التيار الإسلامى .. إنقلاب إستراتيجى أم تحرك تكتيكى ؟
بقلم / ياسر رافع.
فى العمليه العسكرية المعروفه ” بعناقيد الغضب ” 1996 والتى كانت تستهدف المقاومة اللبنانيه فى جنوب لبنان ، مئات اللبنانيين الهاربين من جحيم العمليات الإسرائيلية يحتمون بقوات الأمم المتحدة ، وخاصة المنطقه الخاصه بقوات دولة ” فيجى ” ، ولكن ذلك لم يشفع لهم ، فقد قام الطيران الإسرائيلى بقصف مقر القوة الفيجيه وقد أسفر القصف عن إستشهاد 106 من المدنيين الأبرياء ، وأجتمع مجلس الأمن لإدانة المجزرة الدمويه إلا أنه فشل بسبب الفيتو الأمريكى ، وقد تضخمت الأزمة وتحولت الدماء إلى لعنه سياسيه أصابت الأمين العام للأمم المتحدة المصرى ” بطرس غالى ” وفقدانه لمنصبه لوقوفه ضد الممارسات الإسرائيليه ، وفى الداخل الإسرائيلى لم يستطع أحد أن يحتوى أثار تلك المجزرة الدمويه التى إستغلها حزب الليكود من أجل الفوز فى الإنتخابات التى تلت المجزرة ، وهنا حاول ” شيمون بيريز ” الملطخة يديه بدماء الشهداء اللبنانيين أن ينقذ حزب العمل من فقدان رئاسة الوزراء لصالح حزب الليكود ونجمه الصاعد أنذاك ” بنيامين نتنياهو ” ، ولم يكن أمامه إلا أصوات النواب العرب ” القائمة العربيه ” لينضموا لتحالفه لضمان رئاسة الوزراء ، ولكنهم رفضوا أن يتحالفوا مع قاتل ملطخة يديه بدماء العشرات من الضحايا العرب ، وأتجه ” شيمون بيريز” إلى القاهرة لعله يجد من يستطيع أن يؤثر على نواب القائمه العربيه وتعديل رأيهم لكن القاهرة أدارت له ظهرها ، فقد كانت المجزرة أكبر مما تتحمله الأعصاب المنفلته فى المنطقه العربيه ، وهكذا سقط ” شيمون بيريز ” وأنتهى نجم السياسه الإسرائيليه .
مع تطورالأحداث فى حى الشيخ جراح بالقدس فى شهر رمضان الماضى ، إندلعت العلميات العسكرية بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينيه فى قطاع غزة ، وتصادمت حملة ” حارس الأسوار ” العسكرية الإسرائيليه مع مقاومة ” سيف القدس ” الفلسطينيه ، وقد بدا مع تصاعد الأحداث أن الفصائل الفلسطينيه قد حققت نصرا سياسيا كبيرا حمل معه تعاطف دولى كبير بعدما ظن الجميع أن القضيه الفلسطينيه قد ماتت ، ومع وقف إطلاق النار بين الجانبين ، وإعلان حركة ” حماس” نيابة عن الفصائل الفلسطينيه إنتصارها عسكريا وسياسيا ، كان المشهد على الجانب الإسرائيلى مختلفا ، فعلى الرغم من إعلانه أنه حقق إنجازات عسكرية كبيرة ضد حركات المقاومه ، إلا أنه على الجانب السياسى الداخلى فقد وضح جليا أن نجم ” بنيامين نتنياهو ” قد شارف على الأفول ، والذى دخل حرب غزة لكى يضمن له حشد يجعله يشكل الوزارة ، لكن الفشل فيها جعل من مهمه أحزاب اليمين الأخرى سهله وميسورة لإسقاط أكثر رئيس وزراء تولى المنصب فى تاريخ إسرائيل ، وكما أسقطت القائمة العربيه ” شيمون بيريز ” سابقا برفضها التحالف معه ، فقد قامت الحركة الإسلاميه بالخروج على تحالف القائمه العربيه وتحالفت مع أحزاب اليمين اليهودى من أجل إسقاط ” نتنياهو ” .
وهكذا شهد الداخل العربى فى إسرائيل زلزالا كبيرا بتحالف التيار الإسلامى مع اليمين اليهودى ، فهل هذا الزلزال سيكون له وقع على السياسه العربيه ؟
………………………………………………………………………………..
