التوازن خلال الطيران بلا اجنحة!
اضحوي الصعيب*
بعض النجاحات تشبه العثور على كنز، يستحيل ان يتوازن المرء امامها مهما اوتي من رجاحة العقل وقوة الاعصاب. ذلك ان تطابق النتائج مع الخطط المعقدة غير ممكن عملياً. وبالواقعية يعتاد الانسان على توقعات نسبية رغم اجتهاده لبلوغ الكمال. هكذا كان السادات وهو يدخل حرب تشرين. لم يخطط لنجاح كامل لأنه غير مؤمن اصلاً بامكانية النجاح. آزر الخطط الطموحة التي يبنيها جيشه مثل فلاح يتخيل ان تنبت الحبة سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة، وهو يعلم ان ذلك محض خيال. فلما عبر جيشه القنال كأنه ينفذ تمريناً لا حرباً عجز عن التوازن وتصرف مثل مؤمن أسرف في الملذات وباتت لذته ان يحرم نفسه من بعضها ليرتاح ضميره. كانت مصر غداة العبور في الوضع الذي يحلم به كل قائد الا السادات، فماذا يفعل وبين يديه الكنز يخطف بريقه الالباب!. قرر مختاراً ان يتنازل عن نصفه لتقر روحه. لم تكن قوة على وجه الارض قادرة على زحزحة الجيش المصري عن مواقعه الحصينة تحت غطاء الصواريخ التي حيدت طيران العدو، وروحه المعنوية المتناهية الى عنان السماء. لم يستطع السادات الصمود في مواجهة الاضواء الساطعة كأنه ممثل مغمور يواجه للمرة الاولى جمهوراً كالطوفان، او معتقل تنازعه نفسه الى الاعتراف امام المحققين الغلاظ ليتخفف من ازمته النفسية. هكذا أمر السادات جيشه بالخروج من مواضعه النموذجية والتقدم في العراء خارج مظلة الصواريخ وهو يعلم جيداً انه سيباد، فقط ليتخفف من اعباء نصر لا تتسع له مداركه. وهكذا كان. ودُمر الجيش وتراجع بغير تلك المعنويات التي كان يحلق بها، واختل توازنه، فأصبح الطريق ممهداً امام الاسرائيليين لاختراقه وعبور القناة غرباً ومحاصرته.
ورسم مقاومو غزة خططاً على الورق تشبه التخيلات، ولا احد يتوقع نجاحاً كلياً لها. كانوا سيرضون بنصف نجاح او حتى ربع. فنصف النجاح لخطتهم العملاقة انما هو زلزال بكل المقاييس. وقدّر الله ان يأتي النجاح شاملاً وكاملاً كما هو مرسوم على الورق. انه النجاح الذي يدفع اصحابه الى الاختلال مهما ثقلوا، لكنهم تماسكوا للفتح المبين كما تماسك اول رائد للفضاء تتمعن عيناه بمناظر الوجود من خارج نطاق الارض.
وجدوا انفسهم حيال واقع جديد أقرب للخيال منه الى المعقول، فركنوا الى الايمان في صدورهم ولم يتزعزعوا، وانطلقوا من الوضع الجديد الذي تشكّل خلال ساعتين متغلبين على جميع كوابح النفس البشرية حين تستخفها النجاحات الكبرى. وفشل عدوهم في التماسك امام الزلزال، وراح يتخبط ليوهن نفسه اكثر فأكثر بسلسلة من الاخطاء والحماقات والمكابرة، وهو بذلك يخدمهم من حيث لم يقصد. وانتظر الناس في كل مكان، بأمل او بخوف حسب مواقعهم العاطفية ومواقفهم السياسية من الصراع، ان تعصف آلة الحرب الصهيونية بالمقاومين خلال ساعات او ايام على ابعد تقدير. لا اعتقد ان احداً، مبغضاً او محباً، توقع صموداً يتجاوز شهراً او شهرين، واذا بالمعجزة الالهية تتحقق خارج عصر المعجزات، ويدشن الابطال شهر ملحمتهم السابع بذات العزم والعنفوان في حين يقف العدو ذليلاً مهلهلاً خائر القوى. وتهتف شعوب الارض من أقصاها الى أقصاها على ايقاع بنادق الحق. ولنا عودة للاغتراف من هذا المعين الزكي.
( اضحوي _ 1694 )
2024-04-09
