التقدم من الإصلاح إلى الثورة
التحالف الوطني الديمقراطي الأردني
جمال الطاهات
هناك مبررات موضوعية تتطلب التقدم والانتقال من المطالب الإصلاحية إلى العمل الثوري بالوسائل السلمية. ولكن يجب التذكير بأن هذا التحول يرتب على التحالف الوطني الديمقراطي، توفير خطة واضحة لإنجاز الثورة بعنوانها الواضح وهو تمكين الشعب الأردني من استرداد الدولة سلطة وموارد وبناء الدولة الحقيقية التي تعبر عن القيم العليا المشتركة للشعب الأردني وتخدم مصالحه دون أي تمييز. وحيث ان الثورة تتألف من مرحلتين: الأولى هي التخلص من الاستبداد والفساد، والثانية توفير سياسات واستراتيجيات بديلة لعمل مؤسسات الدولة الحقيقية، فإن السياسات والاستراتيجيات البديلة جزء لا يتجزأ من خطة الثورة، التي سينجزها الشعب الأردني بمرحلتيها. ودور التحالف الثوري تقديم ما يمكّن شعبنا من انجاز الثورة بمرحلتيها، وليس السعي لتحقيق أي منهما نيابة عن الشعب.
مبررات التقدم من الإصلاح إلى الثورة
التحول إلى الخيار الثوري في كل المجتمعات لحظة تاريخية عنوانها تزامن مجموعة عوامل تجعل الخيار الثوري ضرورة حتمية. أهمها رفض الإصلاحات وإصرار الحاكم المستبد على السياسات التي أدت وتؤدي لنتائج كارثية واضحة في كل المجالات. وهذا الرفض يعبر عن العجز البنيوي للحكم الاستبدادي وعدم قدرته على استيعاب التحولات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية التي حصلت وتحصل بشكل يومي وتؤثر على مجمل البنى السياسية والاقتصادية.
رفض الإصلاحات هو الموقف المشترك الذي يصوغ القصص التراجيدية للنظم الاستبدادية. فهناك إجماع بين المؤرخين على أن المستبدين الفاسدين كان بإمكانهم النجاة لو فهموا التحولات التقنية، وقبلوا القيام بإصلاحات حقيقية.
فعلم السياسة يتعامل مع أحد تقنيات التحليل العلمي وهي المعروفة بــ (Counterfactual Analysis) ويمكن ترجمته بالتحليل بالافتراضات المضادة لتبيان أهمية بعض العوامل أو الخيارات. مثلاً ماذا لو قام قيصر روسيا بإصلاحات كبرى في بلاده بدلاً من دخول الحرب العالمية الأولى لتجنب تلك الإصلاحات. ماذا لو قام بشار الأسد بالإصلاحات المطلوبة منذ عام 2017. ماذا لو قام شاه إيران بالإصلاحات الضرورية التي طرحتها حركة الملكية الدستورية في إيران عام 1973.
إن رفض الإصلاحات لا يعمل بشكل تجريدي، وتكمن أهميته بأنه ينتج العامل المركزي الآخر الذي يجعل الثورة ضرورة حتمية لا يمكن تأجيلها، وهو العامل الذي يتمثل في النتائج الكارثية لخيارات المستبد الفاسد في الأردن وسياساته وآثارها السلبية على المواطنين. والتي يمكن تلمسها في تراجع أداء مؤسسات الدولة في كافة القطاعات بلا استثناء، من التعليم للصحة للزراعة للمياه للطاقة والنقل والاتصالات، إضافة إلى تداعي استقلال القضاء، وترهل المؤسسات الأمنية والسيادية وفقدان وحدتها وتماسكها المهني، وتحولها إلى شلل تتبع أصحاب النفوذ.
والتراكم نحو ضرورة الخيار الثوري يبدأ من لحظة فارقة أهم علاماتها: أن رفض الإصلاحات وتراكم الفشل الاقتصادي والمؤسسي، يدفع المواطنين لبدء البحث عن الحلول الممكنة لتغيير الواقع الراهن. فالدور التاريخي لعناد المستبد الفاسد ورفضه الإصلاح، والنتائج الكارثية لسياساته، تدفع المواطنين للتساؤل عن المخرج من هذا الواقع.