لقد مثلت نكسة يونيو 1967 التى تمر ذكراها الـ 54 هذة الأيام ، نقطة تحول كبيرة فى مسيرة التيار الإسلامى فى السياسة العربيه ، فقد بدأ إنحسار التيار القومى المناوئ له ، وبدأت دول خليجيه وإقليميه تدعم صعود تيار الإسلام السياسى مدعومه بتأييد أمريكى غربى يرى فى صعود تيار الإسلام السياسى حائط صد ورأس حربة فى الحرب ضد الإتحاد السوفيتى الملحد . ولكن مع بداية الثمانينيات من القرن العشرين وتشابك المصالح بين التيار الإسلامى والحكومات العربيه ظهرعائق فكرى وأيديولوجى أمام إكتمال الشكل السياسى بينهما ، وهذا العائق تمثل فى نظرة ذلك التيار للديموقراطيه كوسيله لتداول السلطه والتى كان يراها ” كفرا بواحا ” ، ولهذا كان خروج ” الإخوان المسلمين ” الفصيل الأكبر والمهيمن على التيار الإسلامى عن الإجماع بكفر النظام الديموقراطى صدمه كبيرة ، وهو ما قوبل بعاصفه من التكفير من فصائل التيار الإسلامى الأخرى ، وعاصفه من الإنتقاد الحادة من التيارات السياسيه والفكريه المناوئه للإخوان المسلمين والتى أبدت تخوفها من ظهور فصيل سياسى سيبتلع المجتمع بالكامل وسيقضى عليهم ، وأستمر صعود تيار الإسلام السياسى فى المنطقه العربيه وتولى الحكومات وشارك فى المجالس النيابيه والتشريعيه وتماهى مع الحكومات العربيه من الخليج للمحيط ، وقد بدا أن تيار الإسلام السياسى قد شارف على النضج السياسى وأنه قادر على الإمساك بزمام اللحظه التاريخيه التى لاحت له مع قيام ثورات الربيع العربى 2011 ، لقيادة المنطقه بطريقة ديموقراطية بحسب قواعد اللعبه السياسيه التى بدأت بعد نكسة 67 ، إلا أن الدماء التى سالت أنهارا فى الشوارع العربيه قامت بخصم من رصيد التيار الإسلامى ، وكذلك خريطة تحالفاته الإقليميه بدول الجوار العربى ، كل ذلك جعل من إيمان التيار الإسلامى بالديموقراطيه محل شك لدى الشارع العربى بما فيه الدول التى نجح فيها وتولى الحكومه مثل المغرب .
وبعد عشر سنوات من إندلاع ثورات الربيع العربى ، وتوزع خريطة ولاءات التيار السياسى الإسلامى بين التحالف والصدام بين الدول العربيه المختلفه إلا أن عاملا جديدا قد ظهر يبشر بتغيير كبير فى تعاطى التيار الإسلامى مع معطيات الواقع وفق ما تقتضيه المصالح الوطنيه داخل الدوله القطريه وهو ما كان يتعارض سابقا مع شمولية الفكرة الإسلامية ورفضها لفكرة الدولة الوطنية ، وقد ظهر هذا جليا فى هجوم التيار الإسلامى فى الدول العربية على حزب العدالة والتنمية الإسلامى فى المغرب والذى يترأس الحكومة هناك بسبب إعترافه وموافقته على التطبيع بين المغرب وإسرائيل ، ولكن رئيس الحكومه المنتمى للتيار الإسلامى رد الهجوم بهجوم مضاد أعلى فيه من مصالح المغرب والتى ربطت بين التطبيع وقضية الصحراء الغربيه ، وقد كان بيان حركة “حماس ” هو الأعلى صوتا فى مهاجمة حزب العدالة والتنمية المغربى بإعتبار أنهما ينتميان إلى نفس التيار السياسى ” الإخوان المسلمون ” ، ولكن برد رئيس الحكومه المغربيه خفت صوت التيار الإسلامى المنتقد للتطبيع المغربى الإسرائيلى ، وخفت صوت حماس المنتقد ، وأستدار الجميع لإنتقاد التطبيع الخليجى للتغطيه على أحد أبرز التغيرات فى تاريخ التيار الإسلامى السياسى
وعلى الرغم من إنتقاد حماس لموقف إخوان المغرب بسبب التطبيع ، إلا أنها لم تنتقد إتفاق إخوان الداخل الإسرائيلى والتحالف السياسى من أجل مكاسب هامشيه لن تغير كثيرا فى معادلات السياسه الإسرائيليه تجاة القضيه الفلسطينيه .
ما الذى يحدث ، هل التيار الإسلامى يتبع إستراتيجيه جديدة فى التعاطى مع الواقع العربى والدولى ، إعتراف بخصوصية الدولة الوطنيه ” المغرب مثال ” ، وتعاطى مع سياسة الواقع وتأجيل فكرة شمولية الفكرة والتطبيق إلى سنوات قادمه ” مثال ليبيا وتونس وعرب 48 ” ؟
……………………………………………………………..
