناتج الثورة هو ببساطة معادلة اجتماعية جديدة لتوزيع السلطة والموارد. وعنوانها هو انتقال لمركز السلطة من موقع اجتماعي إلى موقع آخر. مثال الثورة الفرنسية، كنموذج لنقل مركز السلطة من قصور الاقطاعين إلى مواقع الرأسماليين والصناعيين. والثورة الاشتراكية نقلت مركز السلطة من الرأسماليين إلى التنظيمات العمالية….
ولكن هناك مخاطر والكثير من مساحات عدم اليقين في هذه النقلة. وهذا الذي يستدعي دور الثوار وضرورتهم. خلع المستبد الفاسد نقلة تتضمن الكثير من عدم اليقين، ليس فقط في لحظة سقوط المستبد الفاسد، ولكن في المرحلة التي ستليها. فهناك مخاطر حقيقية أن لا تحقق الثورة النتائج التي يرجوها الشعب منها. وهنا يبدأ دور الثوار: تبديد الغموض وعدم اليقين، وجعل المسيرة واضحة، وجعل التوقعات من المستقبل واضحة أيضاً. وحتى يتمكن الثوار من الحفاظ على مسيرة الثورة من الضياع، مطلوب منهم تركيز جهودهم بالعمل مع الجماهير على ثلاث مهام أو محاور عمل بشكل متزامن. فتكامل هذه المهام هو الذي يصنع الثورة وهو الذي يصنع دور الثوار.
المهمة الأول: تعزيز ثقة الشعب بنفسه، وأنه مصدر الشرعية، وانه السيد وأن لا إرادة إلى إرادته. وأنه قادر على الإطاحة بالمستبد الفاسد. فلا شيء يحرر من الخوف مثل الثقة بالذات. إنها المضاد العضوي للخوف والتردد. وهذا يتزامن ويتكامل مع صيانة الموقف الثوري وتوضيحه بشكل حاسم لا لبس فيه.
المهمة الثانية: توضيح معالم المستقبل. فمن الضروري أن يكون واضحاً للجميع ما ستؤول عليه الأمور بعد التخلص من المستبد الفاسد. ولكن هذا لا يمكن اختزاله بعدد من الشعارات الأيديولوجية، بل هناك جهود مضنية مطلوبة للعمل على توضيح المبادئ التي ستحكم عملية توزيع السلطة، وأيضاً المبادئ التي ستحكم عملية توزيع الموارد. وهذه بالذات مهمة مضنية.
الاردن مثالا: ما هي النقلة المرجوة؟
إلى أين سيتنقل مركز السلطة والموارد: العنوان الجديد لمركز السلطة ببساطة هو مؤسسات الدولة والمجتمع المحلي بتشكيلاته المدنية. وهذا يمكن اختصاره وتوضيحه الآن بشعارين: الشعار الأول: استقلال الضمير المهني لمؤسسات الدولة. وضرورة تحرير المؤسسات من هيمنة المستبد الفاسد وعائلته.. والشعار الثاني تمكين المجتمعات المحلية من استعادة قاعدتها الإنتاجية. وهذا يتمثل في: توفير المياه والطاقة والنقل (تأهيل موار المياه المحلية متمثلة ببرامج حصاد مائي محلي، تمكين المجتمعات المحلية من استئمار التقنيات المعاصرة لإنتاج الطاقة، والثالثة هي النقل والاتصالات لتبقى المجتمعات المحلية جزءاً من السوق المحلية)، طبعاً مع تفعيل حقيقي للخدمات المركزية التعليم والصحة والامن، وربطها بشروط المجتمع المحلي. يضاف إلى ذلك الغاء كافة الاحتكارات الرأسمالية في السوق الوطنية. السوق متاح للأفضل، ولا احتكار فيه، ولا ميزة سياسية لأي منتج او بائع.
المهمة الثالثة: هي الانخراط مع الجماهير لرسم الطريق إلى المستقبل الجديد…كيف سيتم العمل على التخلص من المستبد الفاسد، وما هو خط المسير نحو المستقبل الجديد، وكيف سيتم نقل السلطة نحو مركزها الجديد في المجتمع (مؤسسات الدولة والمجتمع المحلي). وكيف ستكون المؤسسات والمجتمعات المحلية مهيئة للنقلة التي نتحدث عنها. فلا معنى للفراغ، ولا معنى لأن تترك الأمور إلى ما بعد سقوط المستبد الفاسد. فالثورة منجز عضوي متكامل، لا يمكن له أن يولد بالتتابع قطعة فقطعة. فالثورة ووعيها صنوان.