بروز هذا التساؤل (الخروج من الواقع الراهن) هو المدخل الحاسم والتاريخي لتحديد المهمة المركزية للتحالف الوطني الديمقراطي الأردني، وهي تقديم الإجابة الثورية للبحث عن الواقع البديل. والتي تتلخص في طريقة تمكين الشعب من استرداد السلطة والموارد (اسقاط حكم المستبد الفاسد)، وبناء الدولة الحقيقية في المرحلة التالية. إذ أن الخيار الثوري يتطلب العمل على مهمتين متزامنتين: الأولى تتلخص في رسم ملامح المستقبل، والثانية هي توضيح كيفية اسقاط حكم المستبد الفاسد كعقبة تمنع الشعب الأردني من تحقيق أحلامه بمستقبل أفضل. مع الرهان على أن المستبد الفاسد فاقد للقدرة على المناورة وعاجز عن القيام بأي إصلاحات ذات معنى، ويصر على سياساته وممارساته التي تدفع المواطنين للتساؤل عن المخرج، وتهيئهم لقبول لخيار الثوري والانخراط به.
وعي مبررات الثورة تؤكد ضرورة الفعل الثوري وتحدد انماطه
وعي مبررات الثورة وحتميتها تنطوي على ضرورة الفعل الثوري، وأيضاً تساعد على اشتقاق أنماط هذا الفعل. لن تتحقق الثورة بشكل تلقائي. إذ أن كل مبررات الثورة تلتقي في هدف مركزي وهو ضرورة العمل لتمكين الشعب من استرداد السلطة والموارد وبناء الدولة الحقيقية. وهذا لا يتحقق دون وجود جسم ثوري يحول الفرصة المتمثلة بمبررات التغيير الثوري إلى منجز تاريخي. فلن تتحقق الثورة دون فعل ثوري، والذي يميز الفعل الثوري عن أشكال التمرد العفوية والتلقائية، ويحمي الأردن من الفوضى هو وجود برنامج ثوري. فمبررات الثورة هي الإطار المرجعي الذي يحدد أشكال الفعل الثوري، كما أنها تساهم بشكل فعال في صياغة البرنامج الثوري وصور المستقبل البديل.
أما الاكتفاء برصد حالة الغضب الشعبي، ومقدمات الغليان الثوري، وحشد مبررات الثورة والبرهنة على حتميتها، وانتظار الثورة دون اتخاد الخطوة الحاسمة نحو الفعل الثوري، فهذه تمثل استقالة من الحياة والتاريخ. فكل الحتميات التي يمكن البرهنة عليها نظرياً، هي مجرد تحديد للفرص وللمحددات التي تفرض نفسها على الخيارات وعلى أشكال العمل المختلفة. فمبررات الثورة في فرنسا كانت مختلفة عن تلك التي كانت روسيا قبل الثورة الاشتراكية، وعن تلك التي تجلت في الجزائر أو إيران. لهذا تحققت الثورات عبر فعل ثوري إبداعي استلهم مبررات الثورة لصياغة البرنامج الثوري، وتحديد خيارات الفعل الثوري نفسه. فمبررات الثورة، هي إحدى المراجع التي تشكل الفعل الثوري، وتصوغ ملامحه وتحدد البرنامج الذي يميز الفعل الثوري عن أنشطة التمرد الفردية والفوضوية.
كلمة أخيرة
مبررات الثورة في الأردن قائمة على ثلاثة أسس: رفض المستبد الفاسد للقيام بأي إصلاحات سياسية واقتصادية جدية، وتداعي مؤسسات الدولة مما أدى إلى تراجع مستوى حياة المواطنين، وازدياد المخاطر الإقليمية الناتجة عن مغامرات المستبد الفاسد واعتماده على اليمين الإسرائيلي للالتفاف على ضرورات الإصلاح. وهذه المبررات هي ما يدفع طلائع الشعب الأردني للتساؤل عن كيفية التخلص من الوضع الراهن (اسقاط حكم المستبد الفاسد كشرط لاسترداد السلطة والموارد)، وبناء الواقع البديل والمتمثل بـإنشاء الدولة الحقيقية. وهذه أفعال تاريخية تنجزها قوى الشعب الحية، وليست مهمة فصيل أو تنظيم سياسي ينجزها نيابة عن الشعب. وعليه فإن المطلوب تصورات تمكن الشعب من المضي قدماً خطوتان متلازمتان. الخطوة الأولى (اسقاط حكم المستبد الفاسد)، والخطوة الثانية البدء ببناء الدولة الحقيقية وعنوانها ضمان استقلال الضمير المهني لمؤسسات الدولة واخضاعها للرقابة الشعبية. مع التأكيد على أن الثورة لا تعني أن يقوم التحالف الوطني الديمقراطي الأردني بحكم الأردن بديلاً للمستبد الفاسد وعائلته. فمهمته الثورية تنتهي مع سقوط المستبد الفاسد، والبدء بتأسيس شرعية صناديق الاقتراح، وصيانة تلك الشرعية وحمايتها.
2025-03-11