بعد الهجوم من الأحزاب العربيه المشكلة للقائمة العربيه الموحده – الكيان السياسى لعرب 48 – على الحركة الإسلامية لإتفاقها مع اليمين اليهودى ، صرح ” منصور عباس ” رئيس القائمة ” إننا نوقع إتفاقا تاريخيا لدخول الإئتلاف الحكومى يوفر حلولا لمشاكل مجتمعنا العربى الحارقة فى مقابل مكاسب وإنجازات هى الأضخم والأوسع لصالح مجتمعنا العربى ” وأضاف قائلا ” أن هذة الخطوة تهدف إلى ترسيخ مكانة الأحزاب العربية كلاعب مؤثر وشرعى فى الساحة السياسية ” . كل هذا وسط صمت حماس المنتميه لنفس التيار الإسلامى ، والتى تهاجم على خلفية التماهى مع الوساطه المصرية خوفا من إنخراطها السياسى مع إسرائيل ، لأن حماس تمثل الأمل الأخير للتيار الإسلامى فى الدول العربيه التى يعانى فيها من أزمة سياسية وأمنيه كبيرة حيث تمثل جوهر الفكرة الإسلامية المقاومة الرافضه للتطبيع والتى إن دخلت معترك السياسه على الأرض فإنها ستدخل هذا التيار فى تلك الدول فى أزمة شرعيه ومشروعيه ليس فقط أمام أنصارها بل أمام جموع شعوب تلك الدول .
هكذا وبكل بساطه خرجنا من أزمة غزة الماضية على واقع عربى جديد ، يقودة هذة المرة منفردا تيار الإسلام السياسى بمعطيات جديدة عليه ، تظهر فى الإعتراف بفكرة الوطنيه فى المغرب وتونس ، وإعتراف بشرعية الحكومه الإسرائيليه بل ومشاركتها الحكم تحت دعاوى تحقيق المطالب العربيه ، مأزق سياسى حاد فى بقية الدول العربى يعانى فيها التيار الإسلامى من التهميش تدفعه مصالحة للتحالف مع أعداءة فى دول ويتحالف معها فى دولة أخرى دونما الإستقرار على شكل سياسى مكتمل .
هل ذلك كله يعبرعن تغيرات إستراتيجية جديدة فى فكر التيار الإسلامى ؟ أم مجرد تكتيكات مرحلية للتماهى مع مرحلة تاريخيه معينه يكون بعدها لكل حدث حديث آخر ؟
………………………………………………………………………
إن الشئ اللافت للنظر فى السياسة العربية الحالية هو وجود ثلاثة لاعبين رئيسيين فقط ، الملكيات الوراثية وجيوش الجمهوريات والتيار الإسلامى ، ولا عزاء لبقية التيارات الفكرية والسياسية العربية التى أفلتت منها الفرصة التاريخية ورحلت إلى زوايا النسيان العربى ، وعلية فإن التغيرات التى حدثت خلال العامين الماضيين إلى الأن يجب أن لا تمر مرور الكرام ، فالذى حدث فى المغرب ، وعرب 48، وتونس ، وليبيا هو مؤشر على مقدمات كبيرة لتعامل الحكومات العربية مع تيار إسلامى غير صدامى يتعاطى مع فكرة الوطنية ويقبل الحلول الوسطى فى التعامل السياسى مع العدو قبل الصديق ، وهو فى ظنى مقدمة لإعادة ترتيب البيت العربى بموافقة الجميع . عربيا وإقليميا ودوليا .
وإلى أن تتضح الصورة كاملة ، فعلى الشارع العربى أن يتعود على فكرة الإنكسارات الكبرى فى توجهات التيار الإسلامى الذى يعانى مخاضا جديدا ، يتحول فيها من فكرة جامعة مانعة تهدف إلى خلود أعضاءها فى الفردوس الأعلى من الجنة ، إلى حزب سياسى يحمل أيديولوجيا سياسيه إسلامية تراعى متطلبات المجتمع ككل ويتعاطى مع مقتضيات المصالح الوطنيه دونما إقصاء لأحد . ولكن فى المقابل يجب على الشارع العربى أن يتجهز لعوارض ذلك المخاض والتى ستكون بلون الدم فى بعض المناطق نتيجة صدام محتمل بين انصار التيارات الإسلامية المتصارعة والمتقاطعه فكريا .
………………………………………………………………………….
ويبقى السؤال الذى لا توجد له إجابه منذ بداية القرن الواحد والعشرين وربما من قبله بسنوات قليلة ، وهو أين بقية الأحزاب العربية من الساحة السياسية والتى يراد منها أن تكون عامل توازن فى مواجهة تيار الإسلام السياسى ؟
2021-06-07