الوعي والثورة:
البؤس لا ينتج الثورة. وإنما وعي البؤس هو من ينتجها. بؤس الواقع لا يصنع ثورة. ولكن وعي بؤس الواقع هو الدي يصنع الثورة. ولكن ما هو الوعي الذي يصنع الثورة (ألا تكفي مرارة الواقع لتحدث الثورة؟ الجواب من كل التجارب التاريخية هو لا): الوعي (كل وعي أياً كان موضوعه) يتركز بثلاث مكونات أساسية: الأولى إدراك الواقع البائس بالتجربة المباشرة والأهم تحديد من هو المسؤول عنه، وما هي الأدوات التي تنتج البؤس والمعاناة. والثانية طريقة التخلص ممن فرض هذا الواقع والأدوات التي تديمه. والثالثة هي الواقع البديل. لا يمكن لفكرة الثورة أن تكتمل إلا بعناصر الوعي الثلاث.
وعليه فالوعي الثوري هو توضيح لبؤس الواقع، ولإمكانية التخلص من هذا البؤس، وبناء واقع أفضل. هذا هو مثلث الوعي الثوري. تفسير الواقع، كيفية التخلص من العوامل التي تنتجه وتديمه، والواقع البديل. أي خلل في هذا المثلث يجعل الثورة عرضة للسقوط والانحراف. وتجدر الملاحظة هنا بأن الاستبداد يحاول أن يقول أن الشعب هو المسؤول عن هذا الواقع، إمام بسبب ثقافته، أو كفره، أو دينه، او أي عامل من العوامل التي لا يمكن التأثير بها، بحيث يبدو الواقع قدر لا مفر منه، ولا توجد خيارات عملية لتغييره. ومهمة الثوار التصدي لهذه التفسيرات وتوضيح مسؤولية المستبد الفاسد عن الواقع الراهن.
أخيراً،، الثوار مشاعل تنير الدرب وليس فقاعات انفعالية
الثائر الحقيقي هو الذي يمتلك الوعي الثوري، وأيضاً ينقله للآخرين ليس عبر التعالي عليهم، ولكن عبر الانخراط بحركتهم المباشرة. الثائر هو من ينخرط مع أبناء شعبه، وأهله وأقاربه، يوضح لهم بؤس الواقع، وما هي الكيفيات التي شكلت هذا البؤس، ومن هو الذي فرض ويفرض عليهم الواقع البائس. ثم يرشدهم دون تعالي عليهم إلى طريقة للتخلص من المسؤولين عن الواقع البائس. وهو في حالة الأردن المستبد الفاسد وعائلته. والثالثة يبدد مخاوفهم من المستقبل عبر توضيح الواقع البديل، خصائصه وكيفية الوصول إليه.
الذي يتعالى على شعبه ويطالب الشعب بان يثور، ويلعن الشعب لأنه لا يمتلك الوعي ولا يثور، هذا فقاعة وليس بثائر. الحس الثوري يجب أن ينتقل للشعب بفكرة جميلة ونبيلة تقوم على تعزيز ثقة الشعب بنفسه وليس التعالي عليه. الثوار مهمتهم ان يصوغوا الخيار الثوري ويوضحوه، ويصونوا ديمومته، ويتركوا الخيار للشعب للالتحاق بهذا الركب.
طريق الثورة طويل، ومليء بالغموض وعدم اليقين، ولكنه مصدر زهو وفرح لمن يسير به. ومن لا يشعر بزهو أن يسير بدرب الثورة سيراه مضنياً. فإما أن يكون الثائر مشعلاً يضيء بفرح درب شعبنا نحو المستقبل الأفضل، أو يرتاح. الفقاعة لا تضيء درب، ولا تستشعر فرحة المسير. وحدها المشاعل على كل ضعفها، إذا اجتمعت انارت الطريق. الثائر لا يكتفي بأن ينير الدرب وحده، فهو يدرك أنه مشعل محدود الإمكانية ويواجه قمعاً وعسفاً وريحاً قد تطفئه بالسجن او بغيره، ولكنه يتجاوز فرديته بأن يشعل معه مشاعل أخرى. وكلما زادت المشاعل زادت الدرب وضوخاً واماناً. ومن لا يشعل مشاعل أخرى، ببساطة يتحول إلى مجرد فقاعة، لا أبقى على الجذوة ولا انار دربا.
2026-03-